خصائص دولة الإسلام 2- العدل لكل البشر بلا تفريق

خطبة الجمعة

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

عباد الله يبن لنا المولى سبحانه أن السبب الرئيسي لإنزاله الكتاب والميزان هو أن يقوم الناس بالقسط (العدل) ولقد تحدثنا في اللقاء الماضي عن أبرز خصائص دولة الإسلام المجموعة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فأساس ما ذكره الله تعالى هو العدل الذي أمر به وكرر الأمر به كثيرا في كتابه العزيز وخص بالذكر من تصدر للحكم بين الناس.

فقال عز من قائل: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) هذا العدل الذي لا مجاملة فيه ولا مراوبة ولا محابات، يظن بعض الناس أنه خاص بالمسلمين دون غيرهم وهذا خطأ شرعي خطير.

كيف لا والله تعالى أرسل نبيه رحمة للعالمين لذلك كان لا بد من أن نوضح أن عدل دولة الإسلام يشمل علاقاتها الداخلية والخارجية ويعم كل رعاياها مسلمين وغير مسلمين قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

فالله تعالى لم يكتف بنهي المؤمنين عن إيذاء غير المسلمين بل حثهم على التعامل معهم بالبر أي بالإحسان والإكرام وبالعدل طالما أنهم لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يعينوا على إخراجهم ولا حتى بالمال أو الكلام.

قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

لاحظ أخا الإسلام كيف أن المولى سبحانه وتعالى عندما ذكر من قاتلنا وأخرجنا من ديارنا وأعان على إخراجنا من بيوتنا وديارنا لم ينهانا عن القسط والعدل ولكنه نهانا عن موالاتهم أي الميل إليهم ومناصرتهم فالمسلمون إنما يقاتلون من قاتلهم فهو قتال حق وعدل وتعاملنا مع أولئك بهذه الصورة ليس إكراما لهم على ما هم عليه من الكفر ولكنه إكرامٌ وإعزازٌ وإظهارٌ لفضل دين الله ولخيرية شريعته التي يعم عدلها خلق الله أجمعين ولو كانوا كفارا لله جاحدين.

ولهذا عندما رأى الناس من المسلمين هذا السلوك وهذه المعاملة دخلوا في دين الله أفواجا بعد أن قذف الله تعالى مودة المسلمين في قلوبهم قال تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

ولعل تاريخ المسلمين مليء بالقصص والعبر التي تظهر للناس معنى دولة الإسلام التي ننشدها والتي أساء فهمها الغلاة والجاحدون

روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب، فقال يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم. قال عذت معاذا. قال سابقت ابن عمرو بن العاص، فسبقته. فجعل يضربني بالسوط ويقول أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه فقدم. فقال عمر أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر اضرب ابن الأكرمين. ثم قال عمر للمصري ضع على صلعة عمرو. فقال يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه. فقال لعمرو منذ كم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال عمرو يا أمير المؤمنين لَمْ أعلم ولم يأتني أي لو علمت لأنصفته.

هذه دولة الإسلام دولة العدل والتكريم لكل من يحيا على أرضها ولكل من يتعامل معها.
دولة يُقتص فيها من ابن والي مصر لعامي من عوام الناس، ذكرت بعض الروايات أنه كان قبطيا بل ولا يكتفي بالقصاص من ابنه بل ويعاقب والده فلولا أن أباه كان واليا لما تجرأ الولد على الظلم.

هذا ديننا وهذه شريعتنا وهذا حلمنا وهذه دولتنا.
اللهم هيئ لنا حكاما عادلين، أقوياء منصورين، لرايتك رافعين ولشريعتك ناصرين، إنك سميع قريب مجيب.
فاستغفروه فيا فوز المستغفرين

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على عبده الذي اصطفى.
عباد الله في معرض حديثنا عن رعايا دولة الإسلام يستوقفنا سؤال السائل وظن الظان الذي يحسب أن دولة الإسلام لا تحوي إلا المسلمين أو الذميين من أهل الكتاب أي من اليهود والنصارى وهذا خطأ شرعي وتاريخي فدولة الإسلام تضم في التعريف الشرعي صنفا ثالثا يسمى (المعاهدون) وهؤلاء لا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الكتاب فهم من غير المسلمين يعيشون مواطنين في أراضي دولة الإسلام لهم عهد المسلمين وأمانهم، ينضبطون بضوابط دولة الإسلام ويراعون مصالحها فلهم حقوق وعليهم واجبات في إطار العهد الذي بينهم وبيننا .

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل مُعاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما).

وروى أبو داود الحديث الصحيح الذي أورده في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ألا من ظلم مُعاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة).

وعلى هذا فإن سكان بلدنا من غير المسلمين مما لم يقاتلنا ولم يظاهر على إخراجنا هم أهل ذمة وعهد في دولة الإسلام.

وهنا قد يقول القائل إنهم لا يدفعون الجزية وما شابه ذلك من الحجج.
وهذا نجيبه مستعينين بالله بأن الجزية عقد وعهد شرعي يكون بين دولة الإسلام ممثلة بإمامها وقيادتها وبين خلق الله من غير المسلمين يدفعون فيه مبلغا من المال واجباً عليهم في مقابل خدمات تقدمها لهم دولة الإسلام لعلَّ أهمها وأبرزها حمايتهم وصيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم والقتال دونهم فهم لم يكونوا يدافعون عن الدولة حال غزوها بل وكانت الدولة تنفق على ضعيفهم وعجوزهم مريضهم ولقد كان أهل الذمة في بلاد الشام يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون ولكن لما انهارت دولة المسلمين وضعفت شوكتهم ونُكِّست رايتهم وحوربت شريعتهم ولم يبق لهم خليفة ولا إمام يطالب بهذه الجزية لم يدفعها أولئك ولكنهم بقوا على أصل شريعة الإسلام إذ في ديننا الأصل أن الدماء والأعراض والأموال مصونة محفوظة وعليه فإننا نكرر بأن من في بلادنا من أهل الكتاب ومن غيرهم كالإسماعيلية والدروز ومن على شاكلتهم ممن وسعه بيته ولم يحارب أو يعادي المسلمين هم جميعا معصومو الدماء والمال والعرض.

أما من قاتل المسلمين وظلمهم واعتدى عليهم كائنا من كان ولو كان من أبناء عمومتنا ومن بني جلدتنا فالله تعالى يقول (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) فنقاتل من قاتل المسلمين ونحارب من حارب شريعتهم كائنا من كان اسمه أو وصفه أو نسبه.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأعلي يا مولانا كلمتي الحق والدين.

0%

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *