الرئيسية / خطب / الإحسان في الإسلام قيمة تشمل كل نواحي الحياة

الإحسان في الإسلام قيمة تشمل كل نواحي الحياة

خطبة الجمعة - الإحسان في الإسلام قيمة تشمل كل نواحي الحياة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

الإحسان في الإسلام
قيمة تشمل جميع نواحي الحياة

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 29 دقيقة.

التاريخ: 10/صفر/1440هـ
الموافق: 19/تشرين الأول/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ مَنشأُ الإحسانِ وتعريفُه.
2️⃣ العدل مِثالية، والإحسان واقعية.
3️⃣ هل تستقيم حياتنا الدنيا بالعدل لو افتقدنا الإحسان.
4️⃣ نماذج من الإحسان الذي أمرنا الشرع به.
5️⃣ هل الإحسان للمسلمين فقط؟
6️⃣ المجتمع المسلم، مجتمعٌ قائمٌ على الإحسان في كل نواحي الحياة.
7️⃣ أناسٌ وصانا الله بمزيد إحسانٍ إليهم.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
8️⃣ الخوذ البيضاء، لماذا يُستهدفون؟ وموقفنا الداعم لهم، هل جزاء الإحسانِ إلا الإحسان.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

الحمدُ لله ربِّ العالَمين، أمرَ بالإحسانِ، وأَخبَر بأنَّهُ يُحِب المُحسنين، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا نعبد إلّا إيّاه مُخلصين له الدين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسوله إمامُ المُحسِنين وخاتَمُ الأنبياء والمرسَلين وسيِّدُ الأوَّلينَ والآخِرين، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على دربِهم واهتدى بهُداهُم إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ:

أيُّها السادةُ الكرام لقاؤنا بكم يتجدد، وحديثنا اليوم عن أصلٍ من أصول الإيمان، وقيمةٍ عظيمة من قيم الإسلام، حديثنا اليوم عن مبدأ من أهمِّ مبادئ الأخلاق الاجتماعية، ومنبعٍ من منابعِ السعادة في العلاقات الإنسانية السويَّة، حديثنا اليوم عن قيمةِ الإحسان، وما أدراك ما قيمة الإحسان بمعانيها العظيمة الكبيرة الشُّموليَّة، حديثنا اليوم عن قيمةٍ وخُلُقٍ يجعلُك -إن تمثَّلتَه- في مقام من يحبُّهم الله تعالى، ((وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة: 195].

قيمةٌ تجعلُك في مقامِ من يكون الله معهم: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)) [النحل: 128].

قيمةٌ تجعلُك في مقام من يرحمهم الله في الدنيا قبل الآخِرة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)) [الأعراف:56].

قيمةٌ تجعلُك في مقام من يُثيبُهم ربُّهم بِجنَّات النعيم: ((فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)) [المائدة:85].

عندما نتحدَّث عن الإحسان فلابدَّ لنا أوَّلًا مِن أن نذكر أصل الإحسان ومنشأه وتعريفه في ديننا، وهو ما عرَّفه به رسول الله -صلّى الله عليهِ وسلَّم- في حديث جبريل الشهير، لمَّا سألهُ قائلًا: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: ((أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ)).

هذا ما عرَّف به رسول الله -صلّى الله عليهِ وسلَّم- الإحسان، فالمُحسنُ – أيُّها الأحبّة- لا يصِل مرتبة الإحسان إلا إذا احتسب أجرَه عند الله، فلم ينتظِر مِن البشَرِ جزاء ما يعمل، شأنه شأن من امتثل أمر رسول الله َعندما قال: ((صِل من قطعك وأعطِ من حَرَمك وأعرِض عمَّن ظلمك)) [رواه أحمد]، لمَ يصِلُ مَن قطَعه؟! يصِلُ من قطَعَهُ لأنَّهُ يصِلُ لله، لمَ يُعطِ من حرَمَه؟! يعطيهِ لأنَّهُ يُعطي لله، لم يُعرِضُ عمَّن ظلمَه؟! لأنَّه يُعرِضُ في سبيلِ الله ولأجلِ مرضاةِ الله، وهذا هو منشأُ الإحسانِ أيُّها السادة.

عندما نتحدَّث عن قيمة الإحسان نتحدَّث عن قيمةٍ إسلامية تشملُ كلَّ مناحي الحياة، وليست مقصورةً على جانبٍ بسيطٍ ممّا يتوهَّمه الناس، كثير من الناس يتوهم الإحسان في جزئية معينة بسيطة، (في العفو مثلًا، في الصَفحِ مثَلًا، في الإنفاقِ مثَلًا…) ولكن في الحقيقة الإحسان هي قيمةٌ أساسيَّة من قيم الإسلام الأساسية، قيمةٌ تشمل العبادات الإسلامية والمعاملات المالية والعلاقات الاجتماعيَّة، قيمةٌ أمرَ الله تعالى بها أَمرًا، فقال تعالى وقوله الحق: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)) [النحل:90]. نعم أيَّها الأحبَّة، أمرَ الله تعالى أمرًا بقيمةِ الإحسان ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ))…

كثيرٌ من الناس يتحدثون عن قيمة العدل، العدل أيّها الأحبة قيمة مثالية نسعى لها في الدنيا ولكنّها ليست موجودة بشكل مُطلَق في الدنيا، العدل المطلق يوم لا ظُلم، ذاك في يوم القيامة، ((الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ)) [غافر:17]، أمَّا العدل المُطلق فلا يمكن أن يوجد في الدنيا لذلك قرَنَ اللهُ المِثالية بالواقعية فوجهنا إلى ما تصلح به حياتنا الإنسانية، فقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)) [النحل:90].

لو أردت أن تعيش مع زوجتك بالعدل فستطلقتها من الشهر الأول، لو أردت أن تعيش مع أولادك بالعدل فستنفرهم عن طاعتك، وستدفعم دفعًا إلى بغضك، وسيبغضك من حولك.

إن أردت أن تسير في عملك بالعدل، ستتعطل مؤسستك وستقضيها مشاكل مع من يعملون معك، أمرَكَ الله أن تقرِنَ العدل بالإحسان، سترى أشياء من زوجتك ليس بالضرورة أن تُعلِّق على كلِّ شيء، سترى أشياء وتتغافل عنها، سترى أشياء من أولادك وتتغافل عنها، سترى مِن عُمَّاِلك أو مِن إدارتِك أشياءً، ولا بدَّ أن تتغاضى عنها لكي يستمر مركب الحياة، لكي تعيش هنيئا سعيدا في هذه الدنيا لا بد أن تقرن العدل بالإحسان، فبالعدل المطلق لا تقوم الأُسَر، ولا تقوم المُجتمعات… لا بُدّ من الإحسان أيّها السادة، ولهذا فقد أتت الآيات القرآنية وأتت الأحاديث النبوية لكي توجهنا إلى الإحسان في كل نواحي الحياة:

  • في البيع والشراء، روى البخاري: عن رسول الله -صلّى الله عليهِ وسلَّم- أنَّه قَالَ: (( رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى )). سَمْحاً إِذَا بَاعَ، سَمْحاً إِذَا اشْتَرَى، سَمْحاً إِذَا اقْتَضَى، فتراه يبيع ويشتري وهو يشعر بالسعادة وإن فاته شيءٌ بسيطٌ من مزيدِ المكسب.
  • عندما نتحدث عن الإحسان لا بد مِن أن نتذكر بأنّ الله تعالى أمرنا أمرًا بأن نُحسِن إلى مَن أحسنَ إلينا، فقال تعالى: ((هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)) [الرحمن:60]. عند أهل الإيمان والإسلام يكون جزاءُ الإحسانِ الإحسان، لمّا ذكر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظِلّه قال: ((رجلان اجتمعا على الله وافترقا عليه))، قد يكون سبب افتراقهما أنّه مات أحدهما أو سافر أحدهما، وقد يكون السبب أيُّها الأحبة أنَّهما اختلفا!! كانا يعملان معا فاختلفا في وجهات النظر فافتراقا على الله، انفضَّت شراكتنا في العمل لكنّا بقينا إخوة في الله، بقينا نتزاورُ في الله، بقينا نُحِبُّ بعضنا في الله، وإن انفضَّت شراكتنا في العمل، ((رجلان اجتمعا على الله وافترقا عليه)).

ويا ليت شعري أين حال أهل الإيمان أولئك مِن حال مَن نرى من الشركاء والأزواج والأقرباء، الذين ما إن يختلفوا إلَّا وتراهم قد يمَّموا وجوههم شطر المحاكِم والمخافِر، يفضح بعضُهم بعضًا ويُسيءُ بعضُهم إلى بعض، والله تعالى يقول: ((وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [البقرة:237].

  • الله تعالى أيّها الأحبَّة ذكر لنا الإحسان حتى للمطلقات ((وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة:236]. تخيَّل أنَّ الله تعالى يأمرك بالنفقة والإحسان على من طلقتها، فما بالك بزوجتك التي هي عندك، وإذا كان هذا الشأن مع المُطلَّقات فكيف يجب أن يكون الحالُ مع الزوجات، ومع من هم عندك من أولادك؟!!
  • عندما نتحدث عن الإحسان –أيُّها السادة- فنحن نتحدث عن صفة تدفعك للعفو عمَّن قصّر معك: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [المائدة:13].
  • عندما نتحدَّثُ عن الإحسان – أيُّها الأحبَّة- نتحدَّثُ عن تجاهُلِ إساءة المسيئين والتغاضي عنها: وقد حدَّثنا اللهُ تعالى عن يوسُفَ وإخوته إذ: ((قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ..)) [يوسف:77]. أسرَّها في نفسه، لأنَّ الرجل الصالح ليس بالضرورة أن يبدي انزعاجه من كلِّ من أساء إليه، لأنّ الرجل الذي بلغ مقامَ الإحسان يكون إحسانُه للآخرين بأن يتغاضى شيئًا ما عن تقصيرهم تجاهه.
  • ولعلَّ البعض أيُّها السادة يظنُّ أو يتوهَّم بأنَّ هذا الإحسان يكون مِنَ المُسلِمِ فقط تجاهَ المُسلِمين!! ولهذا فلابدَّ أن تعلمَ أيُّها المُسلِم بأنَّ المُجتَمَعَ المُسلِم مجتمَعٌ قائمٌ على الإحسان مع المسلمين ومع غيرِ المُسلِمين، قال تعالى –وقولُه الحق- : ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحِنة: 8]. كيف سيتعرَّفون إلى محاسِنِ الإسلام وكيف ستشجعهم على الدخول في دين الله إن لم تعامِلهم بالبرِّ والقِسط والإحسان؟!!
    ولهذا أمرنا الله تعالى أن نعامل الكفارَ المُسالِمين، الذين لم يقاتلونا، والذين لم يُخرِجونا من ديارنا، أن نعاملهم بالبرِّ والقِسط لكي يرَوا محاسِنَ الإسلام، فالمجتمع المسلِم مجتمعٌ قائم على الإحسانِ مع المُسلِمين ومع غيرِ المسلمين.
  • ليس هذا فحسب بل حتى في القتلِ والقِتال أُمِرنا أن نكون من المُحسنين، ففي صحيح الإمامِ مُسلِم أنَّ رسول الله -صلّى الله عليهِ وسلَّم- قَالَ: (( إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ)).

حتى في القتل يأمرنا رسول الله بالإحسان، ولذلك كان الحد في الإسلام (لمن حدُّه القتل)، القَوَد: ضربةٌ بالسيف، ضربةٌ واحدة لا يشعر معها بالألم ولا لأجزاء من الثانية، هكذا كان شأن المسلمين، ولم يعرِف الإسلام والمسلمون في تاريخ حروبهم، هذا التمثيل والإجرام والقتلَ الشنيعَ، الذي نراه في زماننا مِن الكفَّارِ ومِمَّن قلَّدهم من الجاهلين، الذينَ ضلَّ سعيهم في الحياةِ الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسِنونَ صُنعا.

الإحسانُ أيُّها الأحبَّة قيمةٌ إسلاميَّةٌ إنسانيَّةٌ عظيمة، لابدَّ مِن أن تظهَر في كلِّ نواحي الحياة على الفردِ المُسلِم وعلى المجتمعِ المُسلِم.

ولأنَّ الإنسان بطبعِه يختلفُ حماسُه، ويختلِفُ اندفاعُه، ويختلِفُ إحسانُه، عند التعامُلِ مع الآخرين من شخصٍ إلى آخر، لهذا فقد ذكَّرنا ونبَّهنا، ووجَّهنا القرآن الكريم إلى من يجب لهم مزيدُ إحسانٍ وكرامة، إلى من تجِبُ لهم أولويَّة العطف والعناية، وأوَّلهم على الإطلاق الوالدان، قال تعالى:

((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا…)) [الأحقاف:15]. وقال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …)) [الإسراء:23].

آياتٌ كثيرة أتت توجهك أيها المسلم إلى وجوب مزيدٍ مِن الإحسان لوالِديك، أنت تحسن مع جميع الخلق، ومع ذلك يكون للوالدان مزيد إحسان ومزيد بِرٍّ وعناية، آيات كثيرة أتت تذكرك بهذا، ليس هذا فحسب بل أتبعت الآيات الكريمة لكي تنبهك إلى أصناف أخرى ممن يجب لهم أيضا مزيد عناية، ومزيد إحسان ورعاية، فقال تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا))
[النساء: 36]،

((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…)) لاحظوا أيّها الأحبة بدأت الآية الكريمة بالتذكير بالعبودية لله، لماذا؟ لأنَّك أيَّها المسلم لكي لا تُضيع أجر إحسانك، ولأنَّك تعمل مخلصا لله، يذكرك الله بأنَّ إحسانك يجب أن يكون خالصًا لله، أنت لا تحسن بالإنفاق لكي يقال: “مُحسِن”، ولا تحسِنُ بالعفو عمَّن ظلمك لكي يقال: “عافٍ عن النّاس”، ولا تحسِنُ بالتجاوز عن المخطئين فقط ليمدحك النَّاس، لا أبدًا، أنت تخلص العمل لله، ولهذا فقد ذكرك الله بالعبودية له قبل أن يُذكِّرَك بمن يجب مزيد إحسان لهم، فقال تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))، والرياء مِن الشرك الأصغر أيَّها السادة، فليكن إحساننا عبودية خالصة لله تعالى.

((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))، مَن لهم مزيد إحسان ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا))، وبعد الوالدين ((وَبِذِي الْقُرْبَى)) أرحامُك، (الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي، وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي، قَطَعَهُ اللهُ) [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ].

((وَبِذِي الْقُرْبَى)) من بعدَهم؟ ((وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)): اليتامى والمساكين إن لم يشعروا بإحسان المجتمع لهم يمتلئ صدرهم عداوة وحِقدا على مجتمعهم، عندما نتجاهل اليتامى والمساكين، وبالذات بعد أن فسد مجتمعنا من خلال بعضة دولارات تأتينا من بعض المنظمات، أصبح الناس يتجاهلون الأيتام بحجة أن بعض المنظمات تعطيهم راتبًا بسيطا لا يكفي قوتهم، ترى الناس يتجاهلون اليتيم وكأنّ العناية باليتيم هي فقط بإطعامه!! اليتيم أيّها السادة يحتاج إلى حنان، يحتاج إلى إحسان، يحتاج إلى رعاية، وإلَّا انقلب عدوًا على مجتمعه.

ولد المجاهد، هذا المجاهد الذي نسيه الجميع، الذي استشهد وترك أولاده، وكل فصيل يلقي باللائمة على الآخر، يقول لك هذا لم يستشهد معي، هذا لما استشهد أنت كنت تؤيد الطاغوت.

كثير من أولاد الشهداء الذين استشهدوا أول الثورة لم تكن هذه الفصائل موجودةً يومها، فصائل المكوس وقطع الطريق التي تأخذ أموال المسلمين لم تكن موجودة أصلا، وليتهم دفعوا شيئا لأولاد المجاهدين الذين استشهدوا!

ترى ولد المجاهد يتسول من هذا وهذا ثم يسألون لماذا لا يُقبِلُ الناس على الجهاد؟؟!، كلهم كل الفصائل بلا استثناء يأكلون أموال الناس ظلما ولا ينفقون على أولاد الشهداء بحجة أنه يوجد منظمات، وليس ذلك فحسب بل ضيقوا على المنظمات أيضا فكثير من المنظمات التي كانت تدفع لأولاد الشهداء لم تعد موجودة، والله تعالى أوصى بهم ((وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)) ثم مَن بعد أولئك؟

ذكرَ الله لنا ثلاث أصناف من الجِوار، قال: ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ))ثلاث أنواعٍ من الجوار ذكرهم الله تعالى:

الأول ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)) له مكانتان مكانة الجوار (داره قرب داري، مزرعته قرب مزرعتي، دُكّانه قرب دكاني…) وله صلة قربة، إذا كان جارا وقريبا فهذا له الأولوية في الصِّلة.

وهنا قد يسأل سائل لماذا أعاد الله ذكره وهو مشمول فيمن شملهم بقوله تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)؟! أحيانا الجيرة قد تسبب احتكاكا، قد تسبب خلافا، قد تسبب شيئا من الشحناء والبغضاء، إن اختلف الجاران على أمر ما، فالله تعالى كرّر التذكير بأنّ الجار القريب له أولوية في الإحسان.

((وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) أي الملاصق لك تماما له أولوية داره إلى دارك، دُثم يأتي بعده ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)) كلُّ من صاحبك إلى جوارك (في طلب العلم، من كان جنبك في مقعد الدراسة، في طريق السفر، من كان جنبك في السيارة، في طريق الجهاد، من كان معك مرابطا في نفس النُّقطة…) الله تعالى وصانا بمزيد إحسان لهؤلاء.

وخُتِمَت الآية الكريمة بـ (وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا))
ابن السبيل، عابر السبيل نحسن له، وما ملكت أيمانكم من العبيد والخدم، في زماننا لم يعد هناك عبيد، هناك خدم، هناك عُمَّال، هناك من يعمل عندك، تلطّف بهم، لا تجعل العامل الذي يعمل عندك عدوًا لك لا يريد مصلحتك، اكسب قلبه بالإحسان لكي يكون معك، ولكي يخاف على مصلحةِ العمل كما تخاف أنت.

أخا الإسلام، أنصحك بما أنصح به نفسي فليكن الإحسان لك شعارا في كلِّ مناحي الحياة وإيّاك إيّاك أن تكون من المتكبِّرين، بادر بالإحسان إلى من خصّهم الله تعالى بالذكر والإحسان إليهم…

لمّا قال تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) ليس الإحسان لهم فقط بعدم إيذائهم، الإحسان يكون أيضا بالوقوف معهم في الشدائد، يكون بمواساتهم في أحزانهم، بمشاركتهم في أفراحهم، بستر عوراتهم، فالجيران أحيانًا يعرفون أسرارًا أو يطَّلعون شيئا على عورات جيرانهم، ليس فقط بكفِّ الأذى، بل بكفّ الأذى والستر والمشاركة في الأفراح والأحزان والمساعدة المادية والمعنوية ما أمكن ذلك، وما يسَّر الله عليك ذلِك…

بادر أخا الإسلام وكُن من المحسنين قبل أن يأتي يومٍ تقفُ فيه نفوسٌ آثِمةٌ مُجرمة مُتحسِّرةً نادِمة، ((أَوْ تَقُولَ
حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)
[فيكون جوابُها] بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59))) [الزُّمَر: 55-59].

اللهم لا تكتُبنا مِنهم، ولا تحشُرنا معهم، واجعلنا اللهم من أحبابِك المُحسنين الذين تُحِبُّهم وترحمُهم… أقول ما تسمعونَ وأستغفِرُ الله لي ولكم فاستغفِروه فيا فوزَ المُستغفِرين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا: ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامة من المِحَن واعلموا عباد الله: أنّ الله تعالى قال وقوله الحق: ((هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)) [الرحمن:60]، ولأننا لم نَرتد عن جهادنا، ولأننا لم نرتد عن ثورتنا، ولأن هذه الثورة –إن شاء الله-  مستمرة حتى نُسقِطَ نظام الكفر والطغيان والإجرام، أُذكِّركم بأن ساحات الحرية تنتظركم اليوم، وعنوان وقفة اليوم وقفة تضامنية مع أصحاب الخوذ البيضاء، أصحاب الخوذ البيضاء، رجال الدفاع المدني، الذين يثبتون حين ينزح الآخرون، الذين يُنقذون مَن يَهرُبُ مِن حولهم الآخرون، الذين يرونَ ويوثِّقون ما لا يستطيع أن يراه الآخرون… لذلك يضغط الأعداء ويطالبون بإخراجهم من مناطقنا لأنهم استطاعوا أن يوثقوا أشياء لا نراها، عندما يحصل القصف مُعظم الناس ينزحون، مَن يُخرِجُ الناس من تحت الأنقاض؟ الدفاع المدني، مَن الذي يكون حيث لا يكون غيرهم؟ الدفاع المدني.

ولأنّ الله تعالى قال: “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” نجازيهم اليوم بأن نقفَ معهم وقفة تضامنية، والمظاهرة المركزية اليوم في الريف الغربي ستكون في عنجارة كما أبلغني الإخوة، أسأل الله تعالى أن يُتِمَّ علينا ثورتنا بنصر وفتح وتمكين للإسلام والمسلمين، إني داعٍ فأمنوا

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *