سلسلة تغيير العادات (6) – أهمية الوقت في حياة المسلم

  • خطبة الجمعة 109
    خطبة الجمعة 109
  • خطبة الجمعة 109
    خطبة الجمعة 109

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

سلسلة تغيير العادات (6)
أهمية الوقت في حياة المسلم

التاريخ: 21/ ذو الحجة/1437هـ
الموافق: 23/ أيلول/2016م

🕌 من أحد مساجد حلب المحررة
⏱ المدة: 26 دقيقة

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:

1⃣ إنَّ الحياة دقائقٌ وثواني.
2⃣ قسم الله بالوقت في مواضع عديدة.
3⃣ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ.
4⃣ اغتنم خمسا قبل خمس.
5⃣ هلك المسوِّفون.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:

6⃣ الجليس الصالح أهم عون على كسب الوقت.
7⃣ مسؤوليتنا عن أوقات أبنائنا.
8⃣ ما دُووِم عليه وإن قلّ.
رابط الخطبة على الموقع

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF
لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا؛ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ؛ أحمده جلت قدرته وعزَّ سلطانه، وأعوذ به مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رحمةً وعِلماً وتدبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله ربُّهُ هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ((وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3))) [العصر:1-3]

أما بعد إخوة الإيمان: فإنَّ المتدبِّر الحكيم، المتعظ المعتبر يعرف أنَّه لم يخلق عبثًا في هذا الكون، فالذي يفكِّر متعظًا بحالِ من سبَقه، يعلم أنَّ الوقت أغلى ما يملكه الإنسان، يعلم أنَّ الزمن هو رأس ماله الحقيقي في هذه الحياة الدنيا، هو العدَّاد التنازليُّ الذي يسابقه في مشاريعه ، في طموحاته ، في مخطَّطاته، إنَّه الوقت إنّه الزمن إنَّه العصر، أغلى شيءٍ في حياةِ الإنسان وهو في الوقت نفسه أسهل شيء يضيع ويتفلَّت عند بعض الناس، إنَّه الوقت الذي يضيع ويتفلَّت بقلَّة التنظيم والتدبير، هو الوقت الذي قال فيه الحسن البصري – رحمه الله -: “يا ابن آدم، إنَّما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهبَ بعضك”… وجودك في هذه الحياة الدنيا أيَّامٌ معدودة كلَّما انقضى منها يومٌ انقضى بعض وجودك:

دقات قلب المرء قائلةً له *** إنَّ الحياة دقائقٌ وثواني

كلما انقضت ثانيةٌ وكلَّما مضت دقيقة، فإنَّما هي ثانيةٌ تمرُّ من عمرك ودقيقةٌ تنصرِمُ من أجَلِك.

الوقت أيها السادة خط الحياة، وفرصتنا التي لن تتكرر، واللحظة التي إذا انقضت لن تعود، الوقت أيها السادة تلك الفُرصة العظمى التي أنعم بها الله علينا ليختبرنا فيما نصنع فيها، الوقت أيها السادة ذاك الذي أتت الآيات القرآنية مُظهرةً لعظيم شأنه عندما أقسم به الجليلُ العظيمُ سبحانه وتعالى في مطالِع سورٍ عديدة: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالْ عَشْرٍ) [الفجر:1، 2]، ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل:1، 2]، (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) [الضحى:1، 2]… وآياتٌ أخرى كثيرة يقسم الله بأجزاء الزمن لفتًا للأنظار نحوَها، لعظيم دلالتها عليه، ولجليل ما اشتملت عليه من منافع وآثار.

يقسم الله بالزمن لينبِّهك أيها الإنسان لخطورة أن تضيعه فيما لا ينفع دينك ولا دنياك، فيما لا ينفعك في حياتك ولا آخِرتك، يقسمُ الله قسَمًا لابدَّ أن ينعكس يقينًا في قلبك، بأنَّ الذي شاء خَلْقَ الزمان وخَلْقَ الفاعلين، وخلق أفعالَهم وجعْلَها قسمين خيرًا وشرًا يأبي بحكمته – سبحانه وتعالى – أن يسوَّي بينهم، تأبى حكمة الله ويأبى عدله إلَّا أن يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته … يأبى سبحانه بتمام حكمته وعدله إلا أن يجازي من اغتنم زمن حياته بالخيرات بأفضل منها، وأن يجازي من استنفذ فرصة حياته بالمفاسد بعقابٍ يناسبها… فأين المغتنمون؟ أين المحافظون على أوقاتهم؟ أين من أوقاتهم طاعة واجتهادٌ وجهادٌ وجِدٌ وتسابقٌ بالخيرات؟ أين من استراحتهم وترويحهم عن نفسهم ملاطفةٌ ومؤانسةٌ للزوجات والأولاد يحتسبون فيها الأجر من الله؟ أين أولئك أيها السادة؟ أين من سمع أمر النبي بالمحافظة على الأوقات فسمع وأطاع؟ ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة، حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُره فِيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِهِ فِيمَ عمِل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فِيمَ أبلاه؟» [والحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح].

لن تزول قدما العبد – أيها السادة – في ذلك الموقف الرهيب، حتَّى يحاسب عن هذه الأمور الأربعة ، حتى يحاسب عن عمره أين أفتاه وقضاه، فيم شغل نفسه بحياته، فيم شغل نفسه في هذه الأيام المعدودة عليه، وعن علمه الذي تعلَّمه وسمعه، هل عمل به وطبَّقه وفي منفعة الإسلام والمسلمين وظَّفه، أم أنَّه اتخذه وسيلةً لكسب المال فقط ولصرف النَّاس إليه؟!

لن تزول قدما الإنسان في ذلك الموقف حتَّى يسأل عن ماله من أين اكتسبه؟ (أمِن حلالٍ جناه؟) وفيم أنفقه؟ (أفيم يُرضي الله أنفقه؟) وعن جسمه – عن صحته وعافيته – فيم أبلاه وأجهده…

في ذاك الموقف الرهيب لن تتزحزح قدماك حتى تُسأل عن هذه الأمور … فأين المغتنمون أيها السادة؟ أين المتعظون؟ أين المعتبرون بما نراه حولنا من موت وقتل؟ أيعقل أن نرى القتل يتخطَّف الناس من حولنا يوميًا بالعشرات والمئات، وما زال بعضنا إلى اليوم يضيع الساعات الطويلة من عمره لاعبًا ساهيًا لاهيا، يقضِّي الساعات التي تأتي فيها الكهرباء ليلًا سهرًا على التلفاز وفُرجةً على المحرَّمات، أيعقل أنّ نرى بيننا شبابًا يُضيعون الساعات على ورق الشَدَّة، أيعقل أن نرى – ونحن في هذا الحال – نرى بيننا رجالًا يضيعون الساعات الطويلة متسكِّعين على الطرقات، يسمعون المؤذِّن فلا يجيبون، يتشاغلون بالغِيبة والنميمة وكأنَّهم فقط ينتظرون أن يحِلَّ أجلهم… ينتظرون الموت أن يأتيهم؟!!

كثيرٌ من الناس في هذه الثورة، نراه وقد جلس في بيته كما تجلس النساء … ما بالك؟ يجيبك لا أعمال ولا أشغال. .. إن لم تشتغل لتستزيد في الدنيا أوليس هناك ما يشغلك لتستزيد خيرًا في آخِرتك؟! إن لم تجد ما تكسب به الدنيا، أفلا ندلُّك على ما تكسب به الآخرة، أوليس خيرًا لك من أن تجلس على قارعة الطريق أو أن تجلس مع النساء في البيوت، أليس خيرًا لك أن تجلس مع المرابطين، تخفِّف عنهم ساعات رباطهم؟؟ هذا جلوس وذاك جلوس؟! هذا جلوس بغيبةٍ ونميمةٍ ومعصية، وذاك جلوسٌ بطاعةٍ ومرضاةٍ وقربى إلى الله، أليس خيرًا من تسكُّعك أن تسمع المؤذِّن فتجيب؟ أو أن تنتظر الصلاة إلى الصلاة؟ أو أن تبحث عمَّن يعلمك شيئًا من دينك؟ … لن تزول قدماك أيُّها الإنسان حتَّى تُسأل عن هذه الأربع فأعِدَّ للسؤال جوابا، أعدَّ للسؤال جوابًا قبل أن يأتيك الموت، قبل أن يحلَّ أجلك.

فعندما يحل الأجل… عندها فقط – أيها الأحبَّة – يصحو الإنسان من سكرته ويستيقظ من غفلته: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ …. [[فيـأتي الجواب الرَّباني]]… كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100))) [المؤمنون]

لا عمل بعد ذلك اليوم وبعد تلك الساعة، لا عمل يزيد في صحيفتك، لا يبقى لك إلا علمٌ نافعٌ علَّمته، صدقةٌ جارية أو ولدٌ صالحٌ يدعو لك.

أمَّا أن تعمل عملًا جديدا ؟ فالجواب: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) هناك الحسرة، هناك الألم، هناك الندم، ولاتَ ساعةَ مندمِ.

هنالك الحسرة على كلِّ لحظةٍ لم تستثمرها ولم تنتفع فيها، هنالك يستذكر المسرف كلَّ لحظات حياته ((رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ … [فيأتيهم الجواب] …. أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)) [فاطر:37].

أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ؟؟ ألم يمدَّ الله في عمرك يامن جاوزت الأربعين والخمسين والستين، أمدَّ اللهُ بعمرك ولكنَّك لم تتذكَّر، بل شغلت نفسك بالمعاصي ومنَّيتها بالتسويف والتأجيل.

إياكم والتأجيل أيُّها السادة، إياكم والتسويف، فقد هلك المسوِّفون، الذين يقولون سنعمل وسنتوب وسنجاهد وسننظم حياتنا وسنرتِّب أوراقنا سوف سوف … أولئك هم المسوِّفون الذين يقولون: سنعمل في قابِل الأيَّام، وكأنَّهم يضمنون العيش سنين طويلة، ومع ذلك فحتى من يعيش منهم دهرًا طويلًا، يمدُّ الله في أعمارهم ولا يُنجزون، فالتسويف عجز وكسل، وما أكثر الذين يأخذون التسويفَ شعارًا لهم، يمكنونه من قلوبهم ، فإذا بهم تتقطع آمالهم وتنقطع آجالهم. (لا تأجِّل عمل اليوم إلى الغد) فهل تضمن أن تعيش ليوم غد؟! هل تضمن بقاء عافيتِك ليوم غد؟ هل تضمن نوازل القدر أن لا تُصيبك بنازلةٍ يوم غد؟ … فلتعلم أخا الإسلام أن من أراد أن يعمل غدًا استعدَّ من اليوم ولم ينتظر مجيء الغد، من وضع خُطَّةً لحياته حقًّا، من عزَم على العمل حقًّا يبدأ من اليوم ولا ينتظر الغد، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوصينا قائلًا: ((اغتنم خمسا قبل خمس : حياتَك قبل موتك [ما يدرينا من سيُمَدُّ في عمره إلى الغد؟] و صحتك قبل سقمك [ ما يُدريك لعلك تبتلي بمرضٍ تعجز به عن العمل] و فراغك قبل شغلك [ هذا الفراغ الذي لا تستثمره كثير من الناس مغبونٌ فيه] و شبابك قبل هرمك [ اعتبر أيها الشاب بمن ترى حولك من كبار السنِّ والعجائز وأنت بصحتك وعافيتك فالوقت وقت إنجاز الوقت وقت جِدٍّ وعمل في زمن الشباب ، أمّا الكِبَر فالهرَم والمرَض] وغناك قبل فقرك)) [والحديث أخرجه الحاكم في الرقائق والسيوطي وصحح الشيخ الألباني]

اغتنم أخا الإسلام فالله يأمرنا بالمسارعة في أبواب الخير، ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:133] يأمرنا الله بالتسابق في الطاعات ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) [الحديد:21]

وقد روى الترمذيّ بإسناده وقال حديث حسن عن أَبي هريرة – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ : (( بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعاً: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنَىً مُطْغِياً، أَوْ مَرَضَاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً [[ أي الخرَف ]]، أَوْ مَوْتَاً مُجْهِزاً، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ ؟! ))

قل لي ماذا تنتظر أخا الإسلام؟ ماذا تنتظر أيها الشاب؟ مذا تنتظر أيها الرجل القوي؟ متى تعمل؟ متى تجاهد؟ متى تترك بصمتك في هذه الحياة؟ أم أنك تريد أن تكون ممن يدخلون الحياة الدنيا رقمًا ويخرجون منها رقمًا، لا يُذكرُ لهم إنجازٌ ولا عملٌ صالح، لا يذكرون في ملأِ الدنيا ولا في ملأِ السماوات هناكَ حيث يذكر الصالحون المجاهدون الأخفياء الأتقياء، إلى متى تركب مركب التسويف، ورحم الله ابن الجوزي في صيد الخاطر إذ قال: “إيّاك والتسويف، فإنه أكبرُ جنود إبليس”.

إبليس – أيها السادة – يخيِّلُ لنا أن الأيام ستفرغ في المستقبل من الشواغل، وتصفو من المكدرات والعوائق، يخيِّلُ لنا أننا سنكون فيها أفرغ مما مضى ويمضي من أيام الشباب، ولكن الواقع المشاهَدَ والحقيقةُ على العكس من هذا تمامًا، فكلما كبرت سِنُّك كبرت مسؤولياتك، وزادت علاقاتك، وضاقت أوقاتك، ونقصت طاقتك، فالوقت في الكبر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصِّحة فيه أقلّ، والنشاط أدنى، والواجبات والشواغل أكثر وأشدّ.

أترجـو أن تكون وأنـت شيـخ كما قد كنتَ أيام الشبـاب
لقـد كذَبَتك نفسك ليـس ثوبٌ دَريسٌ كالجديدِ من الثيـاب

والله أيها الأحبة، ما شأن هذا الذي يرى التفرّغ من الشواغل في مستقبل الأيام فيُسوِّفُ في فعل الخيرات والطاعات إلا كشأن ذلك الرجل الذي قال للإمام ابن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح، فما تفسير هذه الرؤيا؟! فقال له: أنت رجل كثير الأماني والأحلام.
إياك أن تعيش في الأوهام، إياك أن تعيش في الأوهام، عش اللحظة، وبادر بوضع الخطَّة والتنفيذ لتترك في الدنيا بصمتك ولتنال في الآخرة ذكرك وتُعلي مقامك في جنّات النعيم، اللهم اجعلنا منهم ومعهم … أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفا وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن…

أما بعد إخوة الإيمان: ونحن نتحدَّث عن أهمية استثمار الوقت والمحافظة عليه واغتنامِه، لا بدَّ أنَّ نعلم أنَّ أول السبل المعينة على ذلك، حسن اختيار الأصحاب والجُلساء، فالمرء مفطور على التأثّر والتأثير، فالإنسان ابن بيئته، وهذا ما ألمحت إليه السنة المطهرة في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (( إِنَّمَا مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحَامِلِ المِسْكِ، [حامل المسك هو بائع العطور والطيب] وَنَافِخِ الْكِيرِ [الحداد يُحمي الحديد ليلين] ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً )) [أي ريحًا كريهة] ومقصود الحديثِ أن طبعك أيها الإنسان يَسرِقُ من جلسائك وأنت لا تدري، فمن جالس جانس، ولذلك قالوا: (قل لي من تصاحب أقل لك من أنت) فمن أراد المحافظة على وقته فليتنبه لحسن اختيار أصحابه وجلسائه فمنهم من يعين على الارتقاء بالنفس، ومنهم من يضيع وقتك فيما لا نفع منه.

ولأنَّ كل واحدٍ منا راعٍ ومسؤول عن رعيته، وجب عليك أيضًا أن تنتبه لجلساء أبنائك إن أردت لهم أن يكونوا ممن يحافظون على أوقاتهم، فمسؤولية استثمار العمر والمحافظة على الوقت في الصِغَر هي مسؤولية الأب والأم؛ مسؤولية أبٍ حكيم و مسؤولية أمٍّ صالحة يشغلان أبناءهما بما ينفعهم من أمرِ الدنيا والآخِرة.

وإياك إياكَ أخا الإسلام أن ترهق نفسك بتحميلها أكثر من طاقتها، فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع، وفي هذا يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يمَلُّ حتى تملوا، وإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله ما دُووِم عليه وإن قلّ)) [والحديث رواه البخاري] أي ما ستمرَّ عليه صاحبه وإن قلَّ اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا، تجاوز عن تقصيرنا وتقبَّل قليل أعمالنا بمحض جودك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين …

إني داع فأمنوا

0%

تقييم المستخدمون: 4.46 ( 2 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *