فأما اليتيم فلا تقهر

  • خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
    خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
  • خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
    خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
  • خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
    خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
  • خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
    خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
  • خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر
    خطبة الجمعة - فأما اليتيم فلا تقهر

#الشيخ_محمد_أبو_النصر
في أحد مساجد حلب المحررة
التاريخ: 15/ صفر/ 1437هـ
الموافق: 27/ تشرين الثاني/2015م
مدة الخطبة: 35 دقيقة
الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الأولى
1- وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى
2- الشرائع السابقة أمر الله فيها بهذا أيضًا
3- المنهج القرآني التفصيلي للتعامل مع الأيتام من الحضانة حتى البلوغ
4- هل على أموال اليتامى زكاة؟
5- وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا

الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية
6- أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا (الكفالة لا تكون بالمال فقط)
7- الجانب العاطفي (من مسح رأس يتيم)
8- جرائم في حقِّ الأيتام نسمعها في محاكِمنا!!
9- أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ
10- أطفال اليوم شباب الغد
رابط الخطبة على الفيسبوك

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

تابعوا كل مميز عبر قناتنا على التليغرام على الرابط التالي
https://telegram.me/do3atalsham

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.
الخطبة الأولى
إنّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستهديهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فلن تجد له وليًّا مُرشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، أَجابَ مَنْ سأَلَ عَنِ اليَتامَى فَقالَ: ((قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ))، وَنَهَى عَنْ قُرْبِ أَمْوالِهِم بِظُلْمٍ أَو ضَيْرٍ، وأَشْهَدُ أَنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ، أكرم يتيمٍ عرفته الأرض، وَجَدَهُ ربُّه يَتِيماً فَآواهُ، وضَالاًّ فَأَرشَدَهُ وهَداهُ، وعَائلاً فَرَزَقَهُ وأَغنَاهُ، وأرسله رحمة للعالمين، أَرْسَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًّا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فبلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمَّةَ، وكشفَ اللهُ به الغُمَّة، وأقام في الناس كلمة التوحيد من آمن بها وعمل بمُقتضاها فقد أفلح وفاز فوزاً عظيماً، فصلوات ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ المحجَّلين ومن سارَ على دربهم واهتدى بهداهم وتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أمّا بعد عباد الله، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة:220]

لقاؤنا بكم يتجدد أيها الإخوة الكرام للحديث عن مشاكل مجتمعنا، وحديثنا اليوم عن اليُتم والأيتام، ولعلَّ البعض قد يسأل من أين أتت كلمة (يتيم)؟ أقول وبالله التوفيق: أنَّ أصل كلمة (يتم) في اللغة تعني (الغفلة أو الانفراد) وبه سُمي اليتيم يتيماً، لأنَّ الناس يتغافلون عنه ويتشاغلون عنه بعد موت أبيه. أمّا (الانفراد): فمعروفٌ في لغتنا يُقال: جوهرةٌ يتيمه أي وحيدة لا نظير لها. وكذلك اليتيم حُرم من مزيدٍ من الإخوة مِن أمِّه وأبيه، ولهذا سُمِّي اليتيمُ يتيمًا لما يُتشاغل عنه ولأنَّه حُرِمَ المزيدَ من الأشقَّاء،

أيها الإخوة الأفاضل، أيُّها السادة الكرام، لقد شاء ربنا جلَّ جلاله أن ينشأ نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – يتيماً، ليكون يتمه – صلى الله عليه وسلم – تشريفاً لكل يتيم على وجه الأرض، فلقد ولد المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاة والده عبد الله وماتت أمه وهو ابن ستِّ سنين، فلما بلغ الثامنة من عمره المبارك مات جده عبد المطلب أيضاً، فتولاه عمُّه أبو طالب بالعناية والرعاية فأحبه حباً شديداً، واعتنى به خير عناية، وكان له نِعم الكافل والمربِّي والمُعين، أنفق عليه وأعانه وناصره حتى مات” وهذه حكمة أرادها ربنا سبحانه وتعالى أن ينشأ نبينا – صلى الله عليه وسلم – يتيماً ليكون يتمه تشريفاً لكل يتيم على وجه الأرض، وليتولَّاه الله جلَّ وعلا وحده بالرعاية والعناية، إذ امتن عليه ربُّه قائلًا: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (8 )( [الضحى:6-8]

كنت يتيما فآواك الله وقذف الحنان في قلب عمِّك أبي طالب، وكنت ضالًّا تبحث عن الحق ولا تقتنع بأصنام الجاهلية، فهداك الله للتوحيد ولدين الحق، ووجدك ربُّك عائلًا فقيرًا فأغناك الله بالرزق الحلال مِن فضله … ثمَّ تُتبِع الآيات الكريمة بأمرٍ للنبيِّ الكريم بعد أن ذكَّرهُ ربُّه بما لا يَنساه رسول الله ممَّا امتنَّه الله عليه فقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ أمرٌ أُمِر به سيِّدُ المرسلين، وأُمِرَ به جميع المسلمين، وليس هذا وحسب، فإنَّ هذا الأمر من المواثيق والعهودِ التي أمر الله بها كلَّ الأمم وأنزله في كلِّ الشرائع والرسالات السابقة،( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 82].

أخذ الله ميثاق بني اسرائيل على أمورٍ من أوَّلِها الإحسان لليتامى، وذلك لا يكون فقط بالإنفاق عليهم فقط، بل بإكرامِهم وحسن تربيتهم، وإعانتهم ومراعاة رقَّة مشاعرهم وانكسارِ خاطِرهم لما حُرِموه من حنان الأبِ أو الأم أو كليهما، لذلك كان لابدَّ لهم من مزيد رعاية وحنان، لا بدّ مِن أن نحفظ مالهم وأن ندير شؤونهم وألَّا نقرب مصالِحهم ومالهم إلَّا بالتي هي أحسن، أي بما فيه من مصلحةٌ وتنميةٌ لها، وفي هذا أتت الأوامر كثيرةً في القرآن الكريم:

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر) إيَّاك أن تظلم اليتيم، إيَّاك أن تجور عليه مستغلًّا عدم وجود أبٍ يزود عنه… بل إن كان في كنفك وجوارك وجب أن تعدل بينه وبين غيره من الأبناء قال تعالى: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) [النساء:127] أي أن تقوموا بينهم وبين سائر الأبناء إن كانوا في كنفك وفي جوارك بالعدل (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) وما تفعله من خيرٍ في هذا علمه الله وأحصاه ليجزيك به الحُسنى،

كما أمر الله للأيتام بكسوتهم وإطعامهم، وسدّ حاجتهم، فمدح الله خيرته من عباده من أهل الجِنان بقوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان:8] .. كما حَرَّمَ أكل مال اليتيم وجعل ذلك من الكبائر إذ عدَّه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من السبع الموبقات التي توبق صاحبها في النار، قال تعالى: ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [النساء:2]… إنَّه كان ذنبًا عظيمًا وكبيرة من الكبائر، أن تأكل مال اليتيم أو أن تتبدل الخبيث بالطيب، فتعطيه من حصَّته من التركة الشيء السيء الذي لا راغب فيه وتنتقي لنفسك أجودها (الأرضُ البور التي لا تُزرع، البقرة التي لا تحلب، آلات المعمل الواقفة التي لا تعمل نعيها لليتيم لأنَّ ليس له من يدافع عن حقِّه، أمَّا أعمامهم ومن شاركهم في التركة فيأخذون الأرض الخصبة والبقرة الحلَّابة والآلات المُنتِجة) (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [النساء:2]

إنَّه كان إثمًا وذنبًا عظيما، حتى أنَّ الله تعالى مراعاةً لخاطِر الأيتام أمرنا – فيما لو حضر الأيتام قسمةَ ترِكةٍ هم ليسوا فيها بوارثين – بإعطائهم منها، جبراً لهم، فلا يَجدوا في أنفسهم شيئاً إذ قال تعالى: ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً( [النساء: 8]، قولًا لطيفًا حسنا فالكلمة الطيِّبة في كثيرٍ مِن الأحيان تؤثِّر في النفس أكثر ممّا يؤثِّر به العطاء ….

فإذا وليت شيئا من مال اليتيم فأحسن إليه ونمِّه له، زده له، تاجر له فيه، امتثالا لأمره تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الاسراء:34)

ستُسأل عن هذا اليتيم الذي في عهدتك ماذا قدَّمت له، أنمَّيت له ماله أأنفقت ماله عليه، أم أنَّك أكلت أو أضعت له ماله، أم أنَّك أخذت الحسن وتركت له الرديء، إنَّ العهد كان مسؤولا ((وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) أي بما فيه زيادة له ونماء، وفي هذا أتت الآثار فيما روى الترمذي والدارقطني وغيرهما توجِّه الناس للإتجار بأموال الأيتام لتنميتها لهم، شريطة أن يكون ذلك في المضمون وفيما يغلب على الظنِّ ربحه (لا أن أنزِّه مالي عن التجرة التي فيها مُخاطرة، وأُغامِر بأموال اليتامى ….

وهنا لابدَّ أن ننبِّه على مسألةٍ نُسألُ عنها كثيرًا وهي: هل على أموال اليتامى زكاة؟؟ أقول لكم أنَّ هذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء والمعتمدُ عندنا أنَّه لا زكاة على مال اليتيم حتى يصبح بالغا فيكون مكلَّفا بالزكاة ويُزكِّي عن ماله (فالقلم رُفع عن ثلاث من بينهم ، الصبيُّ حتى يحتلم، فإذا لم يكن مُكلَّفًا أصلا فكيف نوجِب الزكاة عليه حتى تأكلَ الزكاة ماله حتى يكبر، فإذا ما بلغ مبلَغ الرجال وغدى مُكلَّفًا يدفع هو زكاة ماله …

اليتيم عندك، تنمي له ماله، تُحسِن إليه، تجبُر خاطره، تُعامِلُه بالتي هي أحسن، فإذا ما بلغ الأيتام الرشد والفهم، غدوا شبابا أقوياء، وَجَبَ عليك رَدُّ أموالهم إليهم، وليس لأحدٍ أن يبق متسلِّطًا على مال اليتامى يبتزُّهم بمال أبيهم ليبقوا تحت جناحه (تحت سيطرته)، قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) [النساء:6]

إذا دفعت لليتيم ماله، أعطه ماله واجرد ماله بشهادة شهود ووثِّق ذلك لتنزِّه نفسك عن الشبهات بجرد المال وتسليمه بشهادة شهود، وتذكَّر أيُّها المُسلِم أن مراجعة الدفاتر وأنَّ الحساب المهم سيكون عند المُحاسِب الخطير الأكبر، سيكون عند الله سبحانه تعالى (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم عندها ستنشر الصُّحُف والدواوين وستُحاسب على كلِّ كبيرةٍ وصغيرة، جعلني الله وإيَّاكم يومها من الناجين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المُستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفا وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى عباد الله، خير الوصايا وصيّة رب البرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامة من المِحَن، أما بعد إخوة الإيمان:

ونحن نتحدَّثُ عن اليُتمِ والأيتام، لابدَّ أن نذكِّر بالحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – قال : قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» ، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، وفَرَّج بينهما شيئًا.

وروى مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قال : «كافِلُ اليتيم، له أو لغيره، أنا وهو كهاتَيْن في الجنة».

أنا وهو: هو والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يتلازمان في الجنَّة، كافل اليتيم له أي لزمه كفالتهم، أبناء بنيه، أبناء أخيه ….يُتٍّموا، أو لغيره: أيتامٌ لا مُعيل لهم آواهم ورعاهم وكفلهم وربَّاهم، امرأةٌ عندها أيتامٌ تزوجها وأحسن إليها وأكرم بنيها فكفلهم وربَّاهم … (أنا وهو كهاتَيْن في الجنة)

والكفالة كما قلنا وكما نقول دائما، لا تكون بالمال فقط، لا تكون ببضع ليراتٍ تنفقها على اليتيم، ليست بمبلغٍ تسدُّ به رمقه، فهذا اليتيم بحاجة لمن يعوِّضه حنان الأب، هذا اليتيم بحاجةٍ لأن يشعر بأن له سندٌ وظهرٌ قوي يلجأ إليه ويعتمد عليه إذا جارت عليه الظروف، هذا اليتيم بحاجة لمن يجبر خاطره ويشعره بالحنان الذي فقده، هذا اليتيم بحاجةٍ لمن يعوِّضه شيئا من ذلك، وفي هذا المعنى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -:
«مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يمسحه إلالله كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» والحديث عن أبي أُمامة رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

لماذا يحدِّثنا النبي – صلى الله عليه وسلم – عن فضل المسح على رأس اليتيم؟!

ما هذا إلّا لأنَّ النبي ينبِّهنا إلى أنَّ هذا اليتيم بحاجة لمن يشعره بالحنان، فهذا اليتيم ليس كباقي الأطفال، هذا اليتيم ليس له أبٌ يشعره بالدفء والحنان، فهو بحاجة لمن يشعره بذلك، ولهذا أتى التوجيه النبوي لنشعر الطفل بذلك، أشعره بأنَّك عونٌ له وسند، ولو لم تكن ذا مال، ولو لم تكن غنيًّا، ليس بالضرورة أن تنفق، أعنه بقوتك، اسع في مصالحه، طالب له بحقوقه، وجِّه وانصحه وأرشده للخير، فكلُّ هذا من كفالة اليتيم…

ثمّ بعد كلِّ ذلك
بعد كلِّ ما ذكرنا عن أجر كفالة اليتيم ورعايته وعنايته، نتفاجأ ونحن في زمن الحرب، ونحن في زمن الجهاد بالقتال، ونحن في زمنٍ غدا فيه لدينا فجأة ببضع سنوات عشرات آلاف الشهداء وعشرات آلاف بل مئات آلاف الأيتام، في بضعِ سنين، ظهروا فيه في مجتمعنا

في هذا المجتمع الذي أصبحنا بأحوج ما يكون للتذكير فيه بهؤلاء اليتامى وبضرورة رعايتهم وبضرورة صون حقوقهم… ولكنَّنا بعد كلِّ ذلك نرى من يجرم في حقِّ نفسه وفي حقِّ إخوانه فيأكل أموال اليتامى، يظلمُ اليتامى،

غدونا نسمع ببعض قادة كتائب من الأنذال يأخذون الأموال من قياداتهم على أنَّها رواتب لعوائل الشهداء، لإغذا بهم يأكلونها ويضعونها في جيوبهم!!

رأينا من تزوَّج امرأةً ليكفلها وليستر عليها وليعتني بأبنائها الأيتام، فإذا به يريد أن يعيش على مائدتهم، لا يعمل ويريد أن يُنفق على نفسه ممَّا يأتي الأيتام من مُرتَّب والله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10]

ما علم ذلك، أنّ ما أكلهُ ظُلمًا من مال الأيتام إنما هو نارٌ ستحرق بطنه، نارٌ سيبتلى بها بأدواء الدنيا ليذوق وبال أمره، ومن ثمَّ يوم القيامة سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا، ولذلك وقف رسول الله ودعا: (( اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيمَ وَالمَرْأةِ )) [حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد].
أي أضيِّقُه وأحرِّمه، حقُّ الضعيفين اليتيم، والمرأة، أحرِّجُ عليك يا رب بأن تشدِّد العذاب على من ظلمهما وأن لا تغفر له، ذاك الذي يظلم المرأة المسكينة التي لا مُدافع عنها ويظلم اليتيم الضعيف، ولعظيم هذا الذنب فقد أورد الله ذِكر هذا الذنب مباشرة بعد ذِكر الكُفر بالله سبحانه، إذ قال: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)) [الماعون:1-2]

لأنَّه لو كان ذا دين ولو كان يعلم ويوقن بأنَّ الله عزيزٌ ذو انتقام سينتقم لليتيم الضعيف، لما تجرَّأ على ظُلمه، لو علم أنَّ الله تعالى لا يعزب عنه مثقال حبَّةٍ من خردل لتنبَّه لأموال اليتامى ولما أكل مالهم، ولكنّ من قلَّ إيمانه ولم يهتمَّ بآخرته كذَّب بالدين ودعَّ اليتيم (ضرب اليتيم وآذى اليتيم وقهر اليتيم…)

غدونا نسمع في المحاكِم عن بعض الناس قليلي المروءة والشرف يستغلُّ وضع الناس وفقرهم، ويستغلُّ ظروف النزوح واللجوء وبعد النساء عن أهلهنَّ، فيأتي لتلك الأرملة خاطبًا متظاهرًا بالعطف والحنان، يأتي ليخطب تلك المسكينة التي فقدت زوجها وبعُدَت عن أهلها وتقطَّعت بها السبل، بحجَّة أنه يريد رعايتها ورعاية أبنائها..

فإذا به بعد أن يتزوَّج تلك المرأة يظلمها ويظلمُ بنيها، وأحيانًا يزيد في معاناة الأيتام فيجمع عليهم يُتمين فيأمرها أن ترسل الأولاد إلى ذويهم (إلى بيت جدِّهم، إلى أهل أبيهم ….) يزيد ليتهم يُتمًا آخر فيحرمهم حنان الأم بعد أن حُرِموا حنان الأب

أيقن بالله سميعا مجيبا ناصرا للمستضعفين لما تجرأ على ذلك، أين فعل هذا من حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأين فعلُهُ من أمر الله ورسوله بإكرام اليتامى، لذلك ترى كثيرا من النساء الصالحات، عندما لا يأتيهن خاطبٌ صالح يثقن في أنَّه سيحسن لأبنائهن، ترى كثيرًا من أولئك النساء الصالحات يمتنعن عن الزواج وهنَّ شابَّاتٌ جميلاتٌ حسناواتٌ يُخطبن، خوفا منهنَّ على بنيهنَّ، لذلك أعلى الله شأنها وأعظم نبيُّه في الحديث أجرها ففي الحديث الذي رواه أبو داود وفي سننه وأحمد في مُسنده، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: « أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». [وَأَوْمَأَ راوي الحديث بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ] « امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا »

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: ” أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي [أي تُزاحِمُ النبيّ في الدخولِ إلى الجنَّة]، فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ ؟ وَمَنْ أَنْتِ؟ [بم بلغت هذا المبلغ؟ حتى تسابقي النبي في الدخول إلى الجنَّة؟!] فَتَقُولُ:
“أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي “.[رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَجْلَانَ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: يُخْطِئُ وَيُخَالِفُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. وحسَّنه المنذري وغيره] [لم يأتها رجلٌ صالح بعد أن مات زوجها، فصبرت وقعدت تربِّي أبناءها بعفَّةٍ، وطهارة وصدق ، وشرف، وأمانة، فربت أولادها على كتاب الله، وعلى سُنة رسول الله، وعلى الأخلاق الكريمة، فكانت عاقبتها أنَّها تزاحم وتسابق النبيَّ في الدخولِ إلى الجنَّة، لذا جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – منزلة الساعي على هذه الأرملة الطاهرة كمنزلة المجاهد في سبيل، وكمنزلة من يصوم النهار ويقوم الليل، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه – رضي الله عنه – قال – صلى الله عليه وسلم -: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل”.

فيا مَن ضَعُفَ جسدك عن الجهاد جاهد بمالك وأنفق على المجاهدين، أو جاهد بالسعي على الأرملةِ والمسكين، والسعيُ أعمُّ من النفقة، وإن لم تكن ذا مال اسع في حوائجهم وأعنهم بما تقد، ولتعلم بأنَّ عظيمَ أجرك ستجده في الدنيا قبل الآخرة، ولتعلم بأنَّك بهذا تسدُّ ثغرًا خطيرًا عن المسلمين، فالأمرُ جلل خطير، فأطفال اليوم شباب الغد، وفتيةُ اليوم رجالُ الغد، فإمَّا أن نحسن تربيتهم وإمّا نُحسن إليهم ليكونوا لبنةً قويّةً وعُنصُرًا فاعِلًا في بناء المُجتمع وفي بناء هذه الأمَّة ليكونوا مُسلمين صالحين وليخرجوا بعد سنواتٍ لنا مُجاهدين أتقياء صادقين، يطلبون ثأر آبائهم، أو أن نتركهم فريسةً للضلال والإضلال بعد أن قدَّم آباؤهم أراحَهُم فديةً لهذه الأمَّة فينقلب الأبناء شرًّا ونارًا وشنارًا علينا…

طريقان لا ثالث لهما، إمّا الإحسان برعاية الأيتام وحسن البناء أو – والعياذُ بالله- أن نتركهم فريسةً للضلال والإضلال لينقلبوا علينا ولنكون نحن في يومٍ من الأيام أعداءهم.

أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يحفظ أبناء وبناتِ المُسلمين من كلِّ مكروه، وأن يجبر بخواطِر أيتام بلدنا، وأن يُقِر أعينهم بثأرِ آبائهم وبنُصرَة مُجاهدينا…

إنّي داعٍ فأمِّنوا

0%

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *