أخبار عاجلة
الرئيسية / خطبة الجمعة / في الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية – الحرية بنت الحقيقة

في الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية – الحرية بنت الحقيقة

خطبة الجمعة - الحرية بنت الحقيقة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

في الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية
الحرية بنت الحقيقة

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 32 دقيقة.

التاريخ: 8/رجب/1440هـ
الموافق: 15/آذار/2019م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ دفع الظلم هو المبرر الأول للجهاد، أيا كان الظالِم.
2️⃣ الذكرى الثامنة للثورة السورية.
3️⃣ لماذا ثار الناس في سوريا.
4️⃣ مؤامراتٌ تُحاك في الظلام.
5️⃣ نشر الحقيقة والشفافية من أكبر الخدمات للأوطان.
6️⃣ خطورة تقزيم بعض المفاوضين لمشكلتنا مع النظام البعثي الأسدي المجرم.
7️⃣ ومن قال أن مشكلتنا في صياغة دستور؟!!
8️⃣ بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني
9️⃣ الطواغيت كيف يبدؤون؟ وإلى أين بِسكوت الناس ينتهون؟!
🔟 لِم التفرعن؟!

 

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كَرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين، أمّا بعد إخوة الإيمان: يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40))) [الحج]

إخوة الإيمان والعقيدة، صبيحة جمعة جديدة ونحن اليوم في اليوم الخامس عشر من شهر آذار، ونحن في يوم تُتِم فيه ثورة الشعب السوري عامها الثامن، تُتِم فيه ثورة المظلومين عامها الثامن، تتم فيه ثورة المستضعفين عامها الثامن، لا بد لنا أن تكون لنا وقفة مع انطلاقة هذه الثورة المباركة، مع سببها ومع هدفها، ومع أراده الناس منها، ومع ما يتأمله الناس في المستقبل من صبرهم ومن مصابرتهم على ما حل بهم فيها.

كلنا يتذكر -أيها السادة- ولعل الكبار فقط منّا فقط يذكرون، فقد طالت الثورة ثماني سنوات، ومعنا الآن شباب ربما كانوا لما انطلقت الثورة في العاشرة أو في الحادية عشرة من أعمارهم لم يعوا لماذا انطلقت هذه الثورة ولم يروا التضحيات التي بذلت في سبيل انطلاقها، كثير من الشباب اليوم لم يعي إلا النصف الثاني من الثورة وما دب فيها من خلاف ونزاع وشقاق وفرقة، قليل هم الشباب من طلاب المدارس اليوم من يعي أسباب الثورة، من يعي كيف ثار هذا الشعب دفعا للظلم.

قام هذا الشعب يرُدُّ الظلم والظالمين، يطالب بحريته ويطالب بكرامته قبل أن تدخل عليه أفكار المُحزَّبين، وأديولوجيات المؤدلَجين، هبَّ الشعب دفعة واحدة يطالب بالحرية فالحرية أساس التكريم الإنساني، والحرية شرطُ تمام التكليف الشرعي، فالحرية -أيها السادة- مطلب عظيم وأمر جَلل أتى به الإسلام، ورضي الله عن الصحابي رِبعِي بن عامر لما سألَه رستم قائد الفرس: “ما الذي أتى بكم إلى بلادنا؟” فقال له رضي الله عنه: “إنَّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادِه من عبادة العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد، ومن جَور الأديان إلى سَعة الإسلام”. أتى الإسلام بتحرير الشعوب من العبودية لغير الله، ليس في الإسلام طاغوت يُعظَّم، وليس في الإسلام طاغوت يُشرِّع شيئا بخلاف شرع الله.

خرج الناس مطالبين بالحرية، مطالبين بالكرامة، وقد هبت نسائم الربيع العربي على هذه البلاد بعد أن سبقتنا إليها تونس ومصر، فظن الشعب بهذا الرئيس الذي كان يترأس البلاد، ظنَّ فيه أن يكون أقلَّ إجرامًا من أبيه، ظن الناس أن هذا الذي يدَّعي بأنه طبيبٌ مثقَّف درس في أوربا سيكون أقل إجراما من أبيه الذي تحدثنا عن إجرامه في لقائنا السابق فإذا به ينطبق عليه قول القائل:

“مات في القرداحة كلبٌ     فاسترحنا من عواه

خلَّف الملعون جروًا        فاق في النبح أباه”

فإذا به لا يقل إجراما ودموية وتعصُّبا وحِقدًا على هذا الشعب المسكين الذي نهبوا خيرات بلده عشرات من السنين، واستعبدوا أبناءه عشرات من السنين، عاملوه بتعامُلٍ طائفي، عاملوه بقمعٍ مَقيت، كُنتَ تعيش وأنت تختنق، تريد أن تقول الحق فلا تجرؤ، تريد أن تتعلم الحق فلا تجرؤ، كم من الشباب زج به سنوات طويلة في السجون لأنه تصفح لكي يقرأ صفحة من صفحات الإنترنت التي تخالف وتعادي هذا النظام؟! كم من الشباب اعتُقِل سنوات طويلة لأجل كتاب ممنوع اقتناه لكي يتعلم الحق؟! كم من الشباب فوَّت عليه فرصًا في البعثات العلمية التي كانت حِكرا على المتنفِّذين والمتسلطين؟!

ظُلمٌ ثم ظلمٌ ثُمَّ ظُلم، فثار الشعب وخرج بثورة سلمية لم يرفع فيها سلاحًا؛ خرج طلاب الجامعات وكلنا يذكر جامعة حلب التي سمِّيت جامعة الثورة، جامعة حلب التي خرج طلابها يرفعون شعارات الحرية… والله إني لأذكر منهم شبابا اعتقِلوا ثم رُمِيت جثثهم أمام مشفى حلب الجامعي، وإني لأذكر شبابا، أذكر الذين رفعوا علم الثورة على مدخل الجامعة وقد هربوا بعد الملاحقة الأمنية والتحقوا بركب المجاهدين واستشهدوا يومها في معارك مطار منَّغ العسكري، رحمهم الله وتقبلهم في علِّيين…

كثيرٌ من الناس -أيُّها الأحبّة- لم يعد يتذكر تلك التضحيات، لماذا؟! لأن الثورة دخَل عليها الدَّخَن، لأن الثورة تشتت أهدافها، من هدف واحد تجمعه كلمة الحرية، حيث يُعامَل الناس بسواية أمام شرع الله وأمام القانون وأمام العدل، فتفرقت كلمتنا وتنازعنا واختلفنا ثم طغى علينا الجهل وطغت علينا الظُّلُمات…

ظلمات إخفاء الحقائق أيها الأحبة، الحرية والحقيقة صنوان لا يفترقان، بل الحرية هي بنت الحقيقة، لذلك ترى الأنظمة الطاغوتية في البلاد العربية وغير البلاد العربية تخفي عن شعوبها حقيقة ما يجري، فالطاغوت لا يثبت أركان مُلكِه إلا بأن يخفي عن الناس الحقيقة.

قام الشعب بثورة -وقد حكمنا آل الآسد أربعين عاما قبلها- فإذا بنا نكتشف كمًّا كبيرا من المعاهدات والاتفاقيات السرِّية والشراكات الاقتصادية التي بيعت فيها موارد البلاد للدول الأجنبية؛ لم يكن أحد يدري بها ولا يسمع عنها، فقمنا مطالبين بثورة لأجل الحرية والشفافية فابتُلينا بداء الظُلُماتِ في ثورتنا؛ جهلَةٌ بُسطاء تصدَّروا لهذه الثورة، تجلس معهم المخابرات الأجنبية وواحدهم لم يقرأ كتابا في السياسة، فتوهمهم بأنهم قادة، وتوهَّموا بأنهم سادة، واشتروا بأموال دعم الثورة مرتزَقةً يطبِّلون لهم، اشتروا الناس وأخذوا يُخفون الحقائق عن الناس… قال لي مرَّةً أحد الذين هُجِّروا من درعا، وقالها أحد الذين هُجِّروا من الغوطة: “كيف هُجِّرنا لا ندري؟! فجأة تنهار الجبهات، وتأتي الأوامر، وتكون الاتفاقية جاهزة، ونصعد بالباصات ونخرج”!

وأنا اقرأ عن الحقيقة، وأتحدَّث عن الحقيقة أيُّها السادة، أحببتُ أن أنقِل لكم كلامًا راقيًا لمصطفى باشا كامل إذ يقول: “سُبُل خِدمة الوطن عديدة، وإنَّ أهمها إعلان الحقيقة في كلِّ بلد وفي كلِّ زمان، فالحرِّيَّة بنت الحقيقة، وما انتشرت الحقيقة في أُمَّة إلا وارتفعت كلمتُها، وعلا شأنها، فالحقيقة نورٌ ساطع، إذا انتشر اختفى الظُلم والظُّلمَة، وانتشرت الحرِّية والعدل، فكما أن الأفراد لا تُسلبُ حقوقهم، ولا يتعدى اللصوص على أمتعتهم، إلا في ظلام الليل الحالِك، فكذلِك شأن الأمم، لا تُسلَب حقوقها، ولا يعتدي العدو على أملاكِها إلا إذا كانت الحقيقة مجهولةً فيها، وكانت هي عائشةً في الجهل والظلام”. ا.ه

عندما تعيش الأمم في الجهل والظلام، وعندما تُكمَّم أفواه المصلحين، وتطلَقُ أفواه المطبِّلين والمزمِّرين، يعيش النّاس في جهل، ويعيشون في ظُلمة، تجري الاتفاقيات السرية التي تباع بها البلاد وتشترى بها المصالح الفردية والمكاسب الشخصية ويغدوا الناس كقطيع من الأغنام يقوده راع، ولا يُلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدوّ الغنم، إذا كان الراعي عدوا للغنم ما ستكون النتيجة؟!

هذه المصيبة خرجنا بهذه الثورة ردًا لها ودفعًا لها، خرجنا مُطالبين بالحرِّية وكشف الحقائق، وإذا بنا نبتلى بها في ثورتنا أيَّها الأحبة!!

عندما نقول بأننا نريد الحرية، فلأنك بالحرية تقول للظالم يا ظلم ولا تخشى إلّا الله، بالحرية أخا الإسلام تتكافأ الناس بالفرص، بالحرية أخا الإيمان لا يُعتقَل إنسان إلا بمذكَّرةٍ قضائية معلَّلة، ولا يبقى في السجن يومًا من غير أن يكون ذلك مضبوطًا بضوابطَ قانونية… بالحرية والحقيقة لا يجرؤ أحدٌ على أن يتفق اتفاقات سرِّيّة، لا تدري على ماذا يتفق، وعلى أي شيء يريد أن يبيع هذه البلاد، لذلك فعندما نتحدث عن الحقيقة لابد أن نتذكر حديث النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عندما سأله رجل: “يا رسول الله ما البرُّ وما الإثم؟”: فأجاب روحي فداه: “البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ”. [رواه مسلم]. متى رأيت نفسك تفعل شيئا وأنت تخشى أن يظهر للعلن فاعلم أنّه إثم، واعلم أنّه خطيئة لأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يقول لك: “والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس”، فلو كان خيرًا وحقًا وشرفًا لما خشيت أن يطَّلع عليه الناس.

وهنا يسألني السائل: “أوكان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يُطلِع كُلّ المسلمين على ما يخطط له؟”
وفي هذا السؤال خلطٌ عجيب، فرقٌ كبير بين ما نخطِّط له من مشاريع وتكتيكات يعرفها شورى من المنتخبين بعناية من أهل العلم والدراية والفهم، وبين أن أتفق اتفاقات تتعلق بعمومِ الأمَّة ولا تدري بها الأمّة!! والنبي -صلّى الله عليه وسلّم- كان إذا حزَبه أمرٌ يتعلق بعمومِ المسلمين جمع أعيانهم الذين يمثلونهم جميعا من زعماء قبائلهم وعشائرهم ووجهائهم… وشاورهم فيما يريد، وهذا معروفٌ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أشهرُ من أن يُستدلَّ له.

نوع ثانٍ أيها الأحبة يكون من تعليلات من يبرر لنفسه إخفاء الحقيقة عن الناس: ألا وهو التكبر على الخلق، والنظر نظرَةَ ازدراء واحتقار إلى خلق الله، ينظر بأنّه هو وخاصّته الذين معه الأفذاذ الأفهام المطلِعون وعموم الشعب غنَمٌ ينفِّذ فقط فلا يُطلعه على شيء، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: “مَن قال هلَك الناس فهو أهلكُهُم”؛ فهو أسوأهم وأشدُّهم سوءًا وجهلا وظُلمًا بنظرته نظرة احتقارٍ لعموم الناس!!

هل تعرفون أيها الناس أن مِن السُّنّة أن يقوم إمام المسلمين بصلاة الجمعة في بلاد المسلمين، من السنة أن يخرج الخليفة ليصلي الجمعة إماما بالمسلمين، لكي يخبر الناس بآخر المستجِدات ويعِظهم بما فيه خير دينهم ودنياهم، هل تعلمون أنّه في الولايات المتحدة الأمريكية أخذوا هذه العادة من المسلمين، لذلك الرئيس الأمريكي مطالب كل أسبوع في العطلة الأسبوعية بخطاب الأسبوع، يخرج فيه ليخاطب الشعب الأمريكي ويخبرهم بآخر المستجدات!!

أما نحن فوقعنا بين نارين، نار مجرم حاقد مجوسي يُصلِينا بنيران مدافعه وأسلحته، ونار الجهلة الذين غدوا يكتمون عنا الحقيقة، ونار ثالثة لا تقل سوءًا، وهي بعض المتسلقين على ثورتنا ممن تستخدمهم الدُول مطيَّة لكي تحقق مكاسبها، أولئك الذين تراهم يختزلون كل هذه الثورة وكل تضحياتها بتغيير الدستور، بتشكيل حكومة توافقية مع النظام!! ومن قال بأن هذا الشعب خرج ثورة لأجل الدستور؟! ومن قال أن الأنظمة الطاغوتية الديكتاتورية المجرمة تحترم دستورا؟! أو تحترم قانونًا؟! ومن قال بأن هذا الشعب خرج ليوصل بعض أبنائه السُّنَّة إلى الوزارة؟!

يا إخواني زمن حافظ أسد -لعنه الله- كان كل الوزراء من أهل السنة، ولكن لم يكن الوزير يمون على الكرسي الذي يجلس عليه؛ حكومة الظُّلمات، حكومةُ الظِّل التي لا يعرفها أحد هي التي كانت تُخطِّط لكل البلاد وهي التي كانت تتفق مع الدول، وكان الوزير مجرد شاهد زور شأنه أن يوقع، ليقول الناس أن كل الوزراء من أهل السنة.

والآن في زماننا بعض من يتخذ الأنظمة الطاغوتية قدوته يريد أن يعيد الكرة، فترى كثيرا من الوزراء تأتي إلى أحدهم لتسأله عن مظلمة فيقول والله لا أستطيع لها ردًا!!… أنت تسمي نفسك وزيرا، وأمام الناس توقِّع بالقلم الأخضر، وهذه المظلمة تتعلق بوزارتك كيف لا تستطيع أن تميط عني المظلمة؟! لماذا تبقى إذن على هذا الكرسي؟ لأجل انتفاع مادي تبقى على الكرسي وتزوِّر أمام الناس أن هناك وزراء، والحقيقة في المقابل أن هناك حكومَة ظِلٍ تتحكم بالبلاد!!

نحن لم نخرج بثورة لأجل أن نغير الدستور فقط، ولم نخرج بثورة لكي يأتينا بعد سنة أو سنتين يقولون لنا لا بد أن تعملوا حكومة توافقية مع النظام، يوم من الأيام أيها السادة عندما خرج الشعب السوري في ثورته المشهورة على فرنسا قدمت فرنسا نفس العرض، فقالت لهم: انتخبوا مِن أعيانكم كي نعمل حكومة توافقية، وفي الحقيقة هذه الحكومة شكلِيَّة والسلطة لفرنسا، فقال يومها أحمد شوقي رحمه الله قصيدته المشهورة التي مطلعها

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ           وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي          جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

قال شوقي في تلك القصيدة العصماء، نصائح خطيرةً مهمَّة لشباب سوريا الثائر، فيها درسٌ مهم، يجب أن يعيه المتصدِّرون لثورتنا اليوم، إذ قال:

بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني             وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا

فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا             بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ

 

على مين عم يضحكوا؟! بدهم يدخلوكم بحكومة مع النظام البعثي المجرم، ونسمي منكم رئيس حكومة!!

هذه ألقاب إمارةٍ وهميَّة، ألقابُ ملكٍ في غيرِ مملكةٍ*** كالهِرِّ يحكي انتفاخًا صولة الأسد!!)…

دولة رئيس الحكومة الفلاني، وما بمون على كرسي مكتبه!!

بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني             وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا

فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا             بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ             فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ               يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا          إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا            وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ             وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ                     بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

هذه الحرية أيها السادة وهذه الكرامة، والوقوف في وجه الظلم والظالمين، لا تكون إلا بمواقف قوية جدِّيَّة تقف كل ظالم عن حده وكل ظالم أيا كان ظلمه وأيا كان شكله وأيًّا كان لونه وأيًّا كان نسبه، كل ظالم إذا لم نأخذ على يده ونأطره على الحق أطرًا ونقصِره على الحق قصرًا، سيتمادى شيئا فشيئًا حتى يغدو فرعونا نحتاج إلى مثل هذه الحرب حتى نقتلعه من ظلمه، فالطاغوت والظالم ما إن يصل إلى موضع القرار حتى تراه يبني منظومة من المنتفعين مِن حوله ممن يكمِّمون الأفواه ويقتلون المصلحين، ويغتالون الصالحين، ويوطِّدون أركان الظالم شيئًا فشيئا.

هذه الثورة طالت وقُدِّمت فيها مئات آلاف التضحيات، لأن أبي وأباك، وجدي وجدك لم يقوموا يومها بالثورة، وفي زماننا هذا كل من سيتطاول علينا ظالمًا إن لم نأخذ على يده، ونردعه عن ظلمه، ستمضي السنون وسيتحول إلى طاغوت بعد بضعة سنوات.

سُئِل فرعون يومًا: لِم التفرعن؟              قال: ومن سيردُّني؟!

إن كان شعبي طيِّبًا ومسالِما           وبِكُلِّ أسباب التفرعنِ مدَّني

وإني أردت أن أحترِم الشعبَ يومًا  ولكن حُب الشعبِ للمذلَّة صدَّني

[أريد أن أحكم لكنهم لا يحترمون حالهم، أرفع الأسعار، وأصادر المواد، وأفشِّل المؤسسات.. وما أحد يتكلم، ولكن حب الشعب للمذلة صدني!!]

وإني لأنهَبُ البلاد وثرواتِها         فتخرُج الجموع بالروح تفدِني

يا سائلا فِرعون “لِم التفرعُنُ”، أيّ شعبٍ هانَ يليق له حكم الدنِي

أي شعب يألفُ السكوت عن الظُلم يليق به حُكمُ الدني، يأتيه انفراج بسيط ثم لا يلبث أن يعود إليه الظلم والظُّلُمات، رأينا ما حصل في مصر، ورأينا ما حصل في تونس، وأملنا بالله تعالى أن أمم الأرض قاطبة تكالبت علينا لأنهم يعرفون بأن ثورتنا هذه هي التي ستحطم منظومتهم، هي التي ستحطم منظومة الإجرام العالمي وعُقدة التوازنات الدولية، لكي لا يحصُل فيها ما حصل في غيرها.

هذه البلاد هي الدولة العربية الوحيدة التي خرج منها الاحتلال الأجنبي دون أن يلزمها بشيء لماذا؟ اختلفت الدول العظمى وكان على رأس هذه البلاد نخبة وطنية خبرة بالسياسة استطاعت أن تلعب على توازنات الدول فخرجت باستقلال سوريا عن فرنسا دون أن تلتزم سوريا بأي اتفاقية لفرنسا.

وأملي بالله بأن ما نشهده في زماننا من اختلاف كبير بين الدول، سيهيئ الله لنا نُخبَة تستطيع أن تلعب على تلك الاختلافات حتى تحقق لهذا الشعب ما يصبوا إليه.

فلنبق متوكلين على الله ولنبق مستعينين بالله، ولنجدِّد عهدنا بأننا وإن أوذينا وإن كان لنا أذًا من الدَخَن الذي بيننا، فوالله أيها السادة لن نحيد عن ثورتنا.

رأيتم ما جرى مع من رجع إلى النظام المجرم، رأيتم بأعينكم البلد مخربة وهم ينصبون أصنام والده المجرم الذي حكم البلاد ثلاثين عاما، تركوا إعمار البلاد وذهبوا يرفعون أصنام المجرم، وهذه رسالة يقولونها لكم: “بأنكم ستعودون عبيدا لأصنامنا ولطواغيتنا” ونحن نقول لهم بأن: “بين ظهرانينا رجال مجاهدون مرابطون ثابتون عاهدوا الله تعالى على أن يبذلوا المهج والأرواح ولا يعودون عبيدا لأصنامكم ولا إلى طواغيتكم، وإن كنا نتحدث عما هو بيننا مِن ظُلمٍ يرتكبه البعض، فلا نقصد به أبدًا ذلك المرابط وذلك المجاهد الذي يحمي أرضي وأرضك وعرضي وعرضك!!

مقصودنا معروف ومفهوم، المجاهد المرابط المسكين المظلوم الذي يُأكَل حقُّه معروفٌ أيضا، رجال عاهدوا الله تعالى وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، لن يكَلّوا ولن يمَلوا، ولن يعودوا بعدما ذاقوا من خير الحرية إلى ظلم الطواغيت وظلامِهم، فكل ما نحياه بما فيه من إساءة أو ظلم لا يعدو -أيّها السادة- شيئا من ظلم الظالمين وإجرام المجرمين، لذلك ترى دول الأرض قاطبة تريد أن تعيدنا إلى حظيرة آل الأسد، وتأبى كرامتنا، وتأبى شهامتنا أن نعود إلى حيث أرادوا لنا.

الأيام دُوَل؛ (هي الأمور كما شاهدتَها دولٌ **** مَن سرّه زمن ساءته أزمان)…

عامٌ ثامن وسنبقى مستمرين إن شاء الله نعاهد الله تعالى على الاستمرار، طال الزمان أو قصر ولو قدمنا أرواحنا فإنّا نمهد لأبنائنا ولأبناء أبنائنا لكي يعيشوا في دولة إسلام يسود فيها العدل والحرية، يعيش الناس فيها بكرامة لا يخافون إلا الله، وليس بذلك على الله عزيز، أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه لي ولكم فيا فوز المستغفرين.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *