الرئيسية / مقالات مختارة / من رحم الأموات

من رحم الأموات

مقالات - من رحم الأمواتمقالات - من رحم الأموات

أكثر من عشرين عاما كان المِبضع رفيقي
يتراقص بين اصابعي وانا أجري عملي بهدوء تام؛ في نهاية كل يوم أهمس في أذنه : “أجدت وأصبت وبفضل الله أنقذنا سويا الكثير”
إلا أن الحال تغير، والمبضع في الايام الماضية لم يعد كما كان.
لم تعد أناملي تقوى على حمله، يبدو أن جزءا من روحي انغرس في طيات أسنانه فلم يعد يحتمل حجم الجراح التي يراها؛
أطفال بلا أطراف … بلا عيون… بلا أوجه…
نساء وأسرها تغطيها ملاءات مملوءة بالكثير من تراب وطنها والأكثر من دماء أبناءها
رائحة البارود ولونه الأسود المقيت يخيم على تلك الوجوه الجائعة الذابلة…
صراخ الاطفال وعويل النساء وقهر الرجال وعجز الأطباء وصل الى مشرطي الميِّت فدب فيه روحا من بؤس الجمته من هول ما رأى لكن تلك الصرخات لم تصل إلى قلوب العالم لتوقظه….

اليوم كل من يراجعنا هم تلك الأجساد النحيلة المدنفة التي ما ذاقت طعاما منذ أيام، مدفونة مع أطفالها تحت ركام تلك البراميل التي لا تميز حجرا عن بشر…
اليوم ومن تحت ركام وطننا أحضروا لي أما في شهرها السابع مع اثنين من أطفالها
لو اخبرتكم ان بؤس العالم اجتمع في نظرات أولئك الأطفال لما أعطيت نظراتهم حقها…

الطفل الاول بلا ساق يمنى وقد كسرت يسراه والآخر فقد عينا وشظية خرقت صدره والأم تنازع البقاء فالشظية خرقت كل جسدها النحيل فاردتها بين ايدينا تتنفس آخر أنفاسها
أراها تصارع لأجل البقاء وعيونها شاخصة نحو فلذات كبدها وهم على تلك الحال
والأب غادرهم شهيدا منذ أشهر قليلة
أحضروهم لي ببطانية واحدة لأننا فقدنا نقالات المرضى فقد استعملناها بدل الأسرة التي امتلأت …

أرجوكم وأستحلفكم بالله أن تتخيلوا معي للحظة ذلك المشهد وتلك البطانية الممزقة المدماة التي حملت أربعة أرواح الأم وجنينها وطفليها…

همس أحد الزملاء في أذني: “علنا ننقذ طفلها”
ولأول مرة في حياتي جلست أفكر مُطرِق الرأس
سننقذه أم سندعه سعيدًا في بطن أمه لم يشاهد بشاعة هذه الدنيا
هل ادعه يرحل معها؟؟
لا.. لا …واجبي أن أخرجه وأنقذ روحه فتلك مهمتي
نظرت من حولي
أطفالها الممزقين
روحها التي بدأت تغادر جسدها
أصوات الطيران وانفجار البراميل
بكاء الاطفال الذي يصم الآذان ويحرق القلوب
وزميلي يهمس في اذني: “ماذا تنتظر … هلُم…. فهناك حياة علينا استخراجها”

نظرت إلى مبضعي وصديقي ورأيته يائسا أكثر مني..

لمن ستنقذه ولأي دنيا ستخرجه
دنيا البراميل والنيران والخذلان
دنيا اليُتم والقهر والعجز والجوع
من سيرضعه؟
من سيغير له حفاضه؟
من سيهدهد عليه؟
من سيسمع انينه؟
نعم له ربٌ لن يضيعه، ولكنني بِت عاجزا مع مشرطي على مجرد التفكير
أيقظني من أحلامي صوت زميلي….
توقف قلبها!!!
سأستخرجه الآن وهي ميته
وللمرة الأولى في حياتي خانني مبضعي… وضعته على الطاولة وخلعت قفازي ومضيت دون أن أتكلم بحرف
واستكمل زميلي عمله وأنا أبصر الدمع يتساقط من عينيه وهو يرمقني بنظرة عجب!!

كل تلك الحادثة لم تستغرق بضعة دقائق ولكنها حفرت في قلبي سنوات من قهر وعجز ما تخيلت أن أقرأها في مذابح التتار ولا محاكم التفتيش ولا حتى مع فرعون.

أيها العالم وقادته وملوكه …
أخاطبكم اليوم وأنا كلي يقين أنكم لن تنفذوا إلا قدر الله فينا
ولكن غض بصركم اليوم عن تلك المجازر التي تطال مئات الآلاف من المدنيين لا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا على أرض تسمى غوطة الشام هو عار عليكم وعلى شعوبكم
لن أطلب إنقاذ الغوطة
بل أطلب إنقاذ إنسانيتكم
إنقاذ شعوبكم
إنقاذ أولادكم
وثقوا تماما
أن ذاك الطفل الخارج من رحم أمه الشهيدة حُجة عليكم
أطعموه
أدفئوه
أعطوه حقه بحياة كريمة فقط
وهل نطلب منكم غير ذاك
أوقفوا تلك الوحوش في السماء التي تحمل براميل الموت له ولأمثاله
تعالوا وادخلوا بين أطفال الغوطة
تحسسوا وجوههم استمعوا الى قرقرات بطونهم الجائعة أبصروا يتمهم
أليسوا بشرا
أعلنوا أن شعاراتكم ليست عنصرية لدمائكم فقط بل هي للبشر كل البشر لأنكم بذلك تنقذون ما تبقى من نفخة الله في أرواحكم…

0

تقييم المستخدمون: 4.25 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *