علماء الدين الإسلامي بين فضلهم في العطاء وبين تقصير المجتمع في حقهم

علماء الدين الإسلامي بين فضلهم في العطاء وبين تقصير المجتمع في حقهم

علماء الدين الإسلامي
بين فضلهم في العطاء
وبين تقصير المجتمع في حقهم

بقلم: د. وائل عبد الرحمن حبنكة الميداني

هل تعرفُ أمّةٌ من الأمم رجالاً تفرّغوا لتعليم الناس وتثقيفهم وتوجيههم والأخذ بأيديهم إلى شواطئ الخير كعلماءِ الدين الإسلامي بدافعٍ أخلاقيٍّ دينيٍّ إنسانيٍّ دون غايةٍ ماديّةٍ مرجوّةٍ أو منفعةٍ شخصيّةٍ مُرتَقَبة؟!
وأعني هنا: علماءَ الدين الحقيقيين والذين شرُفَ المجتمعُ بهم، ونهضَ على أكتافهم

هل تعرفُ أمّة من الأمم رجالاً ينذرون حياتَهم لخدمة غيرهم بالتعليم والرعاية والاهتمام دون مقابل كعلماءِ الدين الإسلامي؟!

يُمضي الشيخُ عقوداً عديدةً من سنوات عمره وهو يقدّم علْمَهُ وحبَّه وخبرتَه، بشكلٍ يومي صباحاً ومساء وهو يستقبل الطلاب من كافة الأعمار والمستويات، ويدرّسهم ويفقهَّهم، وينصحهم ويصنع منهم رجالاً صالحين، ناهيك عمّا يبذله في حلّ مشاكلهم ومساعدتهم في تخطّي همومهم، فاتحاً بيته مدرسةً خيريّةً يدخلها كلُّ راغبٍ بالتعلم.

واذا نظرتَ إلى أحوال هذا الشيخ تجد أنّ بيته بالكاد يتَّسعُ إلى أسرته، وليس لديه من المال ما يكفيه إلّا قوت يومه، ومع ذلك فهو يسخّر غرفة الضيوف التي في بيته لاستقبال طلابه (وهذا يكون على حساب راحة أهله) كما أنّه يُقدّم الضيافةَ لطلابه على قدر إمكانياته ما بين كأس من الشاي مع الكعك، أو صحن فواكه أو كؤساً من الحليب، وهذه نفقاتٌ يوميّة تتكرّر عدّة مرات في اليوم على حسب عدد الدروس التي يعطيها لقاصديه، ورغم بساطة هذه الضيافة إلّا أنها بتكرارها اليومي على مدى سنوات، وبوضع الشيخ المادي تُعتبر نفقاتٍ كبيرةٍ تكون على حساب حاجات أهل بيته، ومن الغريب أن الذين يحضرون دروس الشيخ فيهم التاجر الثريّ والصناعيُّ المهيب، وفيهم من كل طبقات المجتمع، ولعلَّ حالُ أقلّهم مالاً أغنى من الشيخ بدرجات، وجميعهم يتلقون العلوم دون أن يتكلّفوا قرشاً واحداً

بعد كلّ هذا يأتيكَ سفيهٌ مُتّكئٌ على أريكةٍ تقطرُ خُبثاً، وتفوح منها رائحةٌ المعاصي واللؤم والأنانيّة والجشع ليطعن بالشيخ ويسخر منه ويحطَّ من قدره ويتصيَّدَ بعض أخطائه التي لا تنجو منها الطبيعة البشريّة التي فطرنا عليها، ولو بحثتَ في صفحات حياة هذا السفيه لوجدته لم يقدّم يوما من الأيام عملاً دون مقابل، ولا يعرف باباً من أبواب الخير ! ولو حاولتَ أن تضعه تحت واجب المسؤولية يقول لك: أنا رجل عادي ودوري في الحياة ليس كدور الشيخ ! بل ويقول: إنّ أجرَ الشيخ على الله وليس علينا، عذرٌ أقبح من ذنب!

والسؤال الذي يخطر ببالي هو: ألم يخطر على بال التجّار وأصحاب الثراء أن يقدّموا لرجال الدين ما يكون عوضاً لهم عمّا يبذلونه دون مقابل؟! وإذا كانوا يرون أن أجر الشيخ على الله، أليس من المروءة أن لا نسخر منهم ولا نتطاول عليهم، وأن نغفر عثراتهم؟!

هل يعلم مجتمعنا الإسلامي أنّ رجال الدين المسيحي يعيشون ثراءً يفوق ثراء تجارهم؟!

وهل يعلم مجتمعنا الإسلامي أنَّ رجال الدين الشيعي يأخذون الخُمسَ من كافة الشيعة وبالتالي فإنَّ رجالَ الدين الشيعي يعيشون في ثراءٍ لا نظير له؟!

هل يعلم مجتمعنا الإسلامي أنَّ الحاخامات في الدين اليهودي لديهم حساباتٌ مفتوحة في البنوك يصرفون منها دونَ قيدٍ أو شرط؟!

في مجتمعنا الإسلامي يأتي التاجرُ والثري إلى بيت الشيخ ليتلقّى عنده العلمَ وينالَ البركة، ويستمدَّ نشاطه الروحيَّ والإنساني، يأتيه راكباً عربيّةً لا يحلمُ الشيخُ بامتلاكِ علّاقةِ مفاتيحها، يأتيه وفي رصيده في البنك ما يكفي أولادَ أولادِ أولاده، يأتيه من بيتٍ أو مزرعةٍ أو ڤيلةٍ تُدهش الناظرين، وهو يعلم أنَّ الشيخَ يعيش في شقّته الصغيرة مع أبنائه وبناته بمساحةٍ لا تكفي أصغرَ الأُسَر، وقد يخرج هذا التاجرُ من عند الشيخ ليغتابَه أو يتحدّثَ عنه بما لا يليق به! (وأنا هنا لا أُعمّم، ولكن أستطيع أن أقول جازما إنَّ التجارَ والأثرياء لم يُقدّموا دعماً ماديّا لعلماء الدين، يحفظ لهم الحدَّ المقبولَ من الراحة الماديّة)

يا أخي لو أنَّ الشيخَ تقاضى مبلغاً زهيداً من كلّ مَنْ علّمَه لاستطاع أن يكفيَ أهلَ بيته بما يليق بهم!

أذكُرُ أنني كنتُ أدفع للمدرّس الخاص لتعليم ابني أو ابنتي اللغةَ العربيّة أجرةَ الساعةِ الواحدة ألفَ ليرةٍ سورية، أي: ما يعادل عشرين دولارًا في ذلك الوقت!

وعلى الجانب الآخر أعرف أشخاصاً أصبحوا علماءَ في اللغة العربيّة بتلقّيهم هذا العلمَ عندَ الشيخِ على مدى عدّة سنوات دونَ أن يدفعوا قرشاً واحداً!

هل من المروءة أنَ يكون هكذا حالُ أمّتنا؟!

مقالٌ أقصد فيه وجهَ الله راجياً أن ينتبَّه الغافلون!

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين

0

تقييم المستخدمون: 4.7 ( 3 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *