الرئيسية / خطبة الجمعة / سلسلة الأسرة المسلمة (8) – التوجيهات القرآنية لعلاج المشكلات الأسرية

سلسلة الأسرة المسلمة (8) – التوجيهات القرآنية لعلاج المشكلات الأسرية

خطبة الجمعة - سلسلة الأسرة المسلمة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

سلسلة الأسرة المسلمة (8)
التوجيهات القرآنية لعلاج المشكلات الأسرية

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 37 دقيقة.

التاريخ: 23/جمادى الأولى/1439هـ
الموافق: 9/شباط/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ التأديب والإصلاح بعد المحبَّة والإكرام رُكنان متلازِمان لبناء الأسرة.
2⃣ المنهج القرآني في توزيع الحقوق والواجِبات، وعِلَّةُ قوامَة الرجل، وأسباب سقوطِ هيبته.
3⃣ ما هو نشوزُ المرأة وكيف يكون علاجه
4⃣ متى يبدأ العِلاجُ وكيف
5⃣ لماذا قال: “فعِظوهنَّ” ولم يقُل “فعلِّموهنَّ”
6⃣ الهجران وضوابطه الشرعية، أين يكون؟ كم مدَّته القصوى؟
7⃣ “آخِر العلاجِ الكيّ”، الضرب التأديبي، متى؟ وكيف؟
8⃣ العنف الأسري – لن يَضرِب خيارُكم.
9️⃣ نهاية من يُكثِر ضرب أولاده وبنيه.
🔟 لا تَتَكبَّر فالله أكبَر

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله أرسله ربُّه بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون. صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهِرين، وأصحابه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربهم واهتدى بهداهُم إلى يوم الدين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

إخوة الإيمان والعقيدة، كنَّا قد تحدثنا في اللقاءات الماضية، عن خطورة الظلم ومرتعه الوخيم، تحدثنا عن أهمية التغيير والإصلاح، وذكرنا لزوم البدء بالإصلاح مِنَ النفس والزوجات والأولاد، وقد كنا قد تحدثنا سابقا عن أهمية حسن رعاية الأسرة وعن أهمية إكرام الزوجات، ولكم سألنا إخوة عن تتمة الموضوع ولكن حالت ظروف شغلتنا بالحديث عنها عن إكمال الموضوع حينها…

تحدثنا عن إكرام الزوجات، وعن بناء الأسَر على المودَّةِ والرحمة، تحدَّثنا ولازِلنا نتحدَّث ولا نملُّ مِن الحديث عن ذلِك ونحن نرى كثيرا من الرجال يتململون من الظلم ويعانونه، ثمَّ ترى الظلم مِنهُم في بيتهم قائما منتشرا، كثيرٌ من الرجال تراهم يُفرِّغون شحنات الضغط النفسي الذي يعانون منه، يُفرِّغونه في زوجاتهم، يضربون نساءهم، يظلمون حريمَهم وأولادَهم، يشتكون ظُلم الناس إلى ربِّهم ويظلِمون أهل بيتِهم!! أي تناقضٍ هذا وأي ظُلم – أيُّها الأحبَّة-؟!

وهنا قد يسألنا السائل أو يقول القائل: كم وكم حدثتنا عن إكرام الزوجات وعدم ظُلم الحليلات، ولكن ألا ترى النساء كيف ذئِرن على أزواجهنَّ، وتمردن على قوامة الرجال حتى فسدت الأسر وخرِبت البيوت…

أقول: نعم أيها الأحبَّة، هذا الذي وُصِف وسُئلنا عنه إنَّما مردُّه لعدم التعامل الصحيح بالمنهج الرباني الذي به تنتظِم الأُسر وبه تقوم البيوتُ وتتماسَك وتَسعُد…

المنهج الربَّاني القائم على المحبَّة والتأديب، المنهج الذي تحدثنا عن شِقِّه الأول يوم تحدَّثنا عن إكرام الزوجات، يوم تحدَّثنا عن المحبَّة والإكرام، واليوم لا بدَّ أن نُتابِع لنتحدَّث عن شِقِّه الثاني ألا وهو التأديب والإصلاح، هذا المنهج الذي وضَّحه القرآن الكريم في سورة النساء إذ قال المولى تبارك وتعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) [النساء:34].

((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)) أي قائمون عليهنَّ بالأمر والنهي، بالتوجيه والتأديب والزجر، والإنفاق والرعاية والإكرام؛ كما يقوم الولاة الصالحون على الرعيَّة، فكلُّكم راعٍ ومسؤول عن رعيَّته … وذلك لأن القوامة أحوج إلى الحزم والتدبير منها إلى العطف والحنان، فكان من مشيئة الله أن جعل في الرجل صفات الرياسة والقوامة، فكان الحزم والتدبير مقدَّمًا عند الرجُل على الرقة والحنان؛ وجعل الله في المرأة صفات العطفِ والحنان، والرحمة والوجدان؛ متوافرة غامِرةً؛ لأنَّه خُلِق ليكون قائداً ولأنَّها خُلِقت لتكون وأمًّا عطوفًا حنونًا وزوجةً مُحِبَّةً رقيقة، وهذا هو وجه التفضيل في قوله تعالى ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) أي هذه القوامة بسبب تفضيل الله تعالى الرجال على النساء مِن قوَّة الجسد والنفسيَّة والعقلِ والإرادة.

((وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)) سبب آخر للتفضيل وللقَوامة، ((وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)) بوجوب النفقةِ على الرجال. وهذا هو السبب الثاني من أسباب القوامة، فإذا انعدمت هذه الأسباب؛ ضعفت قوامَة الرجل وقلَّت هيبته، إن كان عاطفيا ضعيفا جبانًا أو كان بخيلا أو مُعدَما لا يُنفِق على عياله، فأي قوامَةٍ له وأي مهابة، وهو قصَّر فيما أمره الله تعالى به.

وبعد أن ذكر الله تعالى ما تَصلُح به الأسرة من جِهة الرجال ثنَّى المولى سبحانه بذِكر النساء فقال تعالى: ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))… ((فَالصَّالِحَاتُ)) من النساء (قَانِتَاتٌ) مطيعات لله تعالى ولأزواجهن ((حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))؛ أي حافظات لعِرضه وماله – حال حضوره وغَيبته – بما أمَر الله به أن يُحفظ. حافظات لما يجري بينهن وبين أزواجهن مما يجب كتمه، ويجمُل سَتره. وفي صحيح مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». يجلس السفيه مع أصحابه أو تجلس السفيهة الوقِحة مع جاراتها وصويحباتها فيتحدثون بما وجب سَتره، وبما وجب كَتمُه، مما يكون بين المرء وزوجه، فيتضاحكن ويتضاحكون لتلك السفاهة الشنيعة، والبذاءة الممقوتة… وهذا لا يكون من الصالحين والصالحات، ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))؛ الصالحون والصالحات، قوَّامون وقانتاتٌ حافظات.

وبعد أن حدَّثتنا الآيات عن الأصل في بعض واجبات الرجل والمرأة وعن الأصل في بعض حقوقِ الرجُلِ والمرأة، انتقلت الآيات الكريمة لتعلِّمَنا كيفية التعاطي مع المشاكِل والخِلافات الأُسَرية، فنحن بشر، نُخطئ ونصيب، لسنا من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرَهم ويَفعلون ما يؤمرون، أمَّا نحنُ فبشرٌ نُخطِئُ ونُصيب وليس الجميع بنفس المستوى من الدين، ليس الجميع بنفس الدرجة من التربية والصلاح والتقوى، فقال تعالى مؤدِّبًا لنا، مُعلِّمًا موجِّها إلى كيفيَّة علاجِ المشاكِل الأسريَّة من الرجُلِ القوَّام، فالذي فقد القوامَة لن يستطيع علاج المشاكِل في أسرَتِه، أمَّا الرجُل القوَّام الذي أدى ما وَجَب عليه مِن أسباب القوامة، من العطفِ والحنانِ والرِّعاية والنَّفقةِ والسيادة، فذاك الذي يستطيعُ أن يُصلِح الزلل لو بَدَر من زوجته وأولادِه، فعلَّمه المولى تبارك وتعالى كيف يكون الإصلاح، فقال تعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) [النساء:34].

لنتفكَّر أيها الأحبَّة في هذه التوجيهات الدقيقة وفي هذا الترتيب العجيب، لكي لا نضِلَّ من حيث نحسَب أننا نُحسِنُ صُنعا، ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)) ما إن تظهر عوارِض النشوز، ما إن تبدأ عوارِضُ النشوز بادر بالعلاج، لم يقُل الله تعالى، الناشزات، بل قال: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ))، قبل أن يستفحِل الأمر، وقبل أن تتضخم المشاكِل، وقبل أن تسقُط مهابتك، وقبل أن يستعصي الحل بادِر بالعِلاج.

((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)) قبل أن يستفحل النشوز عاجِل بالحل، وهنا قد يسأل السائل: ما المقصودُ بنشوز المرأة؟

نشوز المرأة – أيها السادة – تمرُّدها على زوجها، معصيته فيما يُرضي الله تعالى، وفيما لا مانع شرعي منه، الاستهزاء به، رفع الصوت عليه، مخالفته أو دفعُ الأولادِ لمعصيتِه ومخالفَتِه، خروجها من بيتها بغير إذنه، ترك التزيُّن له وعدم إجابته، أو ترك الصلاة والتقصير في الاغتسال والطهارة… كلُّ هذا وما شابهه مِن نشوزِ الزوجة.

فمتى بدأت تظهر هذه الأمارات فابدأ بالعلاج قبل أن يستفحل المرَض.

قال الله لك: ((فعِظوهنَّ))، البدء يكون بالموعظة والإرشاد وهو البَدء بأقرب الحلول وأسهلها، فقد يكون سبب النشوز أمراً لا علاقة للرجل فيه، فبالوعظ والإرشاد، وبالحِوارِ والكلام، تعرِفُ مُشكلتها وتفهمُ حالها، وتتبيَّنُ دوافِعها… إيَّاك أن تبدأ بالتأنيب والعِقاب والملامة، الله تعالى لم يقل: “فعاقِبوهنَّ” بل قال: ((فعِظوهنَّ))، لا تبدأ بالتأنيب والعِقاب والملامة، وبالذات في السنوات الأولى ومع صغيرات السن، أتتك شابَّةً صغيرةً لم تعرف الرجال ولم تتعرف بعدُ إلى طباعك وما تريده منها، فاصبر عليها وعِظها وأفهمها حاجتك منها…

ولنلاحظ أيها الأحبَّة دقَّة اللفظ القرآني، ((فعِظوهنَّ)) لم يقل “فعلِّموهنَّ” …

فبالتعليم قد أعطيك معلومةً أعلِمكَ بها، قد تنعكِسُ على سلوكِك وقد لا تنعكِس، فليس كلُّ معلومةٍ تنعكِسُ سلوكًا، وهذا ما يقع فيه بعض المعلِّمين في المدارس، فيخلِطون بين الوعظِ والتعليم!!

مثلا: قد يُعلِّم الطالِب أحاديث عن الصِدق فيحفظُها، وقد يأخذ بها علامةً تامَّةً في المذاكرة، ولكن هل هذا يعني بالضرورة بأنَّ الطفلَ غدا صادِقًا لا يكذِب؟!! طبعًا ليس بالضرورة.

فرقٌ كبير بين التعليمِ والوعظ، والوعظُ – أيها السادة- من مهامِ الأنبياء والدعاة، ومن أهم خصائصه أنه يحتاج إلى كثرة التَكرار، ((فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى)) [الأعلى:9-11].

الوعظ فيه الحنان فيه المحبَّة فيه التَكرار مرَّةً بعد مرة فيه اختيار الأسلوب المناسب، فيه اختيار الوقت المناسب…

كثيرٌ من الرجال، يبرِّرُ لنفسه ضرب زوجته بحجَّة أنه وعظها فلم تتعِظ!!

لِم ضربت زوجَتك؟ … وعظتُها فلم تتعِظ!

وهو لم يكلِّمها وهي لم تكلِّمهُ إلا وهو يتشاجر معها، في حالة الصُراخ والغضب، يصرُخ في وجهها وتصرُخ في وجهه!

النصح – أيها السادة- لا يكون حال الشجارِ والغضَب، فحالة الغضب حالةٌ يفقدُ فيها الإنسان القُدرة على الاستيعاب.

الله تعالى يقول لك: ((فعِظوهنَّ)) … كرِهت مِن هذه المرأة شيئا، حاول أن تؤجِّل الموضوع يومًا أو يومين، ثمَّ تجلس معها بهدوء، تتكلَّم معها تُظهِر لها العطف والحنان والعاطِفة، تبيِّنُ لها الخلل والزلل، توضِّحُ لها ما تريدُ منها…

هكذا تكون الموعِظة – أيها السادة- أمَّا ونحن نصرُخ ونتشاجَر، فهذه ليست بموعِظة، قال: ((فعِظوهنَّ)) …

الوعظ يبدأ بالترغيب، الوعظ يبدأ بالتحبيب، الوعظُ يبدأ بالتشجيع والقدوة الحسنة … فإذا فات ذلك ولم ينفع، بعد أن أخذ وقته وما يلزمه من التكرار مرَّةً تلو مرَّة، وكرَّةً تلو كرَّة، شجَّعها ورغَّبها، وكان لها قدوةً حسنة، يكون بعد ذلك الوعظ – لاحظوا أننا لم نتجاوز الوعظَ بعد – يكون الوعظُ بالترهيب، والتهديد والتخويف والوعيد … ولا يجوز أن يُنتقل من هذه المرحلة من الإصلاح إلى ما بعده إلا بعد أن تأخذ هذه المرحلة حقَّها، فيتيقَّن أنَّها لم تعد تجدي، فلا النصح ولا الإرشاد ولا الموعظة غيرت من نفسيتها شيئاً، حينئذ ينتقل إلى المرحلة الثانية بعد استنفاذ النصح بوقت مناسب، فتكون المرحلة التالية: ((وَاهْجُرُوهُنَّ )) … أين؟؟

((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ))، لم يقل المولى سبحانه: “اهجروا مضاجِعهنَّ”! قال: ((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ))، أي في المضجَعِ نفسِه تولِّيها ظهرك، ولا تجامِعها، وهذا الهجر إنما هو في المضجع لا في الكلام. فهجر الكلام منهي عنه إذا زاد عن ثلاثة أيام، والهجر في المضجَع قد يطول شهراً أو أكثر، ولهذا عرف العلماء أن المقصود من هجرِ المضجَعِ: تركُ الجِماع وأن تُعطيها ظهرك، ((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)) لم يقل: واهجروا مضاجِعَهنَّ… دقَّةُ اللفظ القرآني، ونباهةُ من تنبَّه لذلك والتزم به، هي التي ستعينه على أن يُصلح أهل بيته.

فالهجرَ في الفراش – أيها السادة- يُحقِّق غاية الإصلاح، أما الهجرُ خارج المنزل، (قالوا: بعيد عن العين بعيد عن القلب) الهجرُ خارج المنزل يزيد الجفوة ويوسع دائرة المشكلة ويعقدها بدخول أطراف أخرى؛ تتدخَّلُ أمها أو أمُّه، يتدخَّلُ أبوها أو أبوه … فتكون المشكلة قابلةً للحلِّ بدقائق، فتتوسع وتكبر، ويصعُب حلُّها وتزداد تعقيدا، وينعكس ذلك على نفسية الأولاد سلبًا، ويتحفَّزُ من يشتهي خراب البيت لأن ينشَط ويأخُذ دوره ليُفاقِم المُشكِلة … وهذا من شر العادات السيئة التي انتشرت في مجتمعنا؛ أن تخرُج المرأة مُغضبةً من بيتها إلى بيت أهلها (تَحرَد عندهم)، ومن جديد صِرنا نجد الرجال يحردون خارج المنزِل ويتركون منازِلهم!! … وشرُّ الآباء من يُحرِّض ابنته على ترك بيت زوجِها ويستقبِلُها، من لايُريد خيرًا بابنته هو من يقول لها: “تعالي واتركي بيت زوجك” … ولو كان أبوها عاقِلا يريد خيرها، لأمرها أن تلتزمَ بيت زوجها، فمتى كانت في بيت زوجها سيكون حلُّ المشكلة أيسر وأسرع وأسهل، أما الهجران خارج المنزل فهو جفوة وبُعدٌ وتنميةٌ للبغض، بخلاف الهجران في الفراش الذ وجَّهنا الله إليه.

فما جعله الله في البشر من شهوة سيكون عاملا يجبرهما على التراجع والتصالح… فمعظم المشاكِل الأسرية تكون في فترة الشباب فترة الطيش، أمَّا الكِبار فغالبا ما يعقلون أكثر وتقِلُّ مشاكِلهم، فيكون ما جعله الله من وفور الشهوة عند الرجل والمرأة فترة الشباب عاملا مجبرا لهما على التراجع والتصالح مع الآخر، لذلك كانت الآية الكريمة ((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)) فالفائدة الإصلاحية لا تتأتى إلا إن كان الهجر ضِمن المضجع فقط ولهذا ففي الحديث الذي رواه البخاري عن معاوية بن حيدة يرفعه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ))، وليِّها ظهرك، واترُك جماعها، لتُشعرها بذنبها وبانزعاجك منها عسى أن ترتدِع وينصَلِح حالُها … لأنَّ الحكمة من الهجر هي إعادة الزوجة إلى سكينتها لتُحقِّقَ السكن إلى بيتها، والمودَّة إلى مشاعر زوجها.

ولأنَّ الغاية الإصلاح، فلابُدَّ لهذا الهجرِ مِن مُدَّةٍ معقولة، فيجب ألا يطول، ولا ينبغي أن يتمادى فيه الزوج، فمتى تمادى الزوج في هجرِ زوجتِه فوّت الحكمة من مشروعية الهجر. ولهذا – أيها الأحبَّة – لما نزلت آية الإيلاء في حُكم من يحلفون على أن لا يقربوا زوجاتِهنَّ، وضعت آية الإيلاء لهذا الهجر حداً فطرياً لا يزيد عن أربعة أشهر، فقال تعالى: (( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة: 226-227].

لا هجرَ أكثر من أربعة أشهر؛ متى طال الهجر عن المدة المحدودة، انعكست نتائجه ولم يعد سبيلا للإصلاح.

ما نراه من البعض؛ يطول الهجر أشهرا وسنوات وكل منهم في دار، فهذا اضرارٌ بالزوجة ومدعاةٌ لها وله للانحراف إلى ما حرَّم الله، وسنواتٌ تمضي من العُمرِ تمضي نكدا… ولهذا حدَّد الشرع الهجرَ بأربعة أشهر، فإما أن يطلِّقَ ويغني الله كُلًّا من سَعته وإما أن يصطلحا…

فإن لم يُجد الهجر نفعا، ولم تولِّد الموعِظة المتكررة بالحسنى صلاحا وتغييرًا، تكون المرحلة الأخيرة من التأديب، والعرب في أمثالها تقول: “آخِر العلاج الكي”

بعد أن تستنفذ وسائل الإصلاح السابقة كلَّها، وبعد أن تأخذ أشهرا من الوعظ والنصيحة، بعد أن تهجر فترةً مناسِبةً في المضجَع، ولم تتعظ امرأتك بعد كُلِّ هذا، حينها يكون الحلُّ الأخير، ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)) [النساء:34]. يكون الضرب التأديبي الذي أساء كثيرٌ من الناس فهمه واستخدامه، يكون الضرب التأديبي الذي جعل كثيرٌ مِن ضعافِ الشخصيَّة، مُتنفَّسًا لضعفِ شخصيته وانهزامه؛ تراه ضعيف الشخصية مهانًا بين الرجال، فتراه يمارس رجوليَّته ويتخيَّل أنه فحلٌ شجاع بضربه لزوجته، عدِم أسلوب الحوار والكلام، ويريد أن يتمرجَل على هذه المسكينة، فيضرِبها ضربًا لا يُرضي الله ولا رسوله!!

لابدَّ أن تعلموا أيها السادة بأنَّ أعجز الناس وأقلَّهم هيبة وأضعفَهم قُدرة على التأثير وتهذيب السلوك هم من يلجؤون إلى الضرب؛ فالكُمَّل من الناس لديهم من أساليب تقويم السلوك ما يغنيهم عن الضرب، وفي هذا روى الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – أنها قالت: “مَا ضَرَبَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى”.

هكذا هُم الكُمَّلُ من الناس لا يحتاجون الضرب ولا يصِلون إلى احتياجه أصلا… فالضرب إن كان في بعض الأحيان ولبعض الزوجات علاجاً، فإنَّه علاج مر، و«آخر الدواء الكيّ»، وقد يستغني عن هذا العلاج كثير من الناس، فالعقلاء الحكماء لا يصلون إلى الضرب أبدا، ولكم سمِعنا في الأمثال: “عصاية العز هز فيها ولا تضرب”

فمتى ضرب السيِّد، ومتى كثُر ذلِك منه، انقلب الأمرُ ضِدًا، ولم يعُد وسيلةً للإصلاح، بل مُسقِطا للمهابة، ومُشيعًا للحِقد والكُره والخوفِ والضغينة، ولذلك قال العلماء: “إذا غلب على ظنِّه أنَّ الضرب لا يفيد لم يجز له ضربها… فإن المقصود من الضرب الصلاح لا غير” ليس المقصودُ العقابَ، فالعقاب يكون بوسائل أخرى. فالمقصود من الضرب التأديبي الإصلاح لتستقيم الحياة وتستمِر، وليس المقصود منه الانتقام والتشفي.

لو فهمنا الآيات جيِّدا لعرفنا متى يكون هذا الضرب التأديبي، فهو كما قلنا (لا يكون إلا بعد استنفاذ الوسائل السابقة كلِّها، وبعد وقتٍ كافٍ، وبضوابطَ دقيقةٍ تُصلِح ولا تُفسِد) ومن تلك الضوابِط التي ذكرها رسول الله – صلّى الله عليه وسلَّم – أنَّ الضرب التأديبي لا يكون على الوجه أبدًا،( لا ضَربُ المرأة ولا ضربُ الولدِ ولا ضربُ الطالِب، ولا غيرهم…) فرسول الله – صلّى الله عليه وسلَّم – نهى عن الضرب على الوجه، فعن معاوية بن حيدة – رضي الله عنه – ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُول الله، مَا حق زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَالَ: ((أنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلاَ تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلاَّ في البَيْتِ)) والحديثٌ حسنٌ رواه أَبُو داود، وَقالَ: معنى (( لا تُقَبِّحْ )) أي: لا تقُل: قبَّحَكِ الله. لا تدعُ على زوجتك، لا تدعُ على بنيك، بل ادع لها ولبنيك بالصلاح والهداية.

لا تضرب الوجه؛ ففيه جمعُ ما كرَّم الله به الخلقَ عامَّة والإنسانَ خاصَّة، ففيه السمعُ والبصرُ والنُّطق وفي الرأس العقل… فلعلَّك تضرب زوجتك أو ولدك ساعة غضبٍ ضربةً تؤذي السمع أو البصر، فتقضي عُمرك نادما على ذلِك… أو لعل أثر ذلك يبقى على وجهها فيراها الناس ويعيرونها فتحقِد عليك وتنقِم، بدل أن تُصلِح حالها وتتغيَّر…

وعلى سيرة الأثر، لابدَّ أن تعلم – أيّها الإنسان – أن الضرب التأديبي هو ضربٌ لا يترك أثرًا، ففيما روى الإمام مُسلِم مِن حديث جابر- رضي الله عنه – حينما خطبهم النبي في عرفة قال في خطبته عن النساء: “وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ [أي أن لا يُدخِلن بيتكم من لا تُحِبون … طبعا ممن يحلُّ دخولهم كالمحارِم والصديقات والجارات … وليس المقصود الزنا – كما يتوهم البعض- فذلك فيه الحد والعياذُ بالله]…

قال روحي فداه: “وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”.

فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ: أي لا يترك أثرًا، لا يخدِش جلدا، لا يكسِر عظما، ولا يصبَغُ لونا، ولا يؤذي … الضرب التأديبي لا يكون بأداةٍ تتجاوز السواك كما قال ابن عبَّاس وغيره، وفي البخاري ومسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْأَمَةِ – وَفِي رِوَايَةِ جَلْدَ الْعَبْدِ- وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ».

يجلدها في النهار بالسوط وبالعصا [بالكَمَر والقشاط] ويأتي آخر يومه يضاجِعها، أمُّنا عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – فسَّرت الحديث فقالت: ألا يستحي أحدَكم! [ما فيه حياء؟! يجلدها جلد العبد في النهار ويُضاجِعها مِن آخِر يومه!!]

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رسول الله، نادى مرَّةً وصيفةً له، جاريةً صغيرة، خادِمة، يريد منها شيئا، كانت تسمعه ولا تُجيبه، تتشاغل عنه ببهمةٍ لها تلعبُ بها… يناديها النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا تجيبه، فلمَّا أتت، قال لها روحي فداه: “لَوْلَا خَشْيَةُ الْقَوَدِ لَأَوْجَعْتُكِ بِهَذَا السِّوَاكِ”. [رواه أبو يعلى والطبراني والسيوطي وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيِّ].  رسول الله، وهو رسول الله، جاريةٌ له لا تطيعه، ليست زوجته، يقول لها، لولا خشية القَصاصِ من الله، لَأَوْجَعْتُكِ بِهَذَا السِّوَاكِ، فما بالك بمن يضرِب زوجته وبنيه بالعِصي الغليظة وبالسياطِ المؤلِمة!!

بعض الناس – أيَّها السادة – منهم من لا يُحسن إلا الضَّرب، فقد القدرة على الإقناع والتوجيه والتأثير بالقدوة الحسنة، فتراه يلجأ إلى الضرب، تجده مع أولاده وزوجته جلادا؛ إذا دخل البيت خيَّم الحزن والكآبة على أهل البيت، أسعد أوقات أهل بيته إذا خرج من البيت، وتمام فرحتهم عندما يسافر، فما ظنكم بأب هذه نظرة أولاده إليه! ما ظنُّكم بوالِدٍ يكره أولادُه دخوله إلى المنزِل، ما بالكم بزوجٍ تتمنى زوجته ويتمنى بنوه أن يُسافِر ويترُكهم.

فلتعلموا أيها الأحبَّة أنَّ من كان هذا حاله فقد الود والاحترام بينه وبين زوجته وأولاده، من كان هذا حاله لم يفلح في توجيه أولاده صغارا وكبارا؛ فحينما أعتاد أولاده منه الضرب، وحينما اعتادت زوجته منه الضرب، لم يعد للضرب أثرٌ في تعديل سلوكهم فلسان حال الواحد منهم: “أفعل ما أريد وأتحمل ألم لحظات”،

هذا نراه في المدارس عند بعض المعلِّمين الفاشِلين، الذين يُكثِرون الضرب، فيصل الطالب لمرحلة بأن يفعل ما يشاء ويمدُ يده قائلا : “اضربني” … هيَ بِضعةُ عِصي اعتاد عليها!!

وكذلك الرجل الفاشِل الذي يُكثِر ضرب زوجته وبنيه يفقد القدرة على تعديل سلوكِهم، يتوهَّم أنَّ حالهم انصلح أمامه، ولكن في الحقيقة – أيها السادة – أنَّ هذا الخوف فترته قصيرة لحظِيَّة آنيَّة، فما إن يكبر هذا الرجل، وما إن تضعُف هِمَّته، حتى تسقُط سطوته وهيبته، وما إن يكبر أولاده، حتى يبدؤون بالتمرد عليه وعصيان أوامره … ولا تسأل عن كبرته وحاله حين ضعفه وهرمه.

إيَّاك أن تفتري على الله ورسوله، إيَّاك أن تظلِم وتحلِّل لنفسِك ما لا يحل؛ يضرِب زوجته ضرب البعير، ويقول: “الله حلل ضربَ النساء!”

الله أحلَّ ضرب النساء ولكن بضوابط، وجعل قبل ذلك أمورًا كثيرة، فقال: فعِظوهنَّ أولا، والوعظ يحتاج فنا وأسلوبا حسنا ومدَّة كافية، وقال: (واهجروهنَّ في المضاجِع) ثانيًا، فإذا لم ينفع كلُّ ذلك، كان الضرب التأديبي، الذي لا يصِل إليه الكُمَّل من الناس، ولا يصِل إليه الخيارُ العقلاء، وفي هذا ما أخرجه ابن ماجه عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ – : “لاَ تَضْرِبُنَّ إِمَاءَ اللهِ”، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ : “يَا رَسُولَ اللهِ ، قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ” ، فَأْمُرْ بِضَرْبِهِنَّ ، فَضُرِبْنَ، [… أي أجاز النبيُّ ضربهنَّ لمن بلغن هذه المرحلة ممَّن ذئِرن على أزواجِهنَّ وتطاولن عليهم…] فَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- طَائِفٌ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ، قَالَ [روحي فداه] : “لَقَدْ طَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً، كُلُّ امْرَأَةٍ تَشْتَكِي زَوْجَهَا، فَلاَ تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ”.

أي وإن أجزتُ الضرب في حالاتٍ مخصوصة فإنِّي أقول لكم، وأنا رسول الله، أنَّ من يضرِبون ليسوا مِن خيارِكم، فخِيارُكم قادِرون على إصلاح بيوتهم وتُطيعُهم زوجاتهم لما عليهم من الهيبة والقَوامة مِن غير ضَرب.

خيارُكم العقلاء لا يضطرون عادةً للضرب، فمن اضطر بعد كلِّ ما ذكرنا من ضوابِط، فليتذكَّر بما خُتمت به الآية الكريمة، بعد قوله تعالى ((وَاضْرِبُوهُنَّ)) إذ أتبع سبحانه قائلًا مذكِّرًا: ((فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) [النساء:34].

تذكَّر أيها الإنسان يامَن تضرِب زوجتَك وأنت لست من خيارهم – بشهادةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم – إياك أن تبغي على هذه المرأة، إيَّاك أن تعتاد ضرب زوجتِك، إيَّاك أن تتجاوز الحد الذي ذكرنا والضوابط التي قُلنا، لا تعلو عليها فالله أعلى منك وأكبر((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) لا تجعلها متنفَّسا لحقدِك ولضيق صدرك ولضعف شخصيَّتك أمام الناس… ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) الله تعالى أعلى مِنك وأكبر، إن تسلَّطت على هذه المسكينة، سيُسلِّط الله عليك من هو أشدُّ منك وأقوى لكي تعلَم أنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا…

فإن لم تفلح كلُّ العلاجات ولم تجد نفعًا فكيف يكون الحل؟

قد يقول القائل: وعظتُ وهجرتُ وضربتُ ضربًا تأديبيًّا فلم تُفلِح العلاجاتُ ولم تُجدِ معي فكيف يكون الحل؟؟!!

هذا ما سنتحدَّث عنه إن أحيانا الله تعالى إلى قابل الأيام، في هذا كفاية لمن أراد هداية … أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *