المنطقة العازلة؛ أشر أريد بثورة الشام والحكومة التركية أم أريد بهم رشد؟!

مقالات - المنطقة العازلة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وتولَّ أمرنا، وأصلح عاقبة أمورنا

أثارت المنطقة العازلة بلبلة بين الثوار كما لم يثر موضوع آخر، وحركت جدلاً واسعًا وخلافًا حادًا في الرأي لم يكن له أن يحسم. وإنما يأتي الإرباك في هذه المسألة من الغموض الذي يكتنف كثيرًا مما يجب أن يكون واضحًا أو مكشوفًا، ومن الاختلاط في كثير من أوراقها، والتداخل في عناصرها، وتناقض مواقف الأطراف المعنية، وتعارض مصالحهم، فضلاً عن عدم امتلاك الثوار رؤية واحدة تجمعهم، ومعايير يحتكمون إليها.

ولن يتسنى الحكم السليم على المسألة من دون تجلية هذا الغموض، وفضّ الاشتباك بين ما اختلط من أوراق، وتداخل من قضايا. وستحاول هذه المقالة أن تناقش المسألة من عدة زوايا، وأن تبين الإشكالات الخفية والناصعة التي تواجه من يتصدر للقرار، بل كل من يحاول يتبنى أو يدعم وجهة نظر معينة، مع تجلية العواقب المتوقعة، للخيارات المحتملة والسيناريوهات التي يرسمها اللاعبون.

ولا بد للقارئ من أن يتحلى بالصبر وببعد النظر ليتسنى له تحصيل الفائدة مما يقال بعيدًا عن تلمس إسقاطاته على جهة بعينها، فليس الهدف هو التصنيف، وإنما إرساء مبادئ عامة ومعايير يحتكم إليها بغض النظر عن الجهة التي تتبناها.

من هو الحليف؟
ترتب على تحديد هوية الحليف الانقسام الأساسي في مواقف الثوار من مسألة المنطقة العازلة؛ فالثوار بمختلف اتجاهاتهم وفي أساس مواقفهم لا يرون بأسًا في التحالف مع الحكومة التركية المسلمة، أو مع تركية الدولة الصديقة للثورة السورية التي تم اختبارها في مراحل سابقة من الثورة.

في حين أن أكثر الثوار يرون في أمريكة دولة كافرة معادية، تحارب الإسلام والمسلمين، وتحارب الثورة السورية على حد سواء. ويدركون خطر الدخول في تحالف بأي شكل من الأشكال مع الدولة الأمريكية أو مع تحالف دولي تقوده أمريكة.

دخول تركية في تحالف مع أمريكة من أجل تحقيق مصلحة مشتركة للأتراك وللثورة السورية هو ما خلط الأوراق وأربك الثوار وأدخلهم في حيرة وعدم قدرة على الحكم والتمييز. فمشروع المنطقة العازلة جاء بمبادرة تركية تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده أمريكة، فاختلف الثوار في ذلك ما بين مؤيد ومعارض:

من عارض المشروع رأى أن أمريكة ستدخل عبر البوابة التركية إلى الأراضي المحررة، وستستغل نفوذها وقوتها للتدخل المباشر وتحقيق خططها التي عجزت عن تحقيقها سابقًا. أما تركية فعلى الرغم من دعمها الذي لا ينكر للثورة السورية، فإنها في هذا المشروع تهتم بأمنها القومي بالدرجة الأولى، كما أنها لم تقدم للثوار ضمانات كافية للثوار فيما يتعلق بخطر اللتدخل الأمريكي، بل حاولت فرض إرادتها عليهم وتهديد من يعارض المشروع، كما فرضت إجراءات تصب في صالح التدخل الخارجي في النهاية، عندما استبعدت الفصائل الإسلامية من المنطقة العازلة.

أما من أيّد المشروع التركي من الثوار فهم فئتان:
– الفئة الأولى: تعتقد بأن أمريكة دولة معادية للثورة السورية ويجب مقاومتها، كما تستشعر خطر التدخل الأمريكي في المنطقة العازلة، وما في الدخول في التحالف الدولي من محاذير شرعية وسياسية. ولكنها في مقابل ذلك تتبنى مشروع المنطقة العازلة ثقةً بالحكومة التركية واعتمادًا على التحالف معها، وعلى ما لها من ثقل عسكريًا ودبلوماسيًا، وإيمانًا بما في هذا المشروع من مصلحة للثورة. هذه الفئة وجدت أن تحالفها مع تركية أدخلها مرغمة في حلف ضمني مع التحالف الدولي، فحاولت تبرير هذا الأمر بأنها تستخدم التقية السياسية لمقاومة أمريكة، وتتحالف معها اضطرارًا في الظاهر، وتعمل على تقويض مشروعها في الباطن. ولن تكون المقاومة مجدية ولن تتكلل هذه النوايا الطيبة بالنجاح من دون خطة محكمة تقوم على وعي بالأمور ومآلاتها، وعمل جاد للسيطرة على مفاصل السيطرة والتحكم.

– الفئة الثانية: تنطلق من مبدأ عدم استعداء أمريكة، اعتقادًا بقوة أمريكة وهيمنتها وعدم القدرة على مقاومتها، متجاهلة أن أمريكة تعادي الثورة والثوار فعلاً وأنها لا تحتاج إلى استعداء. مشكلة هذه الفئة أنها تتبنى عقيدة انهزامية، وحتى لو آمنت بوجوب مقاومة الهيمنة الأمريكية فإنها لا تمتلك إرادة المقاومة لتلك الهيمنة. وهذه الفئة لا يمكن الاعتماد عليها ولا الوثوق بها، وستكون مطية للأعداء وورقة في أيديهم أرادت ذلك أم لم ترد. كما أنها تخضع خضوعًا أعمى للإملاءات التركية وغير التركية، بل لكل من يلوح بترغيب أو ترهيب.

ظاهرة التواكل المطلق على الحكومة التركية، والثقة المطلقة بها في مشروع المنطقة العازلة من دون مراجعة ولا تبين كاف، ومن دون شروط أو الحصول على ضمانات كافية، والخضوع لإملاءاتها وأوامرها، ظاهرة كشفت عنها المنطقة العازلة وسيكون لها عواقب غير محمودة. فاعتبار الثقة غير كاف وحده لاتخاذ قرار في هذه المسألة، لأن الحكومة التركية قد تخطئ، وقد تنظر للمصلحة من زاوية أمنها القومي فقط، وتغفل عن مصالح حلفائها، لا سيما أنها تتعرض لضغط وتهديد، وتتصرف تحت إملاء رد الفعل، ولا سيما أن للمسألة تبعات وعواقب خطيرة لا يمكن التهاون بها. لن يكون الثوار بهذه العقلية حلفاء موثوقين، بل سيكونون مجرد أتباع مرتهنين للأقوى.

تجسد الاضطراب في الرؤية، والتخبط في مواقف بعض الثوار في البيانات التي صدرت عنهم فيما يتعلق بالتبرير الشرعي لمسألة المنطقة العازلة وحكم الدخول في التحالف، فاعتمدت في ذلك على فتاوى عامة بجواز الاستعانة على البغاة بالكافر من دون تفصيل أو إسقاط دقيق للفتوى على واقع الحال، والتحقق من موافقتها له.

حاولت تلك الفتاوى أن توجد المبرر الشرعي للتحالف مع الكافر، متورطة في أحد أمرين: تكفير الحكومة التركية، وهذا ما لا تريده حتمًا. أو البحث عن مبرر شرعي للدخول في التحالف الدولي الذي تقوده أمريكة.

إذا لم يكن المقصود بتلك الفتوى التمهيد لتنازلات قادمة، فيمكننا أن نحسن الظن وأن نعتبر تلك الفتوى خطأ غير مقصود، وأنها صدرت عن اعتقاد خاطئ بأن قبول الثوار التحالف مع تركية يدخلهم اضطرارًا في التحالف الدولي. وهذا غير صحيح، فالثوار يمتلكون القدرة السياسية لعزل موقفهم من الحكومة التركية عن موقفهم من التحالف الدولي الذي تدخل فيه تركية، وهم بذلك لا يحتاجون إلى مبررات شرعية لجواز التحالف مع الكافر أو الاستعانة به.

بدلاً من الرضوخ لما بدا أمرًا واقعًا، والخضوع لتضليل السياسة الدولية، كان على الثوار أن يفكّكوا هذا التحالف وأن يحددوا موقفهم من مكوناته، والأطراف التي يرون أنهم يقبلون التحالف معها. وكان يكفيهم أن يذكروا أنهم إنما يتحالفون مع الحكومة التركية المسلمة ويستعينون بها لقتال البغاة، لا سيما أن تركية تحركت لفرض المنطقة العازلة بمبادرة ذاتية ومن دون تدخل دولي في البداية. وهذا يغنيهم عن التورط في فتوى مشبوهة تجعلهم على عتبات الانبطاح المجاني أمام الهيمنة الدولية، وإعلان الرضا الضمني أو العلني بالتدخل الخارجي، وهو ما يخالف مبادئ الثورة الأساسية، ويتهدد مصير الثورة بعواقب وخيمة. فقد تبنى الثوار منذ بداية الثورة موقفًا معارضًا للتدخل الخارجي، لأنهم أيقنوا أن التدخل الخارجي يعني استبدال نظام عميل بنظام عميل آخر، وما الثورة الليبية منهم ببعيد.

قوة الموقف السياسي هو القدرة على فرز الأطراف اللاعبة وتمييز العدو من الصديق، وتفكيك أي حلف يحاول أن يخلط الأوراق لتمرير مشاريع معادية، وإجباره على كشف أوراقه والجهر بعداوته. وعلى كل حال فإن قبل الثوار المهادنة فإن أمريكة لن تقبل!

التورط في تبني موقف واحد من التحالف الدولي، وبناء الموقف الشرعي على أساس جواز الاستعانة بالكافر، ساعد تنظيم الدولة على اكتساب المبررات الكافية لحشد جنوده لقتال الثوار على جبهة حلب الشمالية، وقد كان كثير من عناصر التنظيم يرفضون قبل ذلك المشاركة في المواجهات مع الثوار خشية التورط في دماء مسلمين ـ وهذه معلومات مؤكدة من داخل التنظيم ـ ولا سيما بعدما رأوه من مواقف مريبة صدرت عن التنظيم في الفترة الأخيرة.

من هو العدو؟ وأين تكمن المصلحة؟
دائمًا، تحديد هوية العدو هو العنصر الأساسي الذي يساعد في توضيح الرؤية وامتلاك موقف صحيح. ففي مشروع المنطقة العازلة يتداخل الأعداء بالحلفاء، وهذا ما فرض الضبابية في الرؤية، والاضطراب في المواقف. وعند تصنيف الأعداء وتمييزهم من الحلفاء الحقيقيين، يمكن حينها تحديد الوجهة تحديدًا سليمًا تقاس على أساسه المصالح والمفاسد.

تركية:
تركية الدولة الصديقة للثورة السورية، على الرغم من وقوفها إلى جانب الشعب السوري في ثورته، فإنها كانت ترفض التدخل العسكري لأي سبب من الأسباب، مع أن أعداءها حرصوا على توريطها في المستنقع السوري عبر محاولات كثيرة.

فما الذي حركها اليوم؟ وجدت تركية في مشروع الدولة الكردية على حدودها تهديدًا خطيرًا لأمنها القومي، وهو مبرر كاف يضمن لها التأييد الداخلي لأي تدخل عسكري في سورية، وهو ما لم يكن متاحًا في الفترة السابقة.

إذن عدو تركية هو وحدات الحماية الكردية، وداعش مجرد ذريعة دولية وورقة تلعب بها تركية كما يلعب بها بقية الأطراف الدوليين. فلم يسبق حصول صدام بين الطرفين، ولم يشكل تنظيم الدولة تهديدًا لتركية ولأمنها قبل الآن.

تحاول تركية من خلال مشروع المنطقة العازلة أن تدق إسفينًا بين المناطق الكردية على حدودها، وأن تمنع التقاءها وتشكيل دولة كردية معادية لها على حدودها.

لا تستطيع الحكومة التركية الاعتماد على الجيش التركي في عمليات برية، لأنها لا تضمن قيادات هذا الجيش، ولذلك وجدت في ثوار سورية القوة البرية التي تعتمد عليها في تحرير المنطقة العازلة من وحدات الحماية الكردية وتنظيم الدولة، وستعمل على ضمان ولاء هذه المنطقة لها بعد التحرير عبر حلفائها من الثوار أو عبر من تجندهم من أهل المنطقة.

ستقدم تركية للثوار الدعم الجوي في عمليات تحرير المنطقة العازلة، والرهان على هذه الضربات هل تكون فعّالة فعلاً؟ وهل تركية جادة في استهداف تنظيم الدولة جديتها في استهداف مواقع الوحدات الكردية؟ نتائج العمليات الأخيرة على الأرض أثبتت غير ذلك!

الثوار:
يجد الثوار في مشروع المنطقة العازلة فرصة قد لا تتكرر للحصول على دعم جوي في قتال داعش، ولتوفير منطقة آمنة تشجع النازحين على العودة، وتكون أساسًا لبنية اقتصادية مريحة تشجع التجار على الاستثمار في الداخل، ولا سيما إذا تكللت هذه المساعي باستعادة آبار النفط من داعش.

يمثل تنظيم الدولة إلى جانب نظام الأسد أحد عدوين أساسيين للثورة السورية، ولأن أمريكة لم توافق على أن يغطي الدعم الجوي التركي المواجهات مع النظام السوري، لم تدخل حلب ضمن المنطقة الآمنة.

ويمثل هذا الأمر مخاطرة كبيرة من الناحية العسكرية، إذ يعني أن يفتح الثوار معركة مؤجلة على جبهتين مع تنظيم الدولة ووحدات الحماية الكردية، على حساب معركة قائمة مع جيش الأسد في جبهات حلب! ما يعني كذلك أن يتركوا ظهورهم مكشوفة وهم يتوغلون شرقًا باتجاه عدوين شرسين يصنفان على أنهما عملاء لنظام الأسد!!

كما أنه يمثل من الجانب السياسي تنازلاً من قبل الأتراك والثوار اللذين كانا يشترطان استهداف تنظيم الدولة والأسد كليهما، وسيكون لهذا التنازل انعكاس خطير وتبعات سلبية على معارك الثوار مع النظام السوري.

ولهذا فإنه سيكون مغامرة خطيرة جدًا، واختلالاً في ميزان قوى الثوار، وفي انتشارهم أن يتورطوا في مواجهات مع تنظيم الدولة، من دون ضمان دعم مواز في جبهات الثوار مع نظام الأسد في حلب!!

يستشعر الثوار خطر داعش الذي يهددهم ويمكن أن ينقض عليهم في أية لحظة، وإنهم إذ يندفعون إلى القبول بمشروع المنطقة العازلة تحت إغراء التخلص من تهديد تنظيم الدولة الدائم، يظنون واهمين أن الدعم الجوي سيضمن لهم معارك سهلة وسريعة مع داعش، بيد أن المواجهات الميدانية التي خاضوها خلال الأيام القليلة الماضية في ريف حلب الشمالي مع التنظيم كشفت لهم شراسة المعركة، وخطورتها، وعدم نجاعة الدعم الجوي، لقد أعادتهم من أحلامهم الوردية إلى الواقع وأثبتت لهم أن مشروع المنطقة العازلة لم يكن فرصة كما كانوا يتوقعون!

وراء ذلك كله تقف أمريكة تحاول الإمساك بكل الخيوط، تضع كل ثقلها وتحرك دُماها لإجهاض الثورة السورية، وإسقاط الحكومة التركية.

أمريكة:
ينبغي الاعتقاد يقينًا بأن العدو الأساسي لأمريكة في هذه المنطقة هم الأتراك والثوار، أما داعش فهم مجرد ذريعة، ووحدات الحماية الكردية أصدقاء، ونظام الأسد خادم مطيع.

منذ بداية الثورة السورية عمدت بعض الدول المعادية لتركية إلى ضرب استقرارها وتوريطها في الحرب السورية، بهدف إسقاط حكومة العدالة والتنمية التي حرصت على ضبط النفس وعدم التورط في الشأن السوري. وقد جاءت خطة الدولة الكردية على حدود تركية الجنوبية بجهود استخباراتية دولية، ودعم أمريكي مباشر لوحدات الحماية الكردية، من أجل وضع تركية بين نارين: جرها إلى التدخل المباشر في الشأن السوري، أو القبول بدولتين معاديتين؛ كردية وعلوية على حدودها الجنوبية. وبالتالي قطع طرق إمداد الثورة السورية.

ولذلك فإنه لا يمكن تصور قبول أمريكة بالمنطقة العازلة إلا على سبيل تخريب المشروع أو استغلاله لتحقيق مصالحها المهددة لتركية وللثورة السورية. ومن يتخيل أن بإمكانه مهادنة أمريكة وتجنب عداوتها فهو واهم، أما من يعي حقيقة الصراع، ويرغب في أن يدخل في صراع مباشر أو غير مباشر مع أمريكة، فعليه أن يمتلك إرادة المقاومة أولاً، وأن يعمل جادًا للسيطرة على مفاصل القوة المتاحة له لمقاومة مشاريع أمريكة وخططها العدوانية ثانيًا.

عرفت أمريكة بعزم تركية على فرض منطقة عازلة منفردة، فسعت لابتزاز تركية تحت ضغط إحساسها بالخطر من أجل تحصيل مكاسب مجانية، ومن دون أي تغيير ملحوظ في مواقف أمريكة المعلنة، فحصلت على قاعدة إنجرليك التركية، وألزمت تركية باستبعاد الفصائل الإسلامية، من دون أن توافق على أن تشمل الخطة المواجهات مع الأسد، ومن دون أن تغير موقفها المائع من وحدات الحماية الكردية!!

في عينة بسيطة لما نتج عن الاتفاقية التركية الأمريكية في شأن المنطقة العازلة، حرك التحالف طائراته من قاعدة إنجرليك لضرب جيش الفتح في إدلب، بهدف إثارة رأي عام تركي معارض للاتفاقية، وكذلك من أجل زعزعة الثقة فيما بين الثوار والحكومة التركية التي سمحت لطائرات التحالف باستهدافهم من أراضيها، وبالتالي تفكيك مشروع المنطقة العازلة وإفشاله.

في المقابل، ولأن أمريكة ليست جادة في استهداف تنظيم الدولة، ولأن تركية لا تعتبر تنظيم الدولة عدوًا مباشرًا لها لأسباب كثيرة ليس من المفيد ذكرها، لم يجد الثوار من طيران التحالف الدعم الجوي الكافي في مواجهاتهم التي خاضوها مع التنظيم بعد اتفاق المنطقة العازلة، فالضربات لم تكن بدقة ولا تأثير الضربات التي ساندت وحدات الحماية الكردية، ولا بدقة الضربات التي وجهت إلى جيش الفتح في إدلب!! وبدلاً من أن يحرر الثوار المنطقة العازلة من التنظيم، صار التنظيم على أبواب مدينة مارع بوابة ريف حلب الشمالي! وقد تزامنت تلك المعارك وكما هو متوقع مع محاولات تقدم لجيش الأسد على جبهات مدينة حلب البعيدة، في سيف الدولة وصلاح الدين!

أمريكة التي لن تكف عن المناورة لتقويض مشروع المنطقة العازلة وابتزاز تركية به، تعلن على لسان وزير خارجيتها أن لا وجود لمنطقة عازلة أو “آمنة”! حلف لا ضمانات له، تبعاته أسوأ من مكاسبه. وإذا كانت أمريكة في حلّ من أية اتفاقية تبرمها، فأولى بالثوار أن يكونوا هم في حلّ من أي التزام لم يبرموه مع أمريكة وتحالفها، ويحاول بعض عرابيها أن يقنعوهم بأنه لا خيار لهم إلا الالتزام والخضوع!

حتى فيما لو نجحت تركية في فرض المنطقة العازلة، وتخطت كل محاولات التفشيل، فسيكون الرهان على من يستطيع أن يفرض هيمنته على المنطقة العازلة، هل هي تركية وحلفاؤها، أم أمريكة وأذنابها؟!

الرابحون والخاسرون:
حاولت أمريكة منذ بداية الثورة السورية أن تستنسخ نموذج حفتر في سورية، فعملت على تشكيل ودعم فصائل عسكرية موالية لها قادة على فرض حكومة عميلة بقوة السلاح، وذلك تحت غطاء تدريب المعارضة المعتدلة، وقد فشل هذا المشروع مرارًا، قبل أن يكتمل.

المنطقة العازلة تحمل لأمريكة فرصة مواتية لتنفيذ هذا المخطط في حال تم الاتفاق مع تركية على السماح للقوات المعتدلة التي تتولى أمريكة تدريبها، بالدخول والمشاركة بحجة مواجهة داعش، بعد التأكد من استبعاد الفصائل الإسلامية من المنطقة، وبالاعتماد على الائتلاف ليكون جهة سياسية شرعية تعلن المنطقة منطقة حكم ذاتي تحت سيادتها، ومعلوم ولاءات الائتلاف والنفوذ الدولي فيه.
نجاح أمريكة في هذا المخطط يعني تقويض المساعي التركية لحماية أمنها القومي، كما يعني ضربة خطيرة للثورة السورية وتهديدًا لمصيرها.

فالدولة التركية ستجد على حدودها، بالإضافة إلى الطرفين الكردي والعلوي المعاديين، حكومة سورية موالية لأمريكة، وللدول المعادية لتركية. يبدو أن تركية تلتفت إلى هذا الخطر وتأخذه بعين الاعتبار، وأنها تحاول أن تؤسس قوى عسكرية وسياسية موالية لها في المنطقة؛ من الثوار ومن غيرهم. ولكن لا ندري مدى قدرة تركية على مقاومة الضغوط الأمريكية الرامية لفرض قوات عسكرية موالية لها في المنطقة، كما لا ندري قدرتها على تحقيق إصلاحات جذرية في الائتلاف السوري تطهره من التبعية والعمالة للدول العظمى ليكون الخيار السياسي الذي يعتمد عليه؟! ولا ندري أساسًا لمَ ينبغي أن يكون الخيار هو هذا الائتلاف ضرورة وليس حكومة ثورية مؤسسة في الداخل؟!

أما الثورة السورية فيجب عليها أن تستعد لعدة سيناريوهات خطرة ستترتب على مقدمات خاطئة:
قام مشروع المنطقة العازلة على مبدأ خطير حاولت تركية فرضه على الثورة السورية مسايرةً للمجتمع الدولي ومهادنة له، وذلك بفرز فصائل الثوار إلى فصائل إسلامية وغير إسلامية، أو فصائل إسلامية وجيش حر! وهي بادرة خطيرة ستعزز واقع الفرقة، وتشتت قدرات الثوار، وتنفرد بكل خط على حدة لاستنزافه أو ضرب بعضه ببعض.

أية حكومة تنشأ في تلك المنطقة، وسواء كانت موالية لتركية أو لأمريكة، تقوم على أساس استبعاد الفصائل الإسلامية، ستؤدي إلى تكريس واقع جديد للتقسيم، إذ إنها ستشجع الفصائل الإسلامية على تأسيس حكومة وسط إسلامية، وقد ينتج عن هذا الواقع، وما يصاحبه عادة من طموحات للسيطرة، صدامات مستقبلية بين حكومتين تتنازعان الشرعية.

إعلان الحكم الذاتي في المنطقة العازلة قد يحرض الحكومة الأردنية على إعلان منطقة “آمنة” تابعة لها في الجنوب، وذات حكم ذاتي، وسيزيد ذلك فرص التنازع والصراع، وفرض واقع التقسيم.

عدم قدرة الحكومة التركية والثوار على ضبط مسألة السيطرة والتحكم في المنطقة العازلة، سيسمح لأمريكة بأن تقيم دولة “حفتر” في المنطقة، وتضمن لها الشرعية والاعتراف. أما الثوار الذين وجدوا في المنطقة العازلة فرصة لمنازعة الأسد في شرعيته، فسيكون عليهم أن يقبلوا أن يكونوا عملاء لأمريكة، أو أن تنازعهم الشرعية حكومة وليدة عميلة لأمريكة ومدعومة من قبلها!!
فالمنطقة العازلة ليست ذلك الحلم الوردي يتحقق للسوريين كما حلا لبعض الثوار أن يصورها، وهي تحمل الكثير من المخاطر والتهديدات، وتمهد لسيناريوهات غير محمودة قد يتعلق عليها مصير الثورة السورية. ولذلك فليس أمام الثوار إلا أن يعيدوا مراجعة خطة المنطقة العازلة مع الحكومة التركية، ويناقشوا معها الشروط والضمانات التي يحتاجونها لبناء تحالف حقيقي مع تركية، يقوم على المصالح المشتركة، والمصير المشترك، لا على الإملاءات والتبعية العمياء، وذلك يتضمن ما يلي:
ضمان دعم جوي حقيقي ومؤثر في معارك تحرير المنطقة العازلة.
ألا تكون تلك العملية على حساب الجبهات مع الأسد، أو ضمان أن تشمل العملية الجبهات مع الأسد في مدينة حلب.
عدم استبعاد الفصائل الإسلامية، أو إيجاد صيغة يتفق عليها لعدم استبعادها عمليًا.
ضمان عدم التدخل الأجبني، وعدم السماح باستغلال المنطقة لإدخال قوات برية أو تمكين كتلة سياسية موالية للقوى العظمى.
الثوار يتحالفون مع تركية، ولا يلزمون بالوقوع تحت بنود أي حلف تدخله تركية أو اتفاقية تعقدها مع طرف ثالث، ولا تقع عليهم أية التزامات إلا باتفاق مسبق بين الطرفين.
ضمان التفاهم بين الأتراك والثوار فيما يتعلق بإدارة المنطقة العازلة، وألا تفرض عليهم أية صيغة سياسية لا يقبل بها الطرفان، أو تتسبب بخلاف أو صدامات بين الثوار.
إذن، فمشروع المنطقة العازلة لا يمكن الإجابة عنه ـ كما يتوقع بعض القراء ـ بكلمة واحدة: حلال أو حرام، صحيح أو خاطئ.. لأنه موضوع تتداخل فيه اعتبارات كثيرة، ويختلف الحكم باختلافها، وتتغير النتائج بتغير المقدمات، وسيكون الجواب الصحيح: هذا حلال إذا..، وحرام في حال..، وسيكون خاطئًا فيما لو.. وصحيحًا حين كذا… وهذه المتغيرات يجب أن تحكمها مبادئ أسياسية الالتزام بها هو الضامن الحقيقي للوعي السليم بالواقع، والحكم الصحيح عليه.

إستراتيجية المقاومة:
عقيدة المقاومة: ما يجري في سورية لا يمثل حربًا مع نظام الأسد، لو كان الأمر كذلك لحسمت الحرب من زمن، ولكنها حرب مع قوى عظمى تحمي أحد وكلائها في المنطقة إلى أن يتاح لها تأمين وكيل جديد قادر على إبقاء المنطقة خاضعة لهيمنتها، وضامنة لمصالحها.

يحاول كثيرون إنكار هذه الحقيقة أو إغفالها اعتقادًا منهم بعدم القدرة على مقاومة هذه القوى العظمى، وعدم جدوى هذه المقاومة! والواقع أن هذه العقيدة الانهزامية هي مصدر قوة الدول العظمى، وهي السبب الأساسي لاستمرار الهيمنة.
كل ما سبق لا قيمة له، ولن يكون ذا جدوى إذا لم تتسلح الشعوب الضعيفة بإرادة المقاومة، وتتبنى عقيدة المقاومة إستراتيجيةً تعتمدها في نضالها لتحقيق أهدافها، وأن تعتقد بإمكان المقاومة وجدواها، مهما كانت وسائلها، سواء كانت مباشرة، أو غير مباشرة.. لا فرق، المهم هو عدم الاستسلام لوهم التفوق، ونزع القناعة باستحالة المقاومة، وأن العدو قوة عظمى لا تقهر وإرادته لا ترد!! إن امتلاك إرادة المقاومة هو ما يسمح للثوار بالمناورة، ويمنحهم الفرصة للتصدي لمحاولات فرض بديل عميل.
ويجب أن تستند خطة المقاومة المباشرة وغير المباشرة إلى أمرين:
نفوس مقاوِمة غير منهزمة، وتمتلك الإيمان بالقدرة على المقاومة، والثبات على المبدأ، ويمكن الوثوق بها، والاعتماد عليها.

قدرة على التحكم عن طريق العمل على السيطرة على مفاصل القوة، المادية والمعنوية، السلاح والأرض والرجال ومواقع القيادة والاقتصاد والإعلام..

ينبهر كثير من الثوار بأردوغان وحكومته، ويحاولون تقليده، وهم يجهلون أن قوة أردوغان وحزبه هي في امتلاك عقيدة المقاومة، ولو قلّد هؤلاء الثوار أردوغان في عقيدة المقاومة بدلاً من القشور التي يساير فيها ولا يتبناها لكان حالنا غير هذا الحال.

الابتزاز بالأمان: بعض الفصائل أعمتها وعود الأمان في المنطقة العازلة فلم تعد ترى فيها غيره، وتجاهلت كل المخاطر المحتملة، والتهديدات المتوقعة التي تطال القضية عمومًا في سبيل وعود أمان غير مضمونة.

تقديم قيمة الأمان على القضية العادلة نفسه، أو جعله أولوية على حساب المبدأ، ظاهرة مستجدة في الثورة السورية بدأت تتغلب تحت شعارات الرفق بالأمة، واحتضان الشعب. وعلى ما في هذه الشعارات من إحساس بهمّ الناس، ووجع المستضعفين، وعدم استهانة بدماء الأبرياء، فإنها الثقافة التي حاولت الأنظمة العربية مع بداية الثورات أن تكرسها وتروج لها، ثقافة أن الشعوب تهتم لأمنها قبل كل شيء. كما أنها من ناحية شرعية ثقافة غير صحية، عبّر عنها الكتاب والسنة، وذمّاها في أكثر من موضع، فحين وصف الله تعالى بني إسرائيل قال فيهم: “ولتجدنهم أحرص الناس على حياةً”، عندما تكون الحياة، أية حياة، مهما كانت صفتها، ومهما كان حالها هي هدف الأمة وغايتها، فإنها ستذلّ وتهان وتستعبد “ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن،.. حبّ الدنيا وكراهية الموت” كما جاء في الحديث الحسن. فالأمة التي تكره الموت لا تقبل التضحية، والتضحية أساس كل إنجاز أو استحقاق لتأييد رباني، “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”.

نعم، من واجب الثوار العمل على تأمين مناطق آمنة يحتمي بها المستضعفون، ولكن ليس على حساب القضية التي هُدّد من أجلها هؤلاء في أنفسهم وأرزاقهم، وليس على حساب آمال وتطلعات ضحى كثير لأجلها بدمائهم، ولو كان إيثار الأمان صحيحًا، لكان رسول الله عليه الصلاة والسلام تنازل لقريش ما شاؤوا مقابل إنقاذ قومه من الهلاك حصارًا وجوعًا في الشعب. ولكنه لم يفعل فالإسلام يقدم حفظ الدين على حفظ النفس.

التهديد الذي تواجهه الأمة الإسلامية اليوم في كل مكان، وفي ساحة الشام على التحديد، هو تهديد وجود تغدو فيه قضية الأمن ثانوية جدًا على الرغم من أهميتها، فالعدو يتخذ من الإبادة والقتل الممنهج خطة للإخضاع وكسر الإرادة، وقد فعل ذلك في العراق والصومال.. ولأجل ذلك يسمح للأسد بارتكاب المجازر تلو المجازر. ولا يمكن مقاومة هذه الإستراتيجية بالتهافت على وعود الأمن، وجعله أولوية.

خيارات الحكومة التركية: خطر الدولة الكردية أجبر الحكومة التركية على الخروج من عزلتها عن الشأن السوري ونأيها بالنفس إيثارًا لاستقرارها الداخلي، وفرض عليها مصيرًا مشتركًا مع الثورة السورية، جعلهما في خط دفاع واحد. فقد كشفت لهما الأحداث أن العدو لا يفرق بين أهل السنة مهما اختلفت مشاربهم، وأنه يشن حربه عليهم تحت مسمى “أمة واحدة” شاؤوا أم أبوا، اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا.

في المقابل، على أهل السنة أن يخوضوا تلك الحرب مجتمعين متحدي القوى، فعاصفة الحزم وما مثلته من حالة فريدة للتكتل السني، دقت ناقوس الخطر لدى الأعداء، وتحرك الضباغ للقضاء على هذا التحالف وتفكيكه وعدم السماح له بالاستمرار، وقد جاءت الدولة الكردية حلقة أولى في خطة التفكيك تلك إشغالاً لتركية بنفسها، أما بقية دول الخليج فيمكن إشغالها بالهجمات الإرهابية الداخلية.
على تركية أن تعي دخولها هذه المرحلة من مراحل الصراع، وأنها لن تنجح في خوضه إلا بالاعتماد على ثوار الشام، فعدوهم واحد ومصيرهم واحد. أما تفكيرها بأن تخوض هذا الصراع على أساس الاستفادة من الثوار لتأمين حدودها وضمان أمنها القومي، بمزيد من السواتر الإسمنتية فستكون له عواقف وخيمة، لأن الحكومة التركية لن تحقق الاستقرار الداخلي، وستزداد النيران في الاشتعال، وستخوض حربًا داخلية يتم الإعداد لها، وعليها من الآن أن تعد لمواجهتها جيدًا، ليس بالاعتماد على منطقة عازلة، بل بخطة إستراتيجية تنحو نحو تفكيك أذناب الاستعمار في المنطقة، وتوسيع خطة المقاومة لتشمل دول المحور السني، ومناطق الثورات المجاورة؛ سورية، والعراق.

اللهم اهدنا رشدنا، وأيدنا بتوفيقك ونصرك، وافتح علينا إنك خير الفاتحين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *