في وداع رمضان

محمد عادل فارس

في وداع رمضان (جهاد واستشهاد، وصبر وتصميم)

نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شهرنا، وفي صيامنا وقيامنا ودعائنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا ويغفر لنا.

في رمضاننا هذا يصبر شعبنا المسلم في سورية، ليس على الجوع والعطش وفقدان كثير من المواد الغذائية وانقطاع الكهرباء فحسب، بل يصبر فوق ذلك على جرائم ليس لها مثيل في التاريخ، جرائم يرتكبها نظام لا ينتسب لهذا الشعب، وليس له نصيب من أصالة هذا الشعب، وثقافة هذا الشعب، وقيم هذا الشعب. نظام يقذف بالحمم والبراميل والصواريخ على مدن وبلدات وقرى ليس له فيها قريب أو مناصر، فقد انحاز إلى طائفة، أو إلى جزء من طائفة، وانحازت معه حثالات هبطت إلى الدرك الأسفل من الأخلاق والسلوكات… وهذه الحثالات، وإن كانت تنتمي، بحكم النسب، إلى طوائف من هذا الشعب الكريم، فإنها قد قطعت حبالها مع هذا الشعب واختارت أن تسلك نفسها مع المجرمين والسفلة.

وفي وداع هذا الشهر تتداعى إلى الأذهان مجموعة من الرؤى:
1- من عادة التجار ورجال الأعمال أن يقوموا بعملية تصفية حساباتهم كل سنة، ليعرفوا ما لهم وما عليهم، وما أجدر المسلم أن يتخذ من شهر رمضان مناسبة ليحاسب نفسه ويعرف ما قدّم بين يدي الله عز وجل، وما أسرف على نفسه. فكل عام يمرّ، بل كل يوم، بل كل دقيقة إنما هي مرحلة مضت من العمر، وقرَّبت من الأجل، ولذلك قالوا: “أنفاس العبد خطاه إلى أجله” أي إنه كلما تنفّس نفساً فقد خطا خطوة نحو قبره. وقد لمح أمير الشعراء أحمد شوقي هذا المعنى فقال:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له — إن الحياة دقائقٌ وثوانِ

2- رمضان ذكرى بدء نزول القرآن، وبدء انطلاق الدعوة المباركة، دعوة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”.
وقد بدأ ذلك بكلمة “اقرأ”، وما أجدر الأمة التي ولدت مع كلمة “اقرأ” أن تهتم بالعلم والبحث والدراسة، سواء في علوم الدين نفسه، أو في علوم الحياة، بمختلف فروعها، وأن تكون قراءتها باسم ربها: (اقرأ باسم ربّك الذي خلق)، فحين تكون القراءة باسم ربنا سبحانه، فهذا يعني أن تتوجه نحو العلم النافع، لا نحو اللهو والعبث والمجون والدمار. فالبشرية التي لم تقرأ باسم الله، سخّرت العلم و”التكنولوجيا” لنشر الفساد والانحلال والتسابق في صناعة أسلحة الدمار الشامل.
إذاً فلنقرأ، ولتكن قراءتنا باسم ربنا الخالق.

3- منذ أن تلقى نبينا صلى الله عليه وسلم الوحي، وتوجّه إلى زوجه العظيمة خديجة… هيأ الله تعالى له أن التقى ورقة بن نوفل الذي قال له: “… ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك”! فقال صلى الله عليه وسلم: “أوَ مُخْرِجيّ هم”؟ قال: نعم. لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي!.
إنها التهيئة النفسية والإعداد لمواجهة أنواع الابتلاء، والذين يحسَبون أن بإمكانهم حمل هذا الدين مع تجنّب البذل والتضحية والتعرض للابتلاء… واهمون (أحسِبَ الناس أن يُترَكوا أن يقولوا: آمنّا، وهم لا يُفتَنون؟ ولقد فتنّا الذين من قبلهم، فلَيَعْلمنَّ الله الذين صَدَقوا، وليعلمنّ الكاذبين) سورة العنكبوت: 2-3.

4- هل صحيح ما يقوله بعض الكتّاب والخطباء من أن معظم الذين دخلوا في الإسلام كانوا خليطاً من الفقراء والضعفاء والأرقّاء؟!
ليس صحيحاً أبداً، سواء في المراحل المتأخرة من البعثة النبوية، مرحلة الهجرة النبوية فما بعدها، أم في العهد المكي. بل إنه في بداية العهد المكي، تحصي كتب السيرة النبوية أسماء الذين أسلموا فتذكر منهم خديجة وأبا بكر وعليّاً وزيد بن حارثة وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

وإذا قرأنا إحصاء جميع الذين أسلموا، قبل إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما لوجدنا أن فيهم: 42 قرشياً، و12 من القبائل الأخرى، و13 من الموالي والأرقاء: (خبّاب وزيد بن حارثة وعمار وأبوه وأمه وبلال وصهيب وعامر بن فهيرة وأم عبيس وزنّيرة والنهدية وابنتها).

أي إن نسبة الموالي والأرقاء 13/67 أي أقل قليلاً من 20%.
فمن أين جاء الوهم بأن معظمهم كانوا من الفقراء والضعفاء والأرقّاء؟!

لعل لهذا الوهم مصدرين:
الأول: كان من انتشار أخبار الابتلاء، فقد كان معظم الابتلاء ينصبّ على الضعفاء كبلال وعمار، وكانت فتنتهم تتكرر، وتحدُث على ملأ من الناس، أما السابقون إلى الإسلام من قريش والقبائل الأخرى فكانوا يَنْجَون من العذاب غالباً، أو يتم تعذيبهم ضمن القبيلة نفسها فلا ينتشر خبره إلا قليلاً، كالذي حدث لمصعب بن عمير.
وبالمناسبة فإن الأرقاء والموالي توزّعُوا بين المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر. ويكفي أن نتذكر أن الذي قتل حمزة رضي الله عنه، في غزوة أحد، هو “وحشي وكان عبداً عند جبير بن مطعم، وأن العبد الآخر “صؤاب” هو الذي رفع لواء المشركين بعد أن حلّت بهم الهزيمة يوم أحد، قبل أن ينقذهم خالد في آخر المعركة!.

الثاني: هو الخبر المشهور عن لقاء أبي سفيان وهرقل. وذلك أن هرقل سأل: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال هرقل: … وهم أتباع الرسل.
والردّ على ذلك أن أبا سفيان يومها كان كافراً، فهو يريد أن يقلل من شأن الصحابة!. ثم إن معنى الأشراف عنده يحمل معنى الكبراء والعتاة، كما أن معنى الضعفاء يحمل معنى أهل الاستكانة والتواضع واللين، وكانت قريش تعُدُّ كل من أسلم ضعيفاً، بمعنى أن زعامة قريش تخلّتْ عنه. لذلك عندما أجار المطعم بن عدي النبي ( بعد عودته من الطائف، قال له أبو جهل: أمجيرٌ أنتَ أم متابع؟! قال المطعم: بل مجير. قال: إذاً لن تُخفَر، أي لن يتعرض لك أحد في جوارك. فهل كان بإمكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجير النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر أقوى من المطعم؟! إن عمر – بهذا المفهوم – يُعَدُّ من الضعفاء أمام زعماء قريش التي لا تحترم أن يجير أحداً عليها بعد أن ترك أصنامها!!.

وعندما قال أبو سفيان: إن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم هم الضعفاء كان ذلك بعد صلح الحديبية، وقبل فتح مكة، أي إن عدد المسلمين وقتئذٍ يبلغ عشرات الآلاف، وعدد الموالي والأرقاء منهم لا يتجاوز عشرات الأفراد.

واليوم يخوض شعبنا، بل تخوض الأمة المسلمة في شتى أصقاع الأرض، معركة الثبات والتحدي أمام جاهلية عاتية، وتُثبت هذه الأمة أنها مستعدة لبذل الأموال والمهج في سبيل رفعة هذا الدين والتمكين له في الأرض (ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز). سورة الحج: 40.
اللهم انصر الإسلام وأهله، وأخْزِ الكفر وأهله.

0

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *