أخبار عاجلة
الرئيسية / خطبة الجمعة / كنا عايشين

كنا عايشين

خطبة الجمعة - كنا عايشين

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

كنا عايشين

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 36 دقيقة.

التاريخ: 22/شوال/1439هـ
الموافق: 6/تموز/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ أهمية أن نكلم الناس بما يستطيعونه ويقدِرون عليه.
2️⃣ ظاهرة الإرجاف والمرجفين زمن الأزمات (الضفادع) والتعامل اللازم معهم.
3️⃣ الفرق بين سوريا وطن الجميع وبين سوريا الأسد.
4️⃣ عندما تهان في وطنِك ويمنون عليك بمالِك!!
5️⃣ التمييز الطائفي – العسكرية – الوظائف
6️⃣ المنطقة الشرقية وأسرار كنوزها.
7️⃣ نعمة المناطق المحررة لمن يتأففون.
8️⃣ المكان الوحيد في العالم تأكل من خيراته ولا تقدم له خدمات ولا تؤدي واجِبات!!
9️⃣ نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ولكن لا نرتد عن فكرتنا حتى تنفرِد سالِفتُنا.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
🔟 دعاء

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

الحمدُ لله ناصِر المؤمنين، مُعِزِّ المسلمين، مُذِلِّ الكافرين، قاهِرِ المُشركين، صريخِ المستصرخين، مغيث المستغيثين، مجيبِ الداعين… والصلاةُ والسلام على خاتَمِ الأنبياء والمُرسلين المبعوث رحمةً للعالمين، القائلُ روحي فداه: «إني رأيتُ عمودَ الْكِتَابِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فنظرتُ فَإِذَا هُوَ نورٌ ساطعٌ عُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلا إِنَّ الإِيمَانَ -إِذَا وَقَعَتِ الفتن- بالشام» [أخرجه الحاكم، وصحّحه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصحّحه الألباني في تخريج أحاديث فضائل الشام]. صلَّى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، صلَّى الله عليك وعلى آلك وأصحابك والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على دربهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين، أمَّا بعد إخوة الإيمان:

أحداثٌ كبيرة ومتغيراتٌ سريعة وفتنٌ متتابعة كقِطَع الليلِ المُظلِم، ازدادت وتيرتها في الأسابيع الثلاثة الماضية وجلُّها ممَّا يحدث في جنوب بلادنا، في حوران درعا وما جاورها تحديدًا، تلك الأحداث الكبيرة والأمور الخطيرة نشهدُها ونشهد ما تسببت به من إفرازاتٍ وتبِعات، نشهدُها ونشهد ما كشفته من خياناتٍ ومؤامرات..

وكما عهِدتموني أيها السادة دائما، متفائلٌ واثقٌ بالله، ولكني لا أتكلم إلا بالواقعيِ المنطقيِّ القابِلِ للتنفيذ، لذلك اخترت من بين تلك المواضيع التي أثارتها أحداث درعا وما يحصل فيها الآن، اخترت موضوعا يتعلق بالسامعين لأتحدَّث عنه، لم آتِ اليوم لكي أحدثكم وأخطب فيكم خطبة حماسية لأقول انفروا نصرة لدرعا أو لغير درعا وقوموا كي نجاهد نُصرَةً لها، فأنا أعلم بأن جُلَّ من في مسجدنا مجاهدون صادقون موقنون وعارفون، مُقدِمون بإذن الله لا يتراجعون.

ولكن ما نفع الكلام أصلًا مع من لا يستطيع له سبيلا، كثير من الناس أسمعهم يقولون على الأئمة والخطباء أن يحرضوا الناس على الجهاد، وهل ترك الناس الجهاد أصلًا؟! وهل الأمر بيد الناس؟! هذا الكلام يجب أن يقال للقادة والمتصدرين، يقال لمن يملكون مفاتيح مستودعات السلاح والذخيرة، يقال لمن يعرفون أي خُبِّأت الدبابات، أين مداخل مغاراتها ومخارجُها، نقول ذلك لمن يقدرون على اتخاذ القرار، لمن يقدرون على تحريك الجنود والآليات… نقول ذلك ولا نكل ولا نمَل ولا نقصِّر معهم ولا بهم نُصحًا وأمرًا ونهيا وزجرًا، أمّا أن نأتي لمن لا يملكون ذلك ولا يقدرون على ذلك، وتأتي التعميمات قولوا للناس انفِروا للجهاد، فهذا تمثيلٌ وكذِبٌ واستهزاءٌ بالناس واستهزاء بالمنابِر وبشرع الله…

أنتم أيها الناس أنتم معكم مفاتيح مستودعات السلاح؟ أنتم تعرفون أين خُبِّأت الدبابات؟!!

هذا الكلام يقال للقادة والمتصدرين، أمَّا الناس فنحن موقنون بأن هذا الشعب الصابر المجاهد مستعد للنفير في كل لحظة، كُلُّنا ثِقة بهمَّة شبابنا ورجالنا وشيوخنا متى بدأ الزحف وأُعلِن النفير.

لذلك أيها الأحبة آثرت اليوم أن أتحدث عن أمرٍ آخر، آثرت اليوم أن أتحدث عن ظاهرةٍ تتكرَّر معنا كُلَّما اشتدّ الخَطب وضاق الخناق على المسلمين، كلما زادت حرارة الفتنة واشتدَّ لهيبها، مدَّت الضفادع رؤوسها، وخرَجت الأفاعي مِن جُحورِها لتنفُثَ في أسماعِ الناسِ سُمومَها، وما أشبه اليوم بالأمس،
((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15))) [الأحزاب:12-15].

حُجَّة المنافقين وحُجَّة الضفادع في كل زمان ومكان، ولقد رأينا من ضفادع درعا من سلَّم سلاحه وترَك عتاده بحجة أن بيوتنا عورة ولا نريد لنسائنا أن تتشرد من القصف (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا).

نعم أيها السادة، أولئك المنافقون وأتباعهم اليائسون أولئك الذين يقولون: “مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا”، أولئك الذين يدعون للمهادنة والاستسلام، أولئك الذين يلومون الضحيَّة على بكائها وصراخها لألمها، يلومن هذا الشعب المسكين الذي ذُلَّ وأُهين خمسين سنةً، يلومنه على ثورته، يلومن الضحية على بكائها، أولئك المنافقون والعملاء والطابور الخامس الذي كُنَّا في كل مناسبة نحذِّر منه ونخوِّفُ غدره، أولئك يستثمرون مثل هذه الأوقات فيتأثَّر بهم من كان على شاكلتهم، ومن كان حاله قريبا لحالهم؛ من مهزوزي الإيمان وضعيفي اليقين بالله الرحيم الرحمن، أولئك الذين يعبُدون الله على حرف، أولئك الذين يرتَدون عن فكرتهم – بل وعن معتقدهم- عند الابتلاء: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)) [الحج: 11]. خسر الدنيا وزاد عليها خسران الآخرة بمخالفته لأمر الله.

فرقٌ كبير -أيُّها السَّادة – بين قلبٍ يعتصرٌ ألمًا على حال ثورتنا، ويتكلَّم ساعيًا في توجيه الناس لإصلاح هذه الثورة مؤمنا بعدالة فكرتها وسمو غايتها ساعيًا لأجلها مضحيًّا في طريقها، فرقٌ كبير بنه وبين من يهتز إيمانه فيرتدُّ عن فكرته أصلا ويحنُّ للعبوديَّة والدَّعة، يحِن لحياةِ الأنعام التي لا تعدوا أكلًا وشربًا وتكاثر،
((إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) [الأنعام:44].

أولئك المهزوزون الذين يتأثرون بكلام المنافقين المُرجِفين الذين وجَّه الله نبيَّه الأمر بوجوب حسم أمرهم وبوجوب التعامل معهم تعاملا يتناسب وخيانتهم لكي يكونوا عبرة ولكي يرتدع غيرهم، أولئك الذين ينشرون الإشاعاتِ ويُرجِفون بين الناس ويُخذِّلون بينهم، أمر الله نبيه قائلا: ((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)) [الأحزاب : 6].

خطأٌ كبير ارتكبناه يوم تركنا أولئك، يوم تركنا الطابور الخامس للعدو، يجاورنا ويساكننا، خطأٌ كبير يوم قصَّرنا في استئصالهم وفي فضحهم وفي إخراجهم من بين ظهرانينا، الطابور الخامس من الشبيحة والنبيحة والمؤيِّدين الذين لا نأمَن غدرَهم ولا نأمن خيانتهم، بالإضافة لما يمارسونه من حربٍ نفسيَّةٍ بين الناس، أولئك ما كان لنا أن نتركهم بين ظهرانينا، أولئك الذين نسمع من أجبنهم إن عجز عن الكلام نسمع منه الفتنة الشهيرة القائلة التي يفت بها عضد العوام عندما يقول: كنَّا عايشين!!!…  كنا عايشين قبل الثورة، وسأقف قليلًا مع قولهم: “كنَّا عايشين!”

كنت يا إنسان عايش والكلاب عايشة والحيوانات عايشة… عندما تسمعون أمثال أولئك يقولون مثل هذا الكلام، اسألوهم: هلَّا عرَّفتمونا بمعيارِكم للعيشة البشرية، هل عيشةُ البشر عندكم هي عيشة الكلاب والأغنام والأبقار تأكل وتشرب وتبذُر الذرية، هذه العيشة التي كُنَّا نعيشها، هل هذا هو معيار المعيشة؟؟! أن تأكل وتشرب وتلحق شهواتك، أم هو غير ذلك ممَّا يليق بالكرامة الإنسانية، ممّا يليق بالكرامة البشرية، ممّا يليق بالبشر الذين كرمهم الله تعالى؟! ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) [الإسراء: 70].

نعم أيّها الأحبة هذا أول سؤال يجب أن يسأل به لأمثال أولئك ولمن يتأثر بكلامهم، كنت عايش، نعم كنت عايش ولكنك لم تكن تعيش في سوريا وطنا لك، في سوريا بلد الجميع، في سوريا التي تأكل من خيراتها، وتعطيك حقوقك وتقومُ بواجباتك، كنت عايش في سوريا الأسد، فرق كبير بين أن تعيش في وطن يحترِمُ حقوقَك ويُكرِّم إنسانيتك وتُعامل فيه كإنسان، كمواطنٍ محترم، وبين أن تعيش في مزرعة الأسد!

في بلادنا كان أي غريب يأتي للبلاد يأتي محترما ومصونا أكثر من ابن البلد المذلول المُهان، كنت في بلدك تعمل فيه وتخدمه وتعمُره وتحميه وتدفع فيه الضرائب وكنت تُذلُّ دائما.

كيف لا وقد كان ابن الأكثرية السُّنية يُعامل كمتطفلٍّ وكضيفٍ ثقيلٍ مكروه وهو على أرضه التي نسبوها لهم زورًا وبهتانًا فغدت سورية، سوريا الأسد اسمًا، ومزرعة آل الأسد ومن فيها عبيد ودوابٌّ لهم فعلًا…
وهذا شأن الطواغيت في كلِّ زمانٍ ومكان، وقد وصف الله لنا حالهم حين قال: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)) [إبراهيم : 13].

((لنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا)) الجبابرة والطواغيت في كل زمان يعتبرون الأرض أرضهم، والخلقَ عبيدَهم أو خدمٌ عندهم، لذلك ينسبون الأرض لأنفسهم…

إمَّا أن ترجع لمِلتنا وتعودَ عبدًا عندنا أو سنهجرك من أرضك!!

((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)) فماذا كان الجواب الرباني: ((لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)) وقال تعالى: ((إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [الأعراف:128].

العاقبة، الجولة النهائية، للمتقين؛ الذين يتقون الله وينصرون دين الله ويأخذون بالأسباب ويعدون لعدوهم ما استطاعوا من قوة.

نعم أيها الأحبة (لنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا) ينسبون الأرض لهم، برأيكم لما سمَّوها سوريا الأسد هل كان هذا مجرد اسم، لا طبعًا، بل كانت تلك دِلالةٌ صريحة على ممارساتٍ عِشناها وعاشها آباؤنا وعانوا ألمها عشرات السنين؛ فبالإضافة لمعاملتك كمتطفل أيها السُّنِّي وكضيف ثقيلٍ في وطنك، فلابدّ من إشعارك بأنَّ كلَّ ما على هذه الأرض هو لأسيادك، وأنت مجرد عبدٍ خادمٍ عندهم وكلُّ ما تأخذه من أرضك وأرض أجدادك هو منحةٌ منهم …

منحة السيد الرئيس، مكرمة السيد الرئيس!! تقول هو جايبها من بيت اللي خلفوه!

لما نزلوا من جبال النصيرية ما كان معهم ثمن لباس يسترون به عوراتهم، الفقر يذبحهم، كانوا لقلة شرفهم ولهوان عرضهم وهم عديموا الدين والأخلاق والشرف، كانوا يبيعون بناتهم وهنَّ أحرار يبيعوهنَّ كالعبيد في مدن السنة لكي يعملنَ خادمات في البيوت، هكذا كانوا، ثم الآن أصبحت البلد كُلّها بما فيها من حجر وبشر وثروات ملك لهم، ويمنون علينا قائلين: “منحة السيد الرئيس”!!

رئيس تركيا رجب طيب أردوغان قال لشعبه في خطاب: “لا أحد يقول أني منحت الناس شيئا هذه خيرات تركية أعطيها للشعب التركي، لا أدفع شيئا من جيبي”.

أما نحن يعطوننا من أموالنا ويحاصِصونا في أرزاقنا وبعدها يقولون: “منحة ومكرمة”، هذه العيشة التي كنت تعيشها… أضف إلى ذلك: الإفساد المنظم للأخلاق والقيم في هذا المجتمع المسلم المحافِظ العريق، هذا المجتمع الذي كان يوصف بالتديُّن والحشمة والأدب… ترى فيه الإفساد المنظم لأخلاقه وقيمه في التلفاز وفي الجرائد والمجلات وفيما ينشرونه للناس، في المناهج التي يعلمونها لأبنائنا وأولادنا، حتى في المساجد وضعوا عبارة “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن” نَكايَةً بقوله تعالى ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) [الجن:18]، قال لهم حافظ أسد سأضع اسمي على كل جامع، هذه هي العيشة التي كنت عايشها، بل ويأتي بعد ذلك؛ بعد المدرسة ومناهجها المُخرَّبة المُفسِدة، التي قد ينجو البعض من افسادها، فقد يسعى الشخص في تربية أولاده وصيانتهم وتعليمهم وفي محاربة هذا الإفساد الذي كانوا يعيشونه فيأتي الولد ما إن يصبح شابا حتى يُرسَل سنتان لكي يخدم إلزاميًا في جيش الذي حرس إسرائيل، حرس اليهود خمسين سنة، لماذا يذهب الشاب إلى الجيش؟ يذهب كي يخدمهم ويعمل في مزارعهم أو لكي يهرب ويدفع لضباطهم المعلوم الشهري وفوق هذا كله يُعلَّم الكفر بالله، ويمنع عن الصلاة ويحارَبُ في دينه… دورة لمدة سنتين متتابعتين من الإفساد، تعليم الفساد تعليم الرذيلة، تعليم الكفر، وترك الصلاة …. كل هذا حتى إذا ما كنت قد أحسنت تربية ولدك أن يخربوه عليك في سنتين. هكذا كنا، ثم يقول لك: “كنّا عايشين!”.

كان أحدنا أيها السادة إذا قِدم إلى وظيفةٍ فلا فُرصة لديه، إمّا أن يدفع الرشوة وإما أن يكون له واسطة، كان إن ذهب إلى أي مكان ينظر فيه أهو سُنِّي من حلب وحماة ودمشق وحمص أم هو نُصيري أو دُرزي أو اسماعيلي ليُبوَّأ المكان ويوضع في المناصب!

حتى على مستوى الوظائف الدنيا هل تعلمون أن مدينة حلب وهي ثاني أكبر مدينة في سوريا كان نصف الكادر التعليمي في مديرية التربية مُكلفين بساعات – أي غير مثبتين – وكانت التربية كل سنتين – أو أكثر أو أقل-  تفتح مسابقة لتعيين المعلمين، والله أيها الإخوة كانت تأتي عشرات المكاري من الساحل، تأتي البنات العاريات من الساحل والمطلوب توظيف معلمين بحلب فيُثبَّتن ويُعيَّن، يداومون ستة أشهر أو سنة بعدها يُحوَّلون للساحل، حيث كان بعض المعلمين والمعلمات يأخذون رواتبهم دون أن يداوموا لأنه لا يوجد مكان والمدارس ممتلئة بالكوادر، وفي المقابل المدرسين في حلب نِصفهم كانوا مكلفين بساعات لا يعينون ولا يُثَبَّتون، وهذا على مستوى مدرسة.

الجمعيات السكنية الفاخرة كان نصفها للمسؤولين ولأزلامهم ولأتباعهم، سأضرب لكم مثالا بسيطا مما تسمعونه حاليًا في الأخبار، الآن كل المشكلة بين روسيا وأمريكا هو الصراع على شرق سوريا، شرق سوريا الذي كان أزلام النظام البعثي يسمونه لنا: “المناطق النائية” ، شرق سوريا الذي كان طلابه يدخلون الجامعات بعلامات أقل لأنهم أولاد المناطق الفقيرة النائية، تخيلوا الآن روسيا وأمريكا تتقاتل على تلك المناطق لما فيها من ثروات، فيها النفط وفيها الغاز ونهر الفرات (بحر من ماء حلو يمكن من خلالها استصلاح جميع أراضي الصحراء السورية) كما تحوي على الألماس والفوسفات والغاز وكل الثروات، والآن الصراع الأمريكي الروسي الإيراني من أجل السيطرة على الشرق، ومع كل هذا فقد كانت تلك المناطِق مُجهَّلة فقيرة، تذهب كل خيراتها بعقود سرِّية خاصة مع الشركات الأجنبية لجيوب آل أسد وآل مخلوف وآل شاليش، ويقول لك: “كنت عايش!!”

كان أحدكم إذا أراد أن يفتح معملا ليخدم بلده، إذا كان المعمل كبيرًا فلا بدَّ له أن يشارك ضابطا في الأمن وإلا ستُعرقَلُ المعامَلة ولن يُفتح هذا المعمل.

كان أحدكم إذا قال كلمة واحدة عن رئيس الدولة أو عن أي مسؤول فيها يمكن أن يدخل لأقبية المخابرات فيُعذَّب أشدَّ العذاب سنين طويلة وقد لا يخرُج منها أبدا، وبعدها يقول: “كنا عايشين!!”

كنا عايشين في بلد، الأب –حافط أسد – قتل فيه خمسين ألف إنسان، لما دخلوا على حماة قتلوا فيها خمسة وثلاثين ألف إنسان، وأكمل على البقية في سجن تدمر، ثم بقول لك: “كنَّا عايشين”!!!

كنتم عايشين عيشة لا ترضاها الكلاب، هذا ما يروجه الضفادع بيننا أيُّها السادة، ثم يأتي البعض ليقول لي: “يا شيخي أنت تتحدث عن أولئك ولكن الآن نرى ظلما من الفصائل”!؟ يا أخي الفصائل عندها ظُلم، الفصائل غلطت، الفصائل عندها أخطاء، الفصائل عندها تجاوزات، ولكن الله تعالى يقول وقوله الحق: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” [المائدة:8]

الفصائل عندها ظلم؟ طبعًا الظلم هو ظلم، الجريمة جريمة ولو طُبقت على واحدٍ أو ألف، ولكن أيُّ وجهٍ للمقارنة، أي ظلم في المقارنة هذه!!!

تقارن بين من قتل عشرات آلاف بل مئات آلاف الناس قبل الثورة وفي السجون وبعد الثورة قتل مليون إنسان وشرد عشرة ملايين وسجن عشرات الآلاف من الناس لأنَّهم أبو أن يكونوا عبيدا عنده، تقارِنه بظلم الفصائل!!

والله لو جمعت كل الظلم التي قامت به الفصائل – أكبر ظلم قامت به الفصائل أنهم كانوا مفرقين وأفسدوا الثورة بنزاعهم وتشتتهم – أما ظلمهم المباشر على الناس كسجنٍ أو تعذيبٍ أو قتل… فوالله كله لا يعدو واحد بالألف ولا نقطة في بحر ظلم وإجرام نظام الأسد.

ثم أيها الأخ، أيها الإنسان، أيها المستمع الكريم، هؤلاء أبناء الفصائل أتوا من كوكب آخر؟ أليسوا أبناءكم؟ أليسوا تربيتكم (أنت وأبيك وجدك وعمك وخالك)؟ هذه التربية التي كُنّا فيها، والإصلاح في المجتمع يحتاج زمنا، يحتاج وقتا، إياك أن تقارن مقارنةً لا تصِح أبدا.

وبعد كل ما ذكرنا من ظلم أولئك وإجرامهم، فعند المؤمنين وعند المسلمين عند من تعلقت قلوبهم بالله هناك أمر أهم وأخطر من كل ما ذكرنا، وهو الذي قال الله تعالى عنه: ((وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة:217].

قبلَ كل ما ذكرنا من أمور الدنيا عند أهل الإيمان وعند أهل الإسلام مصيبة إفساد الدين مصيبةٌ أكبر، مُصيبة أن يفسد دين ولدك ويفسد دين بنتك ويفسد دين أهلك وأن تحارب في دينك وأن يصنع تصنيعا مشايخ ضلال ينشرون الباطل وينشرون التشيع وينشرون ما لا يرضى الله تعالى عنه … ولعلكم جميعًا سمعتم بمكاتب زواج المُتعة التي فتحت في حلب – التي احتلها النظام أعادنا الله إليها فاتحين -.

دعارة منظمة علنًا، فيما مضى الذي كان يسعى وراء الحرام يتخفى، يخشى من الناس، قد يأنبه ضميره قليلا، الآن الدعارة علنية ومغطاة باسم الدين حتى لا يشعر بتأنيب الضمير، مكاتب لزواج المتعة يعمل له معمم عقد فيه: فلان يستمتع بفلانة لمدة أسبوع مقابل خمسين ألف ليرة ويوقع عليها الشيخ المُعمم الشيعي فلان الفلاني.

إفساد الدين، هذا عند المسلمين المؤمنين أعظم وأكبر من إفساد الدنيا وهذا لأجله يبذل المؤمنون المُهَج، ويبذلون الأرواح، ويجاهدون في سبيل الله لصون دين الله ولحماية دين الله، نعم أيُّها الأحبة، هذا الكلام أقوله لكل من اهتز ضميره، ولكل من اهتز عقله وقلبه، بما يروجه المبطلون، بما يروجه الضفادع، بما يروجه أفاعي الطابور الخامس، بما يروجه من يجلس بيننا ويأكل من طعامنا ويقاسمنا رغيفنا ثم يشتمنا ويسُبُّ علينا، يا أخي إذا النظام عاجبك كل هذا انقلع وخلِّصنا منك، الله عز وجل قال للنبي ((ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)) [الأحزاب : 6]

لا بد أن نُطهِّر صفوفنا من الشبيحة والنبيحة وأتباع النظام، نعم يجلس معنا ويسبنا، إذا هذا المكان سيء وأنت حاقد على من حرر هذه الأرض وبذلوا دماءهم والمهج لتحريرها وأنت تقول أن الخدمات عند النظام أفضل فمالذي يُجلسك بين ظهرانينا، لماذا تجلس بيننا وتأكل طعامنا وتقاسِمُنا رغيفنا ثم تتحدث عنا بسوء، اذهب إلى معبودك ومحبوبك ومتبوعك وكُن معهم واقعد معهم أو تب إلى الله، وأصلح بينَك وبين الله، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

يا جماعة هذا المكان الذي نعيش فيه هو من بين بُقعٍ صغيرة على الأرض (ريف حلب الغربي وإدلب وغزة في فلسطين وبضعة مناطق محررة في أفغانستان هي المناطق الوحيدة التي لا تخضع لسُلطة الحكم العالمي الصليبي) هي المناطق الوحيدة التي فيها مسلمون سُنَّة يعشون بكرامة، كل الدول العربية إما تحكمها أقليات سُلِّطت على المسلمين السنة أو يحكمها عملاء.

هذه المناطق سببت مشكلة للنظام العالمي لذلك الآن كل دول الأرض تحاول إنهاء المشكلة في هذه المناطق، أنت في مكان تعيش فيه عزيزًا كريمًا، متساوي الفرص، لا تمييز طائفي، تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتأمن على عرضك وعلى بنِيك، أنت هنا في المناطق المحررة تعيش في مكان وحيد في العالم تأكل من خيراته ولا تقدم له خدمات ولا تؤدي واجِبات!!

لنا ست سنوات المناطق المحررة نعيش فيها وهناك من يعيش في هذه المناطق ولا يقدم لها شيء، كل دول العالم حتى لو ذهبت إلى ألمانيا لك حقوق ولكن عليك واجبات؛ عليك التزامات مادية ومعنوية، عليك قوانين يجب أن تلتزم فيها، وعندما تأتي الحرب – حتى الأمريكي عندما تأتي الحرب – سيدافع عن وطنه.

نحن في مناطقنا يجلس أولئك المنافقون، يأكلون من طعامنا، ويقسِمون رغيفنا، وتأتي الحرب فندافع عنهم وهم يجلسون متفرجين بيننا، ثم بعد ذلك يسُبون على هذه المناطق وعلى هذا الحال الذي فيها، من لم تعجبه هذه المناطق فليذهب إلى النظام، فليذهب عند معبوده ومتبوعه ذلك الذي زين لك الشيطان أنه أفضل من مناطقنا.

لا يوجد مكان، ولا بلد في العالم يداهمها العدو ويجلس شبابها يتسكعون على الطرقات يشربون القهوة ويأركلون ويدخنون وإخوانهم يدافعون عن أعراضهم!!! لا توجد أرض في العالم يحصل فيها هذا! ثم بعد كل هذا يجحدون هذه النعمة ويكفرون هذه النعمة ويسيئون لمن أعانهم وحماهم ودافع عنهم!!

إخواني فلنأمر بالمعروف ولننهَ عن المنكر والحال صعبٌ كُلنا مستاؤون منه فلنفضح المفسدين ولنفضح الضفادع والمرجفين ونشهر بهم… عسى الله أن يعجِّل لنا بفرجٍ قريب عاجِل، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين

 

الخطبة الثانية: مقدِّمة ودعاء.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *