رؤية شرعية واقعية حول الدعم غير المشروط

أبو محمد الصادق - أحرار الشام

بقلم: أبو محمد الصادق – أحرار الشام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين و على آله وصحبه أجمعين أما بعد:

1- فقد كثر الكلام عن مسألة الدعم وتناولها أصناف متعددة من الناس فمنهم الناصح المشفق ومنهم مسيء الظن بإخوانه ومنهم متتبع للعورات فرح بالزلات.

2- مما دفعني إلى الحديث عن هذه المسألة تبادلاً للنصح مع أهله وسداً لأبواب الفتنة مع مبتغيها وعلى الله الاتكال وهو الأعلم بالحال.

3- فأقول مستعينا بالله : تطلق عبارة (الدعم غير المشروط) في زماننا على دعم لم يقترن بإملاءات ولا يفهم منه انتفاء تقاطع المصالح بين الداعم والمدعوم.

4- إذ لابد لمن ولي أمر المسلمين أن يتقن فقه تقاطع المصالح المشروعة في السياسة والعسكرة وغيرهما والتفريق بينها وبين الولاء والعمالة الممنوعة.

5- فإن ترك المباح والمتاح عند الحاجة والاضطرار تعلقاً بالظنون والأوهام مزلة للأقدام ومضلة للأفهام وعليه دلت الأصول والنصوص والآثار.

6- لايخفى على طلاب العلم أن مسألة الاستعانة المنثورة في كتب الفقه مسألة خلافية معتبرة لايصح فيها التهويل أو التقزيم.

7- إذ أنّ مقام المسائل الخلافية المعتبرة مقام تقليد أو نظر و ترجيح واختيار لاتشهي فيها ولا إنكار ولا إجبار.

8- فقد أجازها أبو حنيفة وأصحابه والشافعي للحاجة وبشروط وهي رواية في مذهب أحمد اختارها ابن القيم.

9- وحاصل الشروط عند من أباحها للحاجة تحقق النفع و أمن الغدر وأن يكون الظهور للمسلمين لا للمشركين بعد الغلبة على عدوهم.

10- وذهب المالكية وهو المعتمد في مذهب أحمد إلى منعها وتحريمها إلا للضرورة وهذا اختيار ابن تيمية.

11- ومعنى الضرورة عند من حرمها اشتداد الخطر وقلة العدد وخوف الاستئصال وحفظ بيضة أهل الإسلام مع اتفاقهم إذ ذاك مع المبيحين في شروطهم المذكورة أعلاه.

12- فمدار الحظر عند القائلين به مطلقا هو القدرة والاختيار وتيسر ما يغني عنه في زمن التمكين الحقيقي وظهور المسلمين ولا يخفى أن لكل حال أحكامه.

13- والملاحظ أن الخلاف في مسألة الاستعانة يقل حجمه كلما ابتعدنا عن مباشرة القتال إلى ما دون ذلك مما يعرف في زماننا بالدعم اللوجستي والمعلوماتي.

14- فقد استعان النبي ﷺ بأريقيط للدلالة على طريقه في الهجرة واستعار ﷺ سلاحاً من صفوان بن أمية للقتال.

15- كما أنّ هناك فروقاً أخرى بين الحالتين في زماننا بسبب شدة تعقيد الوضع ومحدودية اغتنام ثغرات المنظومة الدولية وشراسة الحرب على أهل الإسلام.

16- مما يوجب بحث واقع كل بلد بحسب حال المسلمين والدول المحيطة بهم ووجود المنافذ والعمق الاستراتيجي لهم إذ لا يجوز إهمال هذه الأمور في زماننا.

17- وانظر على سبيل المثال إلى حال إخواننا مسلمي الروهينغا الذين تقطعت بهم السبل وطردتهم الدول وأعرضت عنهم العدالة المزعومة للمؤسسات الدولية.

18- فالسنن الشرعية و الكونية كلاهما ينتظم في سلك واحد يعرف ذلك من غاص في غور الشرع وتتبع كافة شرائعه وتلمّس مقاصده.

19- ولئن كانت دفة القيادة للسنن الشرعية فجسم المركب هو الأسباب الكونية.

20- ومع اعتقادنا أنّ التجارب المعاصرة ليست دليلاً شرعياً على مشروعية تلقي الدعم المشروط أو غيرالمشروط كما حصل مع بعض قادة الجهاد في حرب السوفيت وغيرها.

21- إلا أنها تصلح كمثال على اعتبارأصحابها لتلك الأسباب وتعاملهم معها وفق رؤيتهم الشرعية بناءعلى حال تلك البلاد علما أنّ بعض ذلك الدعم كان مشروطاً.

22- ومن المعلوم في أبواب السياسة أنّ تلك الشروط تتأثر بجملة عوامل تتعلق بحال المانح و الممنوح وحجم تقاطع المصلحة و وجود بدائل لكل منهما.

23- فصورتها ليست هي الإملاء دوماً بل تخضع لجملة متغيّرات و ظروف يخلقها الله عز وجل و يغيّر بها موازين القوى كما يشاء.

24- والثابت قطعاً أنّ الدعم بأنواعه لم يؤثر على قراراتهم المصيرية ولم يجعلهم خونة أوعملاء بل ازداد خطرهم في عيون الأعداء وقضى أكثرهم بحوادث اغتيال .

25- وإننا نذكر ذلك بعد التأصيل الشرعي للمسألة من باب إلزام المخالف بمرجعيته العلمية أو الحركية مع عظم مكانتهم وليس استعاضة عن النصوص ودلالاتها.

26- فكما أنّ تقاطع المصالح دفع بجيش الملحمة إلى التحالف في قتال عظيم ضد عدو مشترك مع الروم الذين سيغدرون لاحقاً وتكون الملحمة الكبرى معهم.

27- كذلك يكون تقاطع المصالح في كل زمان ومكان مجرداً عن وصف الكافر وعقيدة المسلم لأنها أسباب كونية يخلقها الله عز وجل.

28- وهو الذي يدفع اليوم دولاً إلى دعم الثورة للوقوف في وجه الصفويين مع كونها تقف ضد مصالح الأمة في ملفات وأماكن أخرى.

29- بل قد تدعم جماعات وهي لها كارهة ومنها متوجسة نكاية بنظام بشار ورغبة في إزالته وعندنا من الأمثلة ما لا يحسن نشره.

30- ومع الاتفاق على وجوب الحذرالبالغ من الانجرارإلى فخ العمالة و الوكالة للغير بدلاً من تقاطع المصالح ومعرفتنا بصدق وغيرة بعض من يتناول هذا الأمر.

31- لكن ينبغي الاستذكار أنّ الفرق بينهما واضح جلي يظهر على الأرض بأمور واقعة وليس بتخرصات وظنون و اتهامات عن بعد.

32- فكما أنّ السياسة الشرعية لا تسبح في فضاء دون قيود لكنها في الوقت نفسه تمتاز بسرعة ملء أي حيز مباح دون مبالاة بتنطع المتنطعين وهواجس المتهوكين.

33- ومن الملاحظ وجود من تلبس بازدواجية المعايير وخلط في التأصيل وطفف في التنزيل ورمى أخاه بالشبهة.

34- وتردد في اعتبار أهل الشام مضطرين بعد كل ما وقع عليهم من ظلم واضطهاد وقد أباح الشرع أكل الميتتة للمضطر.

35- بل قد أباح الشرع النطق بكلمة الكفر عند الإكراه الملجئ فكيف يكون الدعم غير المشروط محرماً لوقف جرائم أشرس الصائلين على الدين والنفس والعرض.

36- ولسان حال من يحرّم على أهل الشام أخذ الرخصة ويحملهم مالا يطيقون بعد إجرام النصيريين والخوارج:”لا أرضى لكم بغير الاستئصال أو النكوص جملة”.

37- وهب أنّ الدعم لإسقاط النظام النصيري مشروط فكيف يكون حكمه التحريم ابتداء دون مناقشة الشروط وقدرة أهل الشام على رفضها أو تجاهلها.

38- لاسيما و أنّ من الفقهاء من أجاز ضمن شروطه اﻹستعانة بذوات المشركين في القتال وليس فقط اﻹستعانة بأسلحتهم و أموالهم.

39- وما ندين الله به عدم دخول تلقي الدعم في دائرة التحريم ابتداء حتى نقول أنه أبيح اضطراراً وإلا فأين دليل حرمته من غيرشرط أو مع شرط لم يخالف الشرع.

40- وأما إن وجدت شروط تخالف الشرع فهي مردودة ابتداء ولكن لا يمكن مواجهتها إلا برؤية موحدة وخطة واضحة.

41- يشارك في وضعها الشرعيون الراسخون والخبراء الثقاة وتتضمن الحلول الشرعية للمقدور عليه والحكم الشرعي في غير المقدور عليه.

42- فليست جميع التكاليف بمنزلة واحدة فمنها ما يباح مطلقا ومنها ما يباح للحاجة ومنها ما يباح للضرورة ومنها ما يباح للإكراه الملجئ ومنها ما لايباح بحال.

43- ومع الاتفاق على أفضلية استغناء المسلمين بأموالهم وإمكاناتهم عن أي دعم يضعهم تحت سيف الابتزاز و المفاوضة ولزوم السعي إلى ذلك في خطة استراتيجية.

44- إلا أنّ ذلك في كثيرمن الأحيان أمر نظري مجرد خصوصاً في الظرف الراهن ولئن أمكن تحقيقه في بعض الجوانب فهو متعذر في أخرى ويعرف ذلك أهل الاختصاص.

45- وههنا تساؤل مشروع : لماذا لايتم الرجوع إلى الثقات من أهل الخبرة في مسائل نجزم أن كثيراً من مراجع التنظيمات لايتقنها و يصرح بعضهم بذلك عن نفسه؟!

46- فالجوانب الاستراتيجية من سياسية واقتصادية و إعلامية لشعب مضطهد لن يغطيها خطاب حماسي مجرد عن خطة شاملة تجمع بين الضرورات الشرعية والمعيشية.

47- وإن أردت مثالاً على ذلك فتفكر في حال أهل الشام إن اكتمل حولهم طوق حصار الدول وأغلقت في وجوههم ما تبقى من منافذ على قلتها كيف سيكون حالهم؟!

48- وهل يصح أن نعيش سكرة مؤقتة لنصر لم يكتمل ثم نغفل عن مآلات تحاك ضدنا سراً و جهراً لم نمتلك بعد أدوات مجابهتها وأقلها اجتماع كلمتنا على رؤية موحدة.

49- والمأمول أن تكون جميع الفصائل الشامية على قدر تحمل المسؤولية في إنهاء معاناة أهل الشام من أذى الباطنيين والخوارج وهم أهل لذلك بحول الله.

و الحمد لله ربّ العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *