أخبار عاجلة
الرئيسية / التوعية النوعية / تصحيح مفاهيم شرعية خطيرة سفكت لأجلها دماء

تصحيح مفاهيم شرعية خطيرة سفكت لأجلها دماء

مقالات - تصحيح مفاهيم شرعية خطيرة سُفكت لأجلها دماء

✍️ علاء البيطار

منذ أن نشأ تيارُ الغلو المعاصر وهو يحاولُ الاتكاءَ على نصوص شرعيةٍ لأجل دعم نزعة غضبه!!
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام :

« أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُم وأَموالَهُم، إلاَّ بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم على اللهِ تَعالَى » متفق عليه .

والحقيقةُ أنّ هذا الحديثَ حديثٌ مظلوم, كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله, فقد أُسيئَ فهمُه بشكل خطير.

ولذلك سنوضّحُ معناه الصحيح من خلال نقاط محددة:

1- قوله صلى الله عليه وسلم ( أُمرتُ ..): ” يظهرُ منه أنّ اللهَ تعالى أمره بذلك, فإنّ من اشتهرَ بطاعة رئيسٍ إذا قالَ ذلك فُهمَ منه أنّ الرئيسَ أمره “, كما قال البدر العيني, ومنه يستشَفُّ أنّ الأمرَ منوطٌ بولي الأمر لا الأفراد.

2- الفرق بين ( أقاتل ) و ( أقتل ), فهناك بونٌ كبير بين اللفظتين, والنصوصُ الشرعية قيلت بدقة بالغة, لذا قال الشافعي:
” ليس (القتال) من (القتل) بسبيل، فقد يحلُّ قتالُ الرجل ولا يحلُّ قتلُه ” رواه البيهقي.

كما أنّ لفظةَ (أقاتل) هي من (القتال), أي من باب (المفاعلة) التي تفيدُ الفعلَ من الجانبين كـ المضاربة والمهادنة, أو المقابلةَ كـ اصطلاحات الرياضيين: الملاكمة والمصارعة ..
وبالتالي يُفهمُ منها أنّ المطلوبَ هو المجابهةُ بإنزال أحدهما الآخرَ على حكمه لا إفنائه, وكذلك إبعادُ كلِّ من ليس أهلاً للمشاركة في القتال.

3- لفظُ (الناس) هنا المقصودُ به هم مشركو العرب من أهل الأوثان لا عموم البشرية, وهذا أسلوبٌ قرآني, كما في قوله تعالى:

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} آل عمران /173

و” الناسُ ” الأولى هنا: هم مشركو مكة, بل بعضهم.

– والحديث ذُكر عند حروب الردة أثناءَ قولِ عمر لأبي بكر: ( كيف تقاتل الناس ؟), وتوجد روايةٌ ذكرها البيهقي: (أتريد أن تقاتل العرب ؟) ..

وهذا ما أيدَه شرّاحٌ للسُنّة:

– يقول القسطلاني في / إرشاد الساري /: (” أقاتل الناس” أي بمقاتلة الناس , وهو من العام الذي أريدَ به الخاص، فالمرادُ بالناس المشركون من غير أهل الكتاب … قال الطبري: إنه صلى الله عليه وسلم قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان الذين لا يقرّون بالتوحيد).

– ويقول البدر العيني في / عمدة القاري /: ( وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: الْمُشْركين).

ويقول في موقع آخر: ( قَالَ الطَّيِّبِيّ قَالَ أَكثرُ الشَّارِحين: أَرَادَ بِالنَّاسِ عَبدةَ الْأَوْثَان بِدُونِ أهل الْكتاب ..

قَالَ القَاضِي عِيَاض .. المُرَادُ بِهَذَا مشركو الْعَرَب وَأهلُ الْأَوْثَان ..).

4 – من نطقَ كلمةَ التوحيد صارَ مسلماً, لعموم الأدلة من الكتاب والسُنّة, ثم يلزمُ ببقية أركان الإسلام.

5 – فإن رفضَ ركناً ما, ثم جلسَ في بيته مغلقاً بابَ داره, فقد اِختلفَ العلماءُ بشأنه..
لكن إن قامت مجموعةٌ ما – كـ أهل بلدة مثلاً – برفض ركنٍ أو شعيرة ثمّ ” نصبتْ نفسَها للقتال ” أصبحت حينها ” طائفةً ممتنعة “, ووجبَ على الدولة المسلمة مقاتلتها (لا قتلها) حتى ترجعَ عمّا هي عليه, وهنا حصلَ إجماعُ الصحابة في تطبيق الحديث على حروب المرتدين ..

طبعاً يوجد كلامٌ كثير حول شرح بقية الحديث واختلاف الفقهاء حوله, يُرجع فيه إلى مظانه.

– وفي هذه النقطة يعجبني تحقيقُ ابن رجب الحنبلي أثناء شرحه للحديث في كتابه (جامع العلوم والحكم), حيث يؤكّدُ أنّ القومَ لا يُقاتَلون لأجل دخولهم في الإسلام, إنما يُقاتَلون إنْ امتنعوا عن أداء حقوق الإسلام بعد إسلامهم, وهذا ما فعلَه الصحابةُ في حروب الردة .

أي إنْ وجدتْ طائفةٌ ممتنعةٌ عن أداء الشعائر تُقاتلُ لذلك, أما الفردُ فحصلَ خلافٌ بين العلماء في شأنه, كما أشرنا آنفاً.

6 – وللتوسّع قليلاً نقول:
حروبُ الردة كانت خاصةً – في الدرجة الأولى – بمن اِتبعَ الأنبياءَ الكذبة, وهؤلاء كفروا بعد إسلام, لكن دخلَ معهم في الاسم لا الحكمِ مانعو الزكاة بسبب شمولية الحرب, وهذا ما قرّرَه غيرُ واحد من أهل العلم, ومنهم الإمامُ البغوي في كتابه ” شرح السنة ” : ج / 5 / ص / 491/ .

والإمامُ الخطابي اِعتبرَهم ” أهلَ بغي لا ردة “. اِنظر ( نيل الأوطار ) للشوكاني: ج / 4 / ص / 508 /.

7 – في صدر الإسلام لم تترسّخَ شعائرُ الإسلام بعدُ, لهذا حصلَ التأويلُ الفاسد من مانعي الزكاة, عند قوله تعالى؛ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}, حيث فهموا أنها خاصةٌ بحياة النبي صلى الله عليه وسلم, وبعد وفاته انتهت الزكاة!
لكن مع ذلك لم يكفّرهم الصحابةُ لأجل تأويلهم الفاسد هذا, إنما فقط قاتلوهم عليها, كـ بغاة متأولين, لكن فيما بعد عند رسوخ الشريعة لم يعد هناك عذرٌ لتأويل فاسد فيما يتعلق بأركان الإسلام, إلا أن يكونَ ممن أسلم حديثاً, كما قرّر ذلك الإمامُ النووي في شرحه على مسلم: ج / 1 / ص / 205 / .

هذا مابدا لي, والله تعالى أعلى وأعلم.

0

تقييم المستخدمون: 4.09 ( 10 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *