الرئيسية / خطبة الجمعة / سلسلة الأسرة المسلمة (10) – حقوق الأبناء وواجبات الآباء

سلسلة الأسرة المسلمة (10) – حقوق الأبناء وواجبات الآباء

خطبة الجمعة - حقوق الأبناء وواجبات الآباء

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

سلسلة الأسرة المسلمة (10)
حقوق الأبناء وواجبات الآباء

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 32 دقيقة.

التاريخ: 15/ربيع الأول/1440هـ
الموافق: 23/تشرين الثاني/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ بر الأبناء كم يتجاهله البعض.
2️⃣ من قبل الزواج، اختيار الزوجة.
3️⃣ الاسم الحسن والنفقة والرعاية والعناية.
4️⃣ تغذية العاطفة والحنان.
5️⃣ التربية، وتعليم الدين، (الاعتقاد و العبادات وأولها الصلاة).
6️⃣ أن تراقِب سلوكه وأن تتتبَّع أصدقاءه.
7️⃣ أن تعدل بينه وبين إخوانه.
8️⃣ أن تُكثِر الدعاء له في السر والعلن.
9️⃣ مشكلة الدعاء على الأولاد!!

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
🔟 ملخص الأفكار السابقة.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كَرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آلِ بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومَن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهُم إلى يوم الدين… أمَّا بعدُ إخوة الإيمان:

لقاؤنا بكم يتجدّد وقد كُنَّا في مسجدنا هذا قد بدأنا سلسلة بعنوان (الأسرة المسلمة)، تحدَّثنا فيها عمّا يُصلِحُ حالنا في أُسَرِنا لتكون أُسَرُنا نواةً قويَّة في مجتمعٍ مُسلم قوي متماسك ينهض بشرع الله، واليوم أيّها السادة أحببت أن أُكمِل معكم هذه السلسلة، وحديثنا اليوم عن برِّ الأبناء، كثيرا ما نسمع -أيّها الأحبّة- من يتحدث عن برِّ الوالدين، ولكن قليلٌ هم الذين يتحدثون عن برِّ الأبناء.

حديثنا اليوم عن بِّر الأبناء، حديثنا اليوم عن واجباتِ الآباء تجاه الأبناء، حديثُنا اليومَ موجَّهٌ لمن عقل وفهم بأنَّ الزواج تضحية ومسؤولية، وليس مُجرَّد قضاءِ وطرٍ وشهوة، حديثا اليوم عن حقوق الأبناء أيّها السادة، تلك الحقوق التي راعاها القرآن الكريم ورعَتها السُّنة النبويَّة المُشرَّفَة، تلك الحقوق التي تُرتِّبُ عليك أيُّها الرجل مسؤولية حتَّى من قبل أن تتزوج، مسؤولية؟! نعم: فأنت مسؤول عن أبنائك، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  قال: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيَّتِه، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومســـــؤولةٌ عن رعيتها…… فكلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته» [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ].

والله تعالى قال في مُحكَمِ تنزيله: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)) [النساء:11]. فهم مسؤولية ستُسألون عنها،
إن أحسنتم فلكم الأجر ومِثلُ أجرِ أعمالهم الحسَنة حتى بعد موتكم، وإن أسأتم وأساؤوا فعليكم مثل وزرهم، ومثله أيضًا بعد موتكم، لأنَّكم من دللتموهم على طريق الضلال.

عندما نتحدث -أيّها السادة- عن مسؤولية الآباء تجاه الأبناء، فأوَّلُ ما نذكُر في هذا الباب مسؤولية اختيار الزوجة الصالحة، أيّها الشاب الذي لم تتزوج بعد، مسؤوليتك تبدأ من الآن، تبدأ باختيار زوجة تعينك على تربية أولادٍ صالحين، وأنتَ يا مَن تزوَّجت مسؤوليتك الآن في تعليمِ زوجتك وتأديبِها.

كلٌّ منكم أيّها السادة يحضر درسا أو يحضُر خطبة، أمَّا النساء فهنّ في البيوت، واجب على كل واحد منّا أن يُعلّم زوجته دينها وأن ينصحها في أخلاقها، فالمرأة أساسٌ لتربية الأولاد، ورسولُ الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «تخيروا لنطفكم، فانكَحوا الأَكْفَاء، وأنكِحوا إليهم» [رواه ابن ماجه والدارقطني وهو بمجموع طرقه صحيح]. أي اختاروا لنطفكم وقال روحي فداه: «تخيَّروا لنطفكم فإن العِرق دساس»، وفيما روى الطبراني قال: «لا تسترضعوا الحمقاء فإنّ اللبن يُعدي»، فأول مسؤولية تجاه أولادك أن تختار لهم أمًا صالحة، وإن كنت متزوجًا أن تساهم في نُصحِ وصلاح زوجتك.

تزوجتَ وحمَلت امرأتُكَ وأكرمك الله تعالى بمولود، من حقِّ هذا المولود عليك أن تسميه اسما صالحا، قال الحكماء: لكل مسمَّى من اسمه نصيب، ومن نظر في سِيَرِ الأكابر من العُلماء والأتقياء ورِجال الأمَّة رأى أن أسماءهم كانت دِلالةً على فعالهم، ولعلَّه قدرٌ قدَّرَه الله، ولعلَّها حِكمة أرادَها الله، فاختر لابنك اسمًا حسنًا ذا معنى جميل، نعم أيّها المسلم، ستبر أباك وجدَّك بأن تسمي اسم ابنك بأسمائهم فهذا خير، ولكن إن كان اسم جدِّك اسمًا قبيحًا منفِّرًا كريهًا فأنتَ تظلِم ابنَك باختيار هذا الاسم، وقد كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-  يعنى بتغيير أسماء الصحابة إلى أسماء حسنَة جميلة ذات معنًى طيِّب، فهذا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  يأتيه الرجل فيقول له النبي: “ما اسمك؟” قال: “أصرم”، [من الصَرم، مِن القطع] فقال له رسول الله  -صلّى الله عليه وسلّم- : “بل أنت زُرعة”، غيّر له النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- اسمه، ومرَّةً أتاه رجل آخر فقال له لنبيّ –صلّى الله عليه وسلَّم-: “ما اسمك”، قال: “زَحمْ”، قال: “بل أنت بشير”، [الحديثان رواهما أبو داود في سننه]، فحق لولدك عليك أخا الإسلام أن تُحسِن اختيار اسمه.

إذا اختيار الأم الصالحة، ثم اختيار الاسم الحسن، فإذا ما أتى هذا المولود، ما أول ما يحتاجه المولود أيها الأحبة؟ يحتاج الطعام، يحتاج أن يلتقِم ثدي أمه، هذا الرضاع وإن كان مِن الأم ولكنّه مسؤولية الأب، نعم، الرعاية ببدن طفلك، العناية بمأكله ومشربه وغذائه وكِسائه ودوائه مسؤوليتك أيّها الأب، قال تعالى وقوله الحق: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ…)) [البقرة:233].

الأم تُرضِع لكن هذه مسؤولية الأب؛ بأن ينفق عليها، وأن يُطعِمها، وأن يغذِّيها لكي تُرضِع ولدَه، ليس هذا فحسب بل إن طلّقها وهي تُرضِع أو كانت حاملا فواجبٌ عليه أن يدفع لها أجرًا مقابل إرضاع ولده فإن تعسر ذلك ((فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) أي واجب على الأب أن يبحث عمَّن تُرضِع ولده، قال تعالى:
((وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) [الطلاق:6].

في زماننا نسمع في الدعايات كيف يُحدِّثنا العلماء والأطباء عن أهمية الرضاعة الطبيعية، والله تعالى نبه إلى ذلك بالقرآن الكريم وعلمناه نحن أُمَّة الإسلام قبل ألفٍ وأربعمئة مِن السنين فالرضاعة الطبيعية من الأم متابعتها ومسؤولية أن يعين الأم عليها هي مسؤولية الأب، الإنفاق على الطفل، الانتباه إلى ملبسه، مراعاة جسده، أخذ إلى الطبيب هي مسؤوليته، بعض الشباب المتزوجين أراهم وكأنه لا يعرفون من الزواج إلا قضاء الوطَر، يرزقه الله الأولاد، فترى جد الولَد، فترى أمَّ أمِّه، أو جدَّته، أو والد أمِّه، أو والد أبيه هم الذين يسعون في احتياجات الأولاد، وكأن هذا الزوج ليس عنده مسؤولية، وكأنَّه خليّ المسؤولية، وكأن الزواج عنده فقط هو قضاء وطَرٍ وشهوة، يرمي أولاده في الشارع ولا يبالي بمأكل ولا ملبس ولا بطبيب ولا بدواء!!!

بعد ذلك أيها الأحبّة، بدأ الولد بالنمو، بدأ الولد يُدرك العالم مِن حوله، بدأ منذ أن بلغ السنة ينظر فيبدأ بمحاكاة أمِّه وأبيه حتى مِن قبل أن ينطق، من هذه اللحظة تبدأ مسؤولية التربية، وقبل التربية أيّها الأحبة تكون التغذية العاطفية، بعض الرجال نراهم لا يقصر أحدهم على أهل بيته، لا بطعام ولا بشراب ولا بمحروقات ولا بملبس ولا بدواء… ويظن أن هذه مهمته فقط!

أخي الحبيب هذه المرأة وهذه الولد عندهم جانب عاطفي، ليسوا آلات، الآلات فقط لا تحتاج عواطف، سيارتك تحرق فيها الوقود، وتعطيها الماء والزيت لتخدمك، أمّا الإنسان ففيه نفسٌ وفيه عقلٌ وفيه روحٌ وله جسد، لا يكفي أن تغذي الجسد، لا بد أن تُغذِّي الروح.

كثير من الآباء يُفني عمره، وينهك جسده بالعمل لأجل أن يُطعِم أولاده، ولأجل أن يصرف على أولاده، ومع ذلك ترى حالة من الجفاء بينه وبين أولاده، ترى الأولاد حين يكبرون يبتعدون عنه، يقول لك أفنيت عمري في خدمتهم، ويقابلوني بهذا، ما السبب؟

هو بعيد عنهم عاطفيا، بعيد عنهم روحيا، يعمل من الصباح إلى المساء حتى يؤمن لهم مزيدا من المال، وينسى أنهم بحاجة إلى العواطف، وابن السنة يشعر بحنان أبيه، يقول العلماء حين يعانق الأب ولده ابن العام يفرغ شحناتٍ سلبية موجودةً عنده ويكسب شحنات إيجابية، ويفرِّغ الولد شحناته السلبية ويكسب طاقة إيجابية، لذلك كان شأن النبي  -صلّى الله عليه وسلّم-  إظهار العطف والحنان للأطفال،

دخل أعرابي على النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فرآه قد أمسَك الحسَن والحُسين يقبِّلهما، فنظر الأعرابي فقال للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- : تقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ؟، وقال آخر: “إنّ لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم”، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ” ، “من لا يرحم لا يُرحَم”. [حديثين في البخاري].

الأصل في المسلم أنه رحيم عطوف شفوق، وأول الرحمة والعطف والشفقة تكون لزوجتك وبنيك، نعم أخا الإسلام كما أن خير درهم تنفقه في فِي زوجتك وبنيك، أي في فَمِ زوجتك وبنيك، كذلك عواطفك. فلا بد أن تعطي لهذا الولد ما يكفي مِن الحنان والعاطفة لكي يبقى قريبا منك، ولي تجده بجانبك حين يكبر.

إذن الأم الصالحة، الاسم الحسن الذي يجعلنا نتفاءل بمستقبل خيِّرٍ للولد، رعاية البدن طعامًا وشرابًا ودواءً ثم العناية بالرحمة والعاطفة والحنان، ثم مزيد من التربية، مزيد من التربية بتعليمه مكارم الأخلاق بتعويده على القيم الإيجابية بأن تكون له قدوة حسنة، ينظُر إلى أبيه وأمِّه فيقتدي بالخير من فعالِهما، فإذا ما كبُر الولد أكثر، فإذا ما صار واعيًا يعلّمه دينه، يعلمه أصول الإيمان، ليكون خالص التوحيد لله، تعلِّمه عباداته لكي يكون مرتبط القلب بالله، تأمره بالصلاة متى بلغ السبع، وتصبر عليه في تعليمها إلى العشر، ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)) [طه: 132]، تعلِّمه الصلاة، تعلِّمه الصيام، تعوده على الخير، رحم الله ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: «حافظوا على أبنائكم في الصلاة وعوِّدوهم الخير فإنَّ الخير عادة» [البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير]، الخير، الخصال الحسنة يكتبسها الولد قبل السنوات الخمس، يرى أباه فيقلده حتى الكبر وينشأ ناشئُ الفتيانِ منَّا على ما كان عوَّده أبوه، كما تعوَّد ولدك سيعتاد من صِغره، فإن عودته خيرا فخيرًا لك وخير في صحائفك حتى بعد موتك، لأنّه “إذا ما مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث” وعدَّ  منها روحي فداه: “ولدًا صالح يدعوا له”، وإذا عودته شرًا وفسادًا وإفسادًا كان أيضا في صحيفة سيئاتك، حتى بعد موتك، فمن دل على ضلالة فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، ستسأل عن إيصال أمانة الدينِ إلى أهل بيتِك، كيف لا والله تعالى أمرك قائلًا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) [التحريم:6]، التربية الإيمانية الصحيحة مسؤولية الآباء، حفِّظ ابنك أوَّل ما يتعلَّم من القرآن، رحم الله أحد الصالحين قال لي يوما: “ولو أرسلت ولدك إلى المعهد وإلى الشيخ وإلى الجامع حاول أن تكون أنت من يحفظه الفاتحة لكي يكون ثواب الفاتحة كلما قرأها في صلاته في صحيفتك”.

هكذا هم الصالحون أيّها الأحبّة، يعنون بتربية أولادهم، لا ينجبون الأولاد ليرموهم في الشوارع همَلًا من غير تربية ولا إحسان، فإذا ما كبر هذا الولد قليلًا لابدَّ أن تراقب سلوكه، ولا بد أن تنبهه على الخطأ، ولا بد أن تتلطف معه بالنصح كي لا ينفِر منك، ولابدّ أن تنتبه إلى صحبته، لكي لا يُصاحب أناسا فاسدين، فرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح]، راقب أصحاب ولدِك وحذِّره من الفاسدين وامره بمصاحبة الصالحين، فإذا ما كبُر الولد أكثر فلابدّ أن تعلم أن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وأن الله تعالى أمرك بالعدل بين أبنائك، نعم أخا الإسلام كما أُمِرت أن تعلِّمه الدين في قوله تعالى: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) ، أُمِرت أيضًا بالعدل بين الأبناء، أمرك الله بأن تحذر أولادك النار، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ))، كذلك أُمرت بالعدل بين الأبناء أخا الإسلام.

النعمان بن بشير رضي الله عنهما -والحديث في السنن وفي مسند أحمد- يحدثنا عن العدل بين الأبناء، النعمان كان مدللا عند أمه وأبيه، ويبدو أن أمّه كان لها ضَرَّة فأرادت أن يخص زوجُها ابنها هذا بعطيَّةٍ دون سائر إخوانه، فخصَّه بعطية، [أعطه مالا دون البقي، اكتب له أرضًا باسمه، أعطه شيئا غير البقية…] فلمّا أراد أن يعطيه، اشترطت أمه أن يشهد على ذلك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- خشية أن يأخذها إخوانه منه، فأخذ بشير بيد ولده النعمان وانطلَق حتى أتينا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: يا رسول الله إنَّ أم هذا الغلام سألتني أن أهب له هبة، فوهبتُها له، فقالت: أشهد عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأتيتك لأُشهِدَك، فقال: رويدك، ألك ولد غيره؟ قال: نعم. قال: كلهم أعطيته كما أعطيته؟ قال: لا. قال: فلا تُشهِّدني إذا، إنِّي لا أشهد على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم.

لم يرض النبي -صلّى الله عليه وسلّم- على أب خصّ ولد بأعطية دون غيره من الأولاد وأسماه جورًا وظلما، لذلك كان الصحابة الكرام -كما حدَّث التابعون عنهم- بعد ذلك كانوا يعدلون بين أولادهم حتى في القُبَل، إذا قبَّل ولدًا قبَّل الآخر، خشية أن يكون ذلك ظُلما وجورًا.

ولكن هنا أيها الأحبة أودُّ أنه أنبه على أمر خطير، أذكره كثيرا في خطبي ودروسي، ألا وهو ضرورة التمييز بين العدل والمساواة، فالعدل وهو إعطاء كلٍ ما يستحقه، وهو غير المساواة بينهم، فالمساواة بين غير المتساويين ظلم، مثال ذلك:

يسألني رجل قائلا: عندي ولد مُبتلى، من ذوي الاحتياجات الخاصة، عنده إعاقة ما، أريد أن أشتري له دكان صغيرًا، بيتًا صغيرًا، فأخوته ما شاء الله عليهم، في خير وصحة وأقوياء ويعملون والله يرزقهم، هذا الولد ولِد معاقا، أو ابتلي بحادث فغدا عنده إعاقة، فهل من الظلم إن خصصته بذلك، وما عندي قدرة أن أعطي كل إخوانه؟ فنقول له: هذا الذي تقوم به عدل، لأنه يستحق هذه المساعدة لابتلاء وقَع عليه. آخر يسأل: عندي بنت ما تزوجت، كبُرَت، خشي الأب أن تغدو خادمة في بيت الإخوة، وأن تسيء إليها نساء إخوانها، فاشترى لها بيتا صغيرا كي تنستر به بعد موته، فلا يكون ذلك ظلما، هذا عدل أيها الأحبة، لا بد أن نفرِّق بين العدل والمساواة، ثالثٌ يقول: أحد أبنائي إخوانه درسوا واشتغلوا وتوظفوا وهو معي في الورشة مذ كان صغيرا، ولا أعطيه إلا كما أعطي إخوانه؟ نقول هذا ظلم، له معك عشر سنوات أو عشرين سنة، يعمل معك بأكله وشربه ثم تعطيه ما تعطي إخوانه الذين درسوا واشتغلوا وتوظفوا واستقلوا، هذا ظلم وأنت أمرت بالعدل، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)) [النحل:90]، لم يقل بالمساواة، بل قال: بالعدل والإحسان، أن تعطي كل ذي حقٍ حقَّه، فإذا من حقوق الأبناء أيّها السادة أن تعدل بينهم.

فإذا ما كبر الولد نقول لك: صادق ولدك، يقول المثل إذا كبر ابنك خاويه، صادقه أنت كي يكون قريبا منك ولكي تكون بيت سره ولكي تكون ناصحا أمينا له، لا تترك ولدك عرضة للآخرين وإذا أحب أن يذهب إلى مكان ما وهو شاب اذهب معه، قال لك: أريد أن أذهب للمكان الفلاني، أريد أن أحضر إلى المكان الفلاني، اذهب معه، صاحبه كي تكسبه، ولكي يكون لك عونا طيلة حياتك إلى مماتك.

وفي كل هذه الحياة استعن أولا وآخرا بالدعاء، أكثروا من الدعاء أيها السادة لبنيكم، الله تعالى علمنا أن شأن المؤمنين أن يكثروا الدعاء لأولادهم ولزوجاتهم، ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)) [الفرقان:74]. الله تعالى حدثنا أنَّ من شأن الأنبياء الدعاء لأبنائهم، فهذا نبي الله إبراهيم قال: ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)) [إبراهيم:40].

وفي المقابل أيها الأحبة نحن نرى الناس وقد قل عندهم الدعاء لأبنائهم، ولكنَّا كثيرًا ما نراهم ونسمعهم يُكثرون مِن الدعاء على أولادهم، ترى الأب ترى الأم متى أساء الولد، متى أساء الطفل الصغير يسارع لسانها بالدعاء عليه، وهذه مصيبة في حياتنا اليومية، تراها جاريةً على ألسنة النساء: (يقطع عمرك، يقرف عمرك، يكسر إيدك…ووو) تراها تكثر الدعاء على بنيها، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول:
«لا تَدْعوا على أنفسكم، ولا تَدعوا على أولادكم… لا تُوافِقُوا من الله عَزَّ وجلَ ساعةَ نَيْلٍ، فيها عطاءٌ، فَيَسْتَجيبَ لكم» [صحيح رواه أبو داود]، لا يدعون أحدكم على نفسه وعلى بنيه ألّا يوافق ساعة إجابة من الله فيندم، تخيل وقت الدعاء أن تكون لحظة إجابة، وأنت تدعو على ولدك، وأنت تدعو على نفسك، الآن هذا كثيرًا ما نراه في البيوت، أنت كأب قوّام في البيت، يجب أن تُأدِّب زوجتك وأن تنبهها وأن تزجرها وأن تُشدِّد عليها إذا دعت على الأولاد، هذا الكلام يجب ألا يجري على لسانها، ألا توافق ساعة إجابة من الله فتندم، بل على العكس لا بد أن نكثر الدعاء لأبنائنا، لأننا مهما بذلنا جهدا في تربيتهم فما حالنا إلا كما قال الأنبياء إذ قالوا: “إن أريد إلَّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله”.

لا يكون التوفيق إلا من الله تعالى، أكثر الدعاء لبنيك، وإن أردت أن توفَّق في تربيتهم فلا تُطعمهم إلا حلالا، كانت نساء الصحابة الكرام يقلنَ لأزواجهنَّ: “ويحكم إنا نصبر على الجوع ولا نصبر على حرِّ جهنم”، لأن رسول الله  -صلّى الله عليه وسلّم-  قال: «إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» [صحيح أخرجه التِّرمِذي]، لذلك ترى الذي نبت بدنه من سحت تراه يأبى إلا أن يعصي الله وتكون أول معصيته لله أن يعق والده الذي أطعمه مالا حراما، والله رأيناها مُجرَّبة، وصدَّقنا بها بما خبِرناه عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، من أطعم ولده حرامًا سيأبى الولدُ إلا أن يعصي الله، وتكون أوَّل معصيته أن يعق والده الذي أطعمه مِن المال الحرام، فترى الوالد يحاسب في الدنيا والآخرة على ما أطعم أولاده من حرام، وترى الأولاد في المُقابل يتنعَّمون به ويجحدون فضلَ الوالد، يُنكِرون عليه ويتنكرون له ولا يبرونَه، بل يعقونه ويقصرون معه، وذلك جزاء ما كسبت يمينه بأن أطعم أولاده حراما، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حلالا طيبا بأن لا نُطعم أولادنا إلَّا حلالا طيبًا مباركًا، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا:
((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامة من المِحَن واعلموا إخوة الإسلام أن ما ذكرناه في خطبتنا اليوم هو حق للأبناء لا مِنَّة فيه، وهو واجب على الآباء سيُسألون عنه لو قصَّروا فيه، تذكَّر أخا الإسلام: إصلاح الزوجة واختيار الاسم الحسن وأن تفق عليه، فرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: “كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ” [حديث صحيح رواه أَبُو داود وغيره]، وأن تنفق عليه وأن تكون هذه النفقة حلالا طيبة، وأن تحسن تربيته، وأن تُعلِّمه دينه، وأن تراقب أخلاقه، وأن تتَبّع أصحابه، وأن تعدل بينه وبين إخوانه، وأن تُكثِر الدعاء له في السر والعلن… هذه واجبات عليك لا بد أن تعيها، وأن تحفظها، وأن تُطبِّقها، وأن تمارسها، وأن تتوب إلى الله عمّا سلَفَ مِنك مِن تقصيرٍ فيها.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ما كان صالحا وأن يصلح لنا ما كان فاسدا… إني داع فأمنوا

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *