الرئيسية / خطبة الجمعة / سلسلة الأسرة المسلمة (14) – بيوتنا والحب

سلسلة الأسرة المسلمة (14) – بيوتنا والحب

خطبة الجمعة - سلسلة السرة المسلمة (14) - بيوتنا والحب

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

سلسلة الأسرة المسلمة (14)
بيوتنا والحب

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 30 دقيقة.

التاريخ: 10/جمادى الآخرة/1440هـ
الموافق: 15/شباط/2019م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ إنّ البيوت لا تُبنى على الحب
2️⃣ مودةً ورحمة، لا حبًا وغرامًا
3️⃣ بالحب يبررون لخراب الأسرة وتفكك الزوجية!
4️⃣ يطلق امرأته بحجة أنه لا يحبها، وبلا سبب!!
5️⃣ من سألت زوجها طلاقها من غير بأس.
6️⃣ الحب تضحية وبذل وعطاء.
7️⃣ حب النبي لخديجة، وأروع قصص الإخلاص والوفاء.
8️⃣ السر في محبَّة خديجة.
9️⃣ مفسدة حيازة الجوال في أيدي الأطفال والمراهقين.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
🔟 دعاء فقط

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كَرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين، أمّا بعد إخوة الإيمان:

أخرج البخاري في التاريخ الكبير مختصراً وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار عن ابن أبي عزرة الدؤلي، وكان في خِلافة عمر يخلع النساء التي يتزوجها، فطار له في الناس من ذلك أحدوثة فكرهها، فلمّا علِم بذلك، قام بعبد الله بن الأرقم حتى أدخله بيته، فقال لامرأته، وابن الأرقم يسمع: أُنشِدُك بالله، هل تبغضينني؟ فقالت امرأته: لا تناشدني. قال: بلى. فقالت: اللهم نعم. فقال ابن أبي عزرة لعبد الله: أتسمع.

ثمّ انطلق حتى أتى عمر، ثم قال: يا أمير المؤمنين، يحدثون أني أظلِمُ النساء، وأخلعُهُن، […الناس نشرت عني سيطًا بأني أظلم النساء، أو أضرِبهنَّ، حتى أجبر المرأة على أن تخلعني، وتتنازل لي عن مهرها لتخلص من ظلمي، والأمر ليس كذلك…] فاسأل عبد الله بن الأرقم عما سمع من امرأتي، فسأل عمر عبد الله، فأخبره [.. بأن زوجة الرجل تبغضه، لعله لعيبٍ فيه في خِلقتِه أو خُلقه، أو لأمرٍ ما … المهم أن النساء تُبغِضه…] فأرسل عمر إلى امرأته، فجاءت، فقال لها: «أنت التي تحدثين زوجَك أنَّك تبغضينه ؟» ، قالت: يا أمير المؤمنين، إني أول من تاب، وراجع أمر الله، […خافت من عِقاب عُمر، فقالت له تُبت من ذلك…] إنه يا أمير المؤمنين أنشدني بالله، فتحرَّجتُ أن أكذِب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟

قال: «نعم، فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدا، فلا تُحدِّثه بذلك، فإنَّ أقلّ البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام، والإحسان».

[صحح هذا الأثر الشيخ حاتم بن عارف العوني وقال :أخرجه البخاري في التاريخ الكبير مختصراً: (4/152)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار: مسند علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: (142) رقم (236)]

أيها السادة الكرام، أيها الإخوة الأفاضل، حديثنا اليوم عن الحبّ، حديثنا اليوم عن تلك الكلمة التي غدت مبتذلةً في زماننا، حديثنا عن تلك الكلمة التي تدور حولها الأفلام والمسلسلات والقِصص والبرامج، حديثنا عن شعورٍ إنسانيٍ راقٍ، غدا في جاهليتنا المعاصِرة مفهومًا خاطئا يُعبَّر عنه برموزٍ وشكليات ومظاهر فارغة.

حديثنا اليوم عن مفهومٍ شوِّه في أذهان الشباب والبنات فغدا سببا لانهيار الأُسَر والبيوت بدلَ أن يكون سبب مزيدٍ مِن التماسك لها.

قال عُمر: «نعم، فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدا، فلا تُحدِّثه بذلك، […والكلام كما هو للمرأة، هو موجهٌ أيضًا للرجل، إن كُنت لا تُحِبُّها فلا تُحدِّثها بذلك… ]  فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحُب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام، والإحسان». ومصداق ذلك قول الله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم:21].

مودةً ورحة تقوم بها البيوت، فالبيوت لا تقوم بعاطفةٍ مُتقلِّبة ولا بنزوةٍ جامحة أو هوى يذهب مع الريح، البيوت  تقوم بمودَّةٍ ورحمة يسكبها الله في قلوب الزوجين لحظة عقد العقد الشرعي الذي يُحِلُّ ما كان قبله حرامً، مودةٌ ورحمَة تزداد بالعِشرة، وتنمو بالصبر على اختلاف الطباع، مودةٌ ورحمة تزيد بزيادة الأولاد والمسؤوليات، فتنمو –عادةً- مع تقدم العمر ولا تتقلَّص… قال ربِّي: مَودةً ورحمة، ولم يقُل حُبًا وعشقًا وغرامًا وهُيامًا، فذاك قد يفتر بتقدم العمر وتغيُّر الشكل وضعف الشهوة وذهاب الشباب، أمَّا المودَّة والرحمة فتزداد عادةً مع تقدُّمِ العمر، ومع زيادة الأولاد ونمو الأسرة وكثرة المسؤوليات.

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يستشيره في طلاق امرأته، فقال له عمر: لا تفعل، فقال الرجل: ولكني لا أُحِبُّها. قال عمر رضي الله عنه: ويحك وكم من البيوت يُبنى على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟[عشرة النساء, للنسائي 177].

أين الرعاية التي أمر الله بها، والرحمة بالزوجة والأولاد، أين الرعاية التي يتكافل بها أهل البيت ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات. أين التذمم: أين ذِمَّةُ الرجل، بالتحرج من أن يخفِرَ ذِمَّته، فيكون سببًا لتفريق شمل أسرته وتقويض بيته وضياع أولاده، وما يأتي من وراء هذه السيئات من نكد العيش وسوء المآلات.

أيها السادة الكرام، أيُّها الإخوة الأفاضل، : كم أفسد الإعلام في عقول الشباب والشابات، كم أفسد الإعلام في عقول الرجال والنساء، فغدونا نفتقد الواقعية في أفكارنا وفي عواطفنا؟!

الواقعية مطلوبة، وتوعية الشباب والبنات واجبٌ مطلوب، وما حالات الطلاق التي يتزايد عددُها عامًا بعد عام إلّا بسبب قلّة الوعي والفهم الخاطئ والأفكار والعواطف التي بنيت على تصورٍ جاهلي، روّجته وسائل إعلام الجاهلية الحديثة.

الحُب جميل، ووجوده بين الزوج والزوجة يزيد الشعور بالسعادة، وقد أمرنا شرعا بمراعاة هذا الجانب قدر المستطاع، أُمِرنا بمراعاة هذه المشاعر عند الفتى وعِند الفتاة، فأُمِر الرجل بالنظر إلى المرأة قبل الزواج وأُمِرت أن تنظر إليه، وأُمِر الأب بأن يستأذن البنت فلا يزوجها إلا ممّن وافقت عليه، ولكنَّ هذا لا يعني أبدًا أنَّ الحُبَّ هو العماد الذي تقوم عليه البيوت، ولا يعني ذلك أنَّ الحب هو ما فهمه الناس من المسلسلات والأفلام.

عندنا مشكلتان في الفهم، الأولى مشكلةُ توهُّم أنَّ البيوت تقوم على الحب، ومشكلةٌ في فهمِ معاني الحبِّ نفسِه، فغدا الشباب والبنات يتزوجون وفي أذهانهم مفهوم خاطئ عن الزواج وعن الحب!!

تتزوج البنت وهي تتخيل أنَّ الزواج عيشٌ قائمٌ على تبادل كلمات وألفاظ الحبِّ والغزل، تتخيل الزواج رقصاتٌ حميمية، وساعاتٌ شهوانية، ورحَلاتٍ سياحية…

وكذلك أيضًا الشاب بما يراه على التلفزيونات، ويشاهده على الجوالات، تراه يخطِب بنت البيوت، البنت الصغيرة المهذبة، ثمَّ ينتظر منها فورًا كلمات الحب والغزل، يقارنها في ذهنه – يقارِن بنت البيوت- بتلك الفاسقة التي تدرَّبت مع عشرات الرجال الذين كانت تكلِّمُهم وترتع معهم!!

يتركها ليل نهار تعاني تجهيز حاجات بيته ومستلزمات رعاية بنيه، ويريد منها ما يكون مِن تلك المتفرغة للمكياج والرِّعاية البدنية ليل نهار!!

يبيت معها كأوَّل رجلٍ تعرفه في حياتها، ويريد منها ما يكون من الفاجرات اللواتي مرَّ على أجسادهنَّ رجالٌ ورجال!!!

أعوذ بالله من هذا الانحطاط، أعوذ بالله من هذا الانتكاس في الفهم!

ما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم الحب وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة، بل ويبيحون باسم الحب انفصال الزوجين، وتحطيم مؤسسة الزوجية وتشريدِ الأولاد.

يُطلِّق زوجته ولم ير منها نشوزًا أو بأسًا ويشرِّد أولاده بحجة أنَّه لا يُحبُّها!!

وتِلكَ تطلب طلاقها من غير بأس ورسول الله r يقول: “أيّما امرأةٍ سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة” [صحيح ابن حِبان و قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم]، فإذا سُئلت عن حُجّة طلبِها للطلاق تعللت بالحب، تريد من زوجها ما تراه وتسمع من كلام الأفلام المنمَّق، لم تر منه تقصيرًا وتطلب منه الطلاق!

بعض السفيهات يطلِبن الطلاق بحجة أنَّ أزواجَهنَّ تزوجوا بأخرى، تعتبر ذلك خيانةً لها ولِحُبِّها، متناسياتٍ الفرق الجسدي والنفسي بين الرجل والمرأة وما أحلّه الله له وما أحلَّه الله لها، وهل كل من تزوج بأخرى يكره السابقة؟؟ بالطبع ليس بالضرورة، ولكنّها المفاهيم المعوجَّة المشوهة التي غرسوها في عقول أبنائنا وبناتنا.

ولا أسفه مِن تِلك المرأة إلا أبوها وإخوانها إن وافقوها على أن تسأل زوجها طلاقها مِن غير بأس.

باسم الحب يبررون خراب البيوت، ليس هذا فحسب، بل يبررون خيانة الزوجة لزوجها بالزنا! بحجَّة أنها لا تحبه؟! ويبررون خيانة الزوج لزوجته بالحرام! بحجَّة أنه لا يحبها؟! نعم أيها السادة، هذا ما تروِّجه المسلسلات والأفلام التي تصاغ سيناريوهاتها بطريقةٍ تجعلك تتعاطف مع الزاني والزانية، ترى المسلسل أو الفيلم مصوغا بطريقةٍ تتلاعب بعواطف الناس لكي يتعاطفوا مع تلك الزانية بحجَّة أنها حُرِمت مِن حبيبها، لكي يتعاطفوا مع ذلك الزاني بحجة أنّه عاشقٌ ولهان، يُدخلون هذه الأفكار الخبيثة شيئا فشيئا إلى عقول الناس، يروِّجون للفاحِشة باسم الحب، ويروِّجون الفاحشة باسم الحب، حتى تغدوا هذه الأفكار مستقرةً في العقول الباطنة للناس.

يتحدثون كثيرًا عن الحب، وما يهجس في تلك نفوسهم التافهة معنىً أكبرُ من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة، ونزوة الميل الحيواني المسعور، ومن المؤكد أنه لا يخطر لهم بحالٍ مِن الأحوال أن في الحياة من المروءة والنُّبل والشهامة والتجمُّل والاحتمال والصبر ما هو أكبر وأعظم من هذا الذي يتشدقون به في تصور هابط هزيل، يغفلون عن فكرة أن الحياة ليست نزوةً وليست شهوةً عابرة تضعف متى تقدم العمر، فهناك حب مبني على الرحمة للأولاد والبنات والذرية، حبٌ وعاطفة يطغى عند كثيرٍ مِن العقلاء على حب الرجل للمرأة فيصبِر عليها ويحافِظ على أسرته…

يصوِّرون الحُبّ، تصوُّرًا هابطًا هزيلًا، ومن المؤكد – طبعًا – أنه لا يخطر لهم خاطرُ “الله” تعالى، فهم بعيدون عنه في جاهليتهم، فما تستشعر قلوبهم ما يقوله الله للمؤمنين: ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

عندما نتحدَّث عن الحب أيها السادة، نرى أنَّ كثيرًا من الناس لم يعوا ولم يعرفوا المعنى الحقيقي للحب، فالمعنى الحقيقي للحب لا يظهر إلا في الوفاء والإخلاص وصدق التضحية لأجل المحبوب. لمَّا أحبَّ الصحابة الكرام، ومن سار على دربهم الله تعالى ورسولَه حبًا حقيقيًا بذلوا المُهَجَ والأرواح لأجلِ حُبِّهم، فالحب صِدقٌ وإخلاصٌ وتضحية.

الحب ليس كلمات عابرة ولا رسائل ماجنة ولا هدايا مزركشة.. الحب أيها السادة هو الوفاء والتضحية.

كم نرى في هذه المناسبات التافهة التي يُقلِّد المسلمون فيها غيرَ المسلمين، نرى فيها امرأةً ترسل لزوجها البطاقات الحمراء، والرسائل المزركشة الملونة على الوتسأب وغير الوتسأب، ولكنها لا تطيع زوجها ولا تلزم أمره، أي حُبٍّ هذا؟!!

كم من رجلٍ يستجيب لعادات مَن حولَه، ويريد أن يرتاح من لسان زوجتهِ ونقِّها، فيأتي لامرأته بالورد الأحمر والكيك الأحمر، وتراها تصوِّر ذلك وترسل الصور لقريناتها متباهية، مع أنها تعيش معه جحيما وهو لا يؤدي إلا القليل مما افترضه الله عليه من واجبات الزوجية؟!

فليسمع الرجال، ولتسمع النساء، الحب ليس مظاهرَ فارغة، الحبُّ وفاءٌ وتضحية وبذلٌ للمحبوب (بالنفس والمال والجُهد والوقت..)، من أراد أن يعرف الحُبَّ على حقيقته فليسمع قول النبي –صلّى الله عليه وسلَّم- وقد كان يمتدح خديجة أم المؤمنين بعد موتها بسنين طويلة، لم ينساها وكان له بعدها زوجات، وكانت كبيرةً وتزوج بعد موتها بالبكر الجميلة، وبقي –روحي فداه- إلى أن يموت يقول: إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا”.[ كما في صحيح مُسلم]، حتى أنه من كثرة ما كان يذكرها قالت عائشة حبيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا” [رواه البخاري].

من أراد أن يسمع عن حقيقة الحُبّ، فلينظر وفاء النبي إلى خديجة ومزيد إحسانه بعد موتها لمن كانوا يلوذون بها في حياتها، ففي البخاري ومسلم، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ ؛ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ!! ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةَ”. أي اهتم كثيرا لأن أخت زوجته السابقة التي توفِّيت أتت تطلبه في حاجة، فاهتمَّ لأمرِها وتجهَّز لقدومها وفاءً لخديجة.

ومرَّةً أتته عجوزٌ تسأله حاجة فبسط لها ثوبه، واهتمَّ لأمرها، فلما سألته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قال: “إنَّها كانت تغشانا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان”.

هكذا هو الحب، وهكذا هو الوفاء عند أهل الوفاء، ولكن السؤال هنا: من أين يأتي هذا الحب؟ لماذا هذا الحب؟ ولماذا هذا العشق لخديجة حتى بعد موتها؟! ألأنّها كانت صبيةً جميلةً بكرًا لعوبًا؟ بالطبع لا، فالنبي تزوجها وهي تكبره بسنوات، قيل بأنها كانت أكبر منه بعشر سنوات، وقيل بأكبر مِن ذلك.

خديجةُ رضي الله عنها كانت بِكرًا، بالطبع لا، فقد كانت تزوجت قبل رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- مرّتين، ولها أولاد من زوجين قبل رسول الله –صلى الله عليه وسلّم-.

ما السر الذي جعل النبي يُحبّها، وما السر الذي كتب الله لها به رضى وسلامًا فأتى جبريل يبشِّرُها مِن ربِّها بسلامٍ وبِبَيْتٍ في الجنَّة مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ، [البخاري]، ما السرُّ وما السبب في هذا الحب؟!

لكي نعرف الجواب -أيها السادة-  فلنسمع ما قالت عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها-، قالت: “كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها يوما، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن. [أي: “عوضك الله بعد تلك الكبيرة بي، وأنا البكر الصغيرة الجميلة”، وعائشة كانت حبيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم…]

قالت: فرأيته غضب غضبا. أسقطتُ في خَلَدِي وقلتُ في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت، قال: “كيف قلتُ؟ واللهِ لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورُزِقت منها الولد وحرمتموه مني” قالت: فغدا وراح عليّ بها شهرا. [مسند أحمد، السنن الكبرى للبيهقي]. أي بقي شهرا يُذكِّرُها بخطئها هذا ويؤنبها على ما أخطأته في حقِّ سيرة أمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها.

أعرفتم الآن من أين أتى حُبها؟ فليسمع الرجال، ولتعلِّموا النساء في البيوت، ولتُعلِّم ابنتك قبل أن تتزوج،

فليسمع الرجال ولتسمع النساء: “آوته ونصرته وصدقته ووقفت معه يوم تخلى عنه القريب والبعيد، وكانت أول من آمن من النساء، وخرجت له من مالها وقد كانت غنيّة، أعطته إياه لتعينه في حياته ودعوته، وحوصرت معه في شِعبِ أبي طالب ثلاث سنين يأكلون ورق الشجر وهي بنتُ العِز والمال، وهي صابرةٌ محتسبةٌ في سبيل الله لا تفارِقُ زوجها ولا تتأبى عن نُصرتِه، أفلا يحبها ويكون وفيًا لسيرتها ولذِكرها رضي الله عنها وأرضاها؟ من هنا يأتي الحب أيها السادة.

الحب يكون بالتضحية، وصِدق الحب يظهر في الوفاء.

بنت عمِّك التي تخدِمك في مرضك، وتعتني بعيالك، وتحوط مالك من خلفِك، أولى بحبك من بنت الشوارع التي تكلمك وتغازلك وتتغمَّى لك وتتلاعب بسفاهة عقلك وهي لا تحلُّ لك…

فلنعلم بناتنا بأن طاعة المرأة لزوجها، وصبرها عليه وتضحيتها لأجل أسرتها هي الباب الصحيح لكي تكسب المرأة حبَّ زوجها ومودته ورحمته.

وليعلم الرجال كذلك بأنَّ الحب يظهر في الصبرِ على النساء، إن استمتعتَ بها استمتعت بها وبِها عِوَج وإن أخذت تقوِّمُها كسرتها، صبرُك على امرأتِك وتحمُّلك لها، وبذلُك لأجلِها، هو أعلا وأهم ما يكون مِن مظاهِر الحب تجاه المرأة.

الحب ليس بالزينة وليس بالشموع ولا بالمظاهر الكاذبة التي تصوِّرها تلك المرأة لتغيظ بها حاسِداتها.

مفاهيم يجب أن نُصحِّحها في أذهاننا، ويجب أن نصححها في أذهان بناتنا وشبابنا، ولنسع قبل ذلك جاهدين لإبعاد بناتنا وشبابنا عمّا يفسِد دينهم وأخلاقهم، أنت راعٍ ومسؤول عن رعيَّتِك، هذا التلفاز الذي في بيتك لابدَّ أن يكون تحت رقابة الأسرة، وهذه الجوالات لابدَّ أن تكون مُقنَّنةً في أيدي الشباب والبنات.

ما بالنا اليوم نرى بعض الناس لأنَّ الله تعالى رزقهم، يسارع أحدهم في إضاعة ماله في مفسدة ولده وابنته، يشتري لولده جوالا، فلا يعرِف ما يصِل ولده وابنته!!

هل تعلمون -أيّها السادة- بأنَّ بعض كبار مدراء الشركات المصنعة لهذه التقنية، في لقاء عُقِد معهم، قالوا بأنهم لا يسمحون لأولادهم باقتناء الجوالات الخاصة قبل أن يبلغوا الثامنة عشرة من عمرهم، ونحن نرى البعض في عمر الثانية عشر أو الثالثة عشر من عمره، وقد اشترى الأب جوالا لولده أو ابنته، ويدخل الولد أو البنت على الانترنت ولا يعرف الأب ولا تعرف الأم، ماذا يشاهدون ولا مع من يتحدَّثون، وقد يأتي والعياذُ بالله، مِنَ الثعالِب البشرية مَن يمكُر بذلك الولد ومن يمكُرُ بتلك البنت، ومن يتلاعب بعواطِف الولد ويتلاعب بعواطِف البنت، وقد يقع بعدها الفأس بالرأس، ولاتَ ساعةَ مندمِ.

اللهم أصلح الأزواج والذرية وارزقنا في كل أعمالنا إخلاص النية.
اللهم اجعل بيوتنا جميعا بيوت الطيبين والطيبات الصالحين والصالحات…

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

اللهم لك الحمد كما أنت أهلُه، صلِّ على نحمَّدٍ كما هو أهله، وافعل بنا ما أنت أهلهُ يا أرحم الرحمين.

عبادَ الله مفاسِد كثيرة انتشرت في مجتمعنا، يتحمَّل الآباء والأمهات كِفلًا كبيرًا منها، يُسألون عها في الدنيا، وسيُسألون عنها في الآخرة، فهذا الذي نشهده من المفاسِد في كثيرٍ منه تقصيرٌ مردُّه إلى الأب، وكثيرٌ منه تقصيرٌ مردُّه الأم، نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على رعاية أسرنا وتنشئة أبنائنا على ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه…

إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *