الرئيسية / خطبة الجمعة / أسس ومرتكزات التربية الإيمانية

أسس ومرتكزات التربية الإيمانية

خطبة الجمعة - أسس ومرتكزات التربية الإيمانية

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

أسس ومرتكزات التربية الإيمانية

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 25 دقيقة.

التاريخ: 27/رجب/1439هـ
الموافق: 13/نيسان/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ تذكيرٌ بأهمية التربية والتزكية.
2️⃣ التربية ثلاثة: تربيةَ البَدَنِ والعقلِ والروحِ.
3️⃣ حتى تربية البدن لا نقوم بها بشكل صحيح!!
4️⃣ التربية تقوم على مرتكزاتٍ مِن العقائد والقيمِ والأفكار.
5️⃣ المرتكزات الستة للتربية الإيمانية.
6️⃣ من لم يُعظِّم المُرسِل لن يُعظِّم الرسالة.
7️⃣ اليقين بوعد الله ووعيده.
8️⃣ مُطلق العبوديَّة لله وإفرادُه بالحاكِميَّة.
9️⃣ الصبر والتضحية يُعين عليهما الإيمان باليوم الآخِر وبأن الآخرةَ هي الباقية.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة االثانية:
🔟 هل يجوزُ الفرَح بالضربات الأمريكية لأعدائنا – هذا إن تمَّت – وهل يُعتبر ضربُ الكفَّار لأعداء المسلمين من أوجُه نصرِ اللهِ للمؤمنين؟؟

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ إخوة الإيمان؛ كنَّا قد تحدَّثنا في لقائنا الماضي عن أهمِّية التربية والتزكية، كنَّا قد تحدَّثنا عن مهمَّة النبيِّ والأنبياءِ مِن قبلِه، ((يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [آل عِمران:164].

تحدَّثنا عن التربية وأهميَّتِها وخطورتِها، وقلنا بأنَّا إن تمعَّنَّا في كثيرٍ من مشاكِلنا، وفي أسباب ضعفِنا وفشلِنا وسوء تقديرنا وفسادِ اختياراتنا، إن تمعَّنا في أسباب ضعفِنا واختراقِنا وانهزامِنا… لوجدنا بأنَّ مَردَّ كثيرٍ من ذلِك يعودُ إلى ضعف التربية وعدم الاكتراث بها، فالعدو الأكبر هو الذي يأتي من داخلنا، من داخل نفوسِنا، مِن داخل أُسَرنا، من داخل مجتمعاتنا، ومن بين صفوفنا، لذلك كانت التربية وكانت التزكية، وكان إصلاح النفوسِ وصقلُها، من أَوْلى أولويات التغيير والإصلاح.

عندما نتحدَّث عن التربية -والتربية تعني العناية- لابدَّ أن نعلم أنَّ التربية المتكامِلة للإنسان تشمل ثلاثًا، ((تربيةَ البَدَنِ وتربيةَ العقلِ وتربيةَ الروحِ))، ثلاثٌ يجب العنايةُ بها عندما تربي أبناءك، ((تربيةَ البَدَنِ وتربيةَ العقلِ وتربيةَ الروحِ)).

 أمَّا تربية البدن فتكون بما يُغذيه ويُصلِحُه ويقوِّيه ويحمِيه، وهذه غريزةٌ وفطرةٌ جعلها الله في قلوب الآباء تجاه الأبناء، عندَ البشرِ وغيرِهِم مِن الكائنات، ترى الوالدة والوالِد يجهدان في تغذية أولادِهِمُ الصغار وحمايتِهم حتى يكبروا، ولعلَّ جُلَّ تربية بعض أُسرِ مجتمعنا لأولادِهم لا تتجاوز هذه التربية الغرائزية التي تقوم بها الحيوانات كما يقوم بها البشر؛ فبعضُ النَّاس يُربُّون أولادهم فقط بإطعامهم وتسمين أجسامهم، كما تُربي الحيوانات أولادها، بل حتى هذه – التربية البدنيَّة – حتى هذه كثيرٌ من أسَرنا لا تُفلِح فيها، فتربية البدن لا تكون بإطعامِه فقط، بل بتقويته وحجبِ ما يضرُّه عنه، فكما تهتمُّ بإطعامِ ولدِك، لابدَّ مِن أن تهتمَّ بتقوية جسدِه، فلابدَّ أن تعنى برياضته وتدريبِه وتمرينه، ومراقبته لحجبه عمَّا يضُر أو لا ينفع، وتوجيهه إلى ما ينفع بدنه ويقويه، ليكون ذا جسدٍ قويٍ قادرٍ على تحمُّل المشاق، ليكون شابًا صنديدًا قويًّا أهلًا لنُصرةِ دين الله، فالمؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، والعقل السليم في الجِسم السليم… ولن أطيل الحديث عن التربية البدنية فالمعنى مفهومٌ واضِح.

أمَّا التربية التي هي محور حديثنا، ومحور اهتمامنا اليوم فهي تربية العقلِ والروح، تلك التربية التي ذكرناها في الأسبوع الماضي وقلنا بأنها قائمةٌ على (مرتكزاتٍ أساسية من العقائد والقيمِ والأفكار)، وحديثنا اليوم أيَّها السادة عن العقائد فقط، حديثنا عن المرتكزاتِ الإيمانية الاعتقادية، ولقد ذكرنا سابقًا على منبرِنا بأنَّ ((العقيدة: هي اعتقادٌ يقينيٌّ جازمٌ مُطابقٌ للواقع لا يقبل الشكَّ أو الظن، يتملَّك نفسَ الإنسان حتى يكون مصدَرَ توجُّهاتِه واختياراتِه ومنبع سلوكِه)) ، إنها العقيدة، وكل ما يقبل الظن والشك في نفسِك ليس بعقيدةٍ تعتقِدها، لذلك وجب الاعتناء بها، ووجَبَ التركيز عليها، يجب أن أعرف تماما أُسُسَ الإيمان التي يجب أن أغرِسها في قلب ولدي منذ نعومة أظفارِه، بصورةٍ غير مباشرةٍ قبل أن يعي حتى، وبصورةٍ مباشرة واضِحة عندما يعي ويفهم ويكبُر، أسس الإيمانِ – أيُّها السادة – يجب أن تكون محورًا أساسيًا من محاور اهتمام المربي، أبًا أو أمًّا، شيخًا أو معلِّمًا، لابد أن نتعاهدها إخوةً وجيرانًا وأصدقاءً نذكِّر بها بعضنا بعضًا، فمن ضعُف إيمانُه استسلم عند أوَّل مصيبة وسقَطَ عند أوَّل فِتنة.

ولقد أطلنا الحديث في لقائنا الماضي عمَّن سقط في أوَّل فتنة المال أو السلطة أو القوَّة لأنَّه لم يُربَّى تربيةً صحيحة كافيَةً وافيَة.

أسس الإيمان، أسميناها أسُسًا ومرتكزات لأنها أصلٌ يتفرع عنه ما بعده، أسُس الإيمان – أيها السادة – لا أقصد بها أركان الإيمانِ المعروفة؛ ((الإيمانُ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، والْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ))، بل أتحدَّث اليوم عن مرتكزات هذا الإيمانِ وعن أُسسِه.

مُرتكزاتٌ سِت يجب أن نرسِّخها في قلوبنا وأن نغرِسها في قلوبِ أبنائنا، وأوَّلُها: تعظيمُ الله تعالى.

تعظيم الله في النفوس، ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الزُمر:67]

من لم يُعظِّم اللهَ لن يُعظِّم حُرماتِه، من لم يُعظِّم اللهَ لن يتحرَّ الحلال والحرام،
لذلك كان لابدَّ من تعظيمِ الله أوَّلا في النفوس، بأن نعلم يقينًا بأنَّ الله تعالى هو: الضارُّ النافع، المُعطي المانِع، المُعِزُّ المُذِلُّ، المُنتقِمُ العَفُوُّ، القديرُ القادِر الجبَّار العزيز القهَّار المنتقِمُ الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

تعظيم الله في النفوس، لابدَّ من غرس ذلك في قلوبنا وفي قلوب أبنائنا وبناتنا، إخواننا وأخواتِنا، أزواجِنا وذُرِّيَّاتِنا، لابدَّ دائمًا مِن التذكيرِ بعظيم قدرة الله، لابدَّ دائمًا مِن التذكيرِ بكماله وجلاله وجماله، لابدَّ من الترغيب بثوابِه والترهيب من عِقابه، لذلك قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

“إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ القرآن سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ  فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ …” [بعضٌ مِن حديثٍ أخرجه البخاري] فما قيمة كلمةِ الحلالِ والحرام عند من لم يُعظِّم الله؟!!

وأنَّى لم يُعظِّم الله حق تعظيمه، ولم يعرِفه حقَّ معرفته، ولا وصَفه حقَّ صِفته، أن يُطيع أمرَ الله وأن يجتنِب نواهيه؟! ((مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)) [نوح:13-14]، أنَّى لمن لم يعرِف المُرسِل أن يُعظِّم رسالتَهُ وأن يُعطيَها حقَّها وأن يعرِف قَدْرها، وما معنى الحلال والحرام عند من لم يُعظِّم الله ولم يؤمن بالحساب واليومِ الآخِر.

الباب الأول: تعظيمَ اللهِ في النفوس، أمَّا الباب الثاني من أبواب التربية الإيمانية، فهي تربية اليقين بوعد الله تعالى ووعيدِه، فعلى حسَب يقين العبد بالمشروع؛ يكون صبرُه على المقدور، وقد قال الله تعالى مخاطِبًا نبيَّه، ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)) [الروم:60]، فالذين لا يوقِنونَ بالله، يستخِفُّون بِحُرمات الله يستخِفُّون بوعد الله ووعيدِه، بل ويدفعون غيرهم إلى الاستخفاف بها، أما عباد الله المؤمنين فأولئك الثابتون بما أيقنوا بأنَّ وعدَ الله حق، قال الله في حقِّهم:
((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) [السجدة:24]. يوقنون بوعد الله فيرجون رحمته ويخافون وعيدهُ وعذابه، يوقِنونَ يقينًا لا يقبل الشك بأنَّ ما قدَّرَه الله كائن، وأنَّ مُرادَ الله نافِذ.

هذا – أيها السادة – مرتكزٌ أساسٌ يبعث الثقة الدائمة والطمأنينة المستقرَّة في نفوس المؤمنين فلا يعرِف اليأسُ طريقًا إلى قلوبِهم، ولا يعرِف الذُلُّ سبيلًا إلى منهجهم، وهم الذين جعلوا بالله وحده ثقتَهم، وعلى الله وحدَهُ اعتمادهم وتوكُّلَهُم، وهذا كان أساسًا فيما ربَّى النبي – صلّى الله عليه وسلّم –  عليه صحبه الكِرام، ليكونوا أهلا لحمل أعباءِ الرسالة، وكلُّنا يحفظ الحديثَ الحسنَ الصحيح الذي أخرجَه التِّرمذي،
عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ : كنت خلف النَّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – يوماً ، فَقَالَ: (( يَا غُلامُ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، وَاعْلَمْ: أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ)).

أي لا كلام بعد هذا الكلام، ما قدَّره الله كائن، لن ينفعك أحدٌ إذا أراد الله ضُرَّك، ولن يَضُرَّك أحدٌ إذا أراد الله تعالى نفعكَ وحمايتَك.

عندما يستقرُّ هذا التعظيمُ لله وهذا اليقين بصِدقِ وعدِ الله ووعيده، تستقِرُّ وتترسَّخُ العبوديَّة لله وحده في نفوس خيرةِ المؤمنين، لتكون العبودية المُطلقة القائمة على الاستسلام لله وحدَه مرتكزًا ثالثًا من مرتكزات التربية الإيمانيَّة للمُسلِم.

العبودية، وما أدراك ما تمامُ العبوديَّة؟! … تمامُ العبودية يكون بإفراد الله بالحاكميَّة والاستسلام للأحكام الشرعية ففيها المصلحةُ الدنيوية والأُخرَوية، ولذلك – أيُّها السادة- كان من أعظم ما يربّى عليه النَّشْءُ: محبة الله ورسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم-  وتقديمها على محبة كل أحد، والاستسلام لأمرهما، والانقياد لِحُكمِهما، وتقديمُ حُكمِ الله ورسولِه على أمرِ كلِّ أحد، ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:65].

من آمنَ بعظمةِ الله، وأيقَن بصدقِ وعد الله كان منه الاستسلامُ المُطلقُ لمُرادِ الله ولشرعِ الله ولو خالَفَ ذلِك هواه، لأنَّهُ يوقِن بأنَّ المصلحةَ الحقيقيَّة هي فيما أمر الله تعالى به وأتى به الشرعُ الشريف.

هذا التسليم – أيها السادة – شاقٌّ صعبٌ على النفوس، إلّا على نفوسٍ أعانها الله على ذلِك، إلَّا على نفوسٍ ثبَّتها الله على ذلِك، إلَّا على نفوسٍ صبَّرت حالها على مُرادِ الله فصبَّرَها الله على مُرادِه، ولذلك كانت التربية على حس الثبات والصبر والتضحية في سبيل الله مرتكزًا أساسيًا رابعًا مِن مُرتكزاتِ التربية الإيمانيَّة للنفس المسلمة، تلك التربية التي بدأناها بتعظيم الله واليقينِ بوعده ووعيده، لتكون تِلك من أهمِّ العوامِل المعينةِ على الصبر، ذاكَ الصبرُ الذي ربَّى النبيُّ – صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ – الصحابة الكِرام وجعلهم يتطلَّعون دائمًا إلى من هو أعظمُ منهم صبرًا.

على رغمِ عظيم تضحياتِهم لم يلتفتوا إليها مُستعظِمين تضحياتِهم في سبيل الله، بل وجههم للتطَلُّعِ إلى من هو أعظمُ تضحيةً منهم، إلى من جاهد أكثر منهم، إلى من بذل في سبيل الله أكثَر مِنهم، ولعلَّ من أوضَحِ ما يصور هذا المشهد، الحديثُ الصحيحُ الذي رواه الإمامُ البخاري عن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ – رضي الله عنه- ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟  [ يوم كانوا مُستَضعفِين في مكَّة يسومُهُمُ الكُفَّارُ سوء العذاب فقال – روحي فداه – :] قَالَ: ” كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”.

تخيلوا أيُّها السادة، خبابُ وسُميَّة وياسِرُ وبلال – رضي الله عنهم جميعًا – وغيرُهُم مِن الصحابة الكِرام، وغيرُهم مِن ضُعفاء المسلمين، ممَّن كانوا يُعذَّبون في رمضاء مكَّة يُصْبَرون في الصحراء ويُطفأُ الجمرُ بشحم ظهورِهم، بذلوا أعظم التضحياتِ لدين الله وكثيرٌ منهم لم يشهدوا نصر دينِ اللهِ وعِزَّهُ وتمكينَه …

ضحوا كلَّ هذه التضحيات ويأمرهم النبي بمزيدٍ من الصبر، ويضرِب لهم الأمثلة عمَّن ضحَّى أكثرَ مِنهم، وعمَّن بذَلَ أكثَرَ مِنهم لأجل دينه، لسان حالِه – روحي فداه- : “اصبِروا فهنالِك من صبَر أكثر مِنكم” ، يربي نفوسهم ويُهيِّئُهم ليكونوا أهلا لحمل الرسالة، ((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) [فُصِّلت:35].

لذلك أيها الأحبَّة، فالتربية على الصبر والتضحية أساسٌ من أسس التربية الإيمانية، لابدَّ أن تُعلِّمَ ولدَكَ على الصبر، ولو كُنت ميسورا لا يجبُ أن تُعطِي ولدَك كلَّما طلَب، لابدَّ من أن تعوِّده على شيءٍ مِن الحِرمان، لابدَّ من تعويده على الصبر، اخشوشِنوا فإنَّ النِعَمَ لا تدوم… التربية على الصبر والتضحية أساسٌ مِن أسُسِ التربيةِ الإيمانيَّة، أساسٌ يجبُ أن يكونَ راسِخًا في نفوس المسلمين، وهذا ما يساعِد عليه أساسٌ خامِسٌ مُهِم يجب أن يكون راسِخًا في عقولِنا وقلوبِنا، خلاصته أنَّه:
لا شيء في هذه الدنيا سيمُرُّ دون حسابٍ (عاجِلًا كان أو آجِل) ،
فإمَّا أن يُعجِّل الله الثوابَ أو العِقاب في الدنيا أو أن يؤخِّره ليومٍ لا تنفعُ فيه الشفاعة ِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، فصبرُ الصابرين وإجرامُ المجرمين وإحسانُ المحسنين وإساءةُ المُسيئين لن تمرَّ هكذا دون جزاءٍ وحساب ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)) [الزلزلة:7-8] … لابدَّ أن نُرسِّخ في نفوسِنا وفي نفوسِ أبنائنا بأنَّه ما من شيءٍ سيمرُّ دون حِساب، فترى ثمرة فِعلك في الدنيا وترى ذلك حاضِرًا أمامك في الآخِرة ((لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)) [النساء:123]. وأين جزاء الدنيا الفانية من جزاء الآخِرةِ الأبدِيَّة الباقية، فالدنيا لا تعدوا شيئًا أمام الآخِرة، ((فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)) [التوبة:38]، ((وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [العنكبوت:64]. وهذا – أيُّها الأحبَّة – هو المرتكز السادسُ الذي يجب أن لا يغيب عن عقل المُسلم ولا عن قلبِه، فيزهد المؤمنُ في الدنيا زُهد العارِفين، يعمُرُها كما أمرهُ الله أن يعمُرها، تكون الدنيا في يدهِ ولا تكون في قلبِه.

ستة مرتكزاتٍ ذكرناها – أيها السادة – هي أسُسُ ومرتكزاتُ التربية الإيمانية، هي أمورٌ لابدَّ أن تكون حاضِرةً في ذهنِك عندما تتعاطى مع ولدِك منذ نعومةِ أظافِره، دونَ أن تلقِّنها إيها تحفيظًا وهو صغير، يجِبُ أن يكون سلوكُكَ يغرُسُ في عقلِه وقلبِه، هذه المرتكزات الستة التي يجِبُ أن تُربَّى عليها أجيالُ الأمَّة المحمَّدية، ليخرُج جيل التمكين والنصر، ولُترفع الراية الإسلامية وليعودَ مجد الأمَّة المحمَّديَّة… أعيدُها باختصار:

  1. تعظيم الله.
  2. اليقين بوعدِ الله.
  3. الانقياد بالعبوديَّة والاستسلام لحكم الله.
  4. الصبرُ على مُرادِ الله.
  5. معرفةُ أنه ما من شيءٍ في الدنيا سيمرُّ دون حساب (عاجِلٍ أو آجِل).
  6. وأن الدنيا ليست شيئا أمام الآخرة. ((وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))
    [آل عِمران:185].

ستَةُ مُرتكزاتٍ تعاهدها واحفظها لتكونَ عقيدةً في قلبِك ومرتكزًا في تعليمِك وتربيتِك لأبنائك، ليقوى إيمانُك، وليزدَادَ يقينُك، لكي تفهمَ السُنن الكونية فهمًا صحيحًا، فالمسلم المتوازن يفهم سُنن الله الكونية ويصِّر على أهدافِه ويصبِر على البلِيَّة، يدفعه في كلِّ ذلِك إيمانه، فإيمانُك أيُّها المُسلِم هو الزاد الذي يدفعك للثبات على الطريق الذي يرتضيه الله تعالى:

تفهَّموا خلق الهادي وسنَّتِه      ***       فالنصر في ديننا للمؤمن الفَهِم

لا تُذهِبوا النفس أحزاناً فكم عَرَضت *** للمصطفى محنة بالصبر لم تَدُمِ

فإن تكونوا خرجتم من مساكنِكم   ***    قسراً فقد أُخرِج الهادي من الحرَمِ

وإن تجوعوا فخيرُ الخلقِ قاطبة    ***     قضى الطفولة بين اليُتم والعَدَم

سلوا بلالاً وعمَّارًا ووالده         ***       عن السلاسل والرمضاء والألم

إن عذَّبوا الجِسم فالإيمان معتصم   *** بالقلب مثل اعتصام الليثِ بالأجَم

* [شعر أحمد فرح عقيلان (1924-1997)]

اللهم يا مُقلِّب القلوبِ والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك، قوِّ إيماننا واشدُد عزائمنا، وثبِّتنا على الحقِّ حتى نلقاك وأنت راضٍ عنَّا، أقول ما تسمعون وأستغفِر الله لي ولكم فاستغفِروه فيا فوزَ المُستغفرين

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتقوا الله عِباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن.

وقبل أن أنهي حديثي اليوم أيُّها الأحبَّة، أودُّ أن أجيب على سؤالٍ متكرر سألني إياه كثيرٌ من الإخوة، بسبب ما يُروَّجُ ويُذاع في الأخبار عن ضربةٍ أمريكيَّةٍ محتملَة لنِظام الأسدِ ومن معه من القوَّات الإيرانيَّة والميلشياتِ الطائفيَّة، فيسأل الأحبَّة: هل يجوز الفرحُ بذلِك؟ وهل يجوز الاستبشارُ بذلِك؟ هل يجوز أن نعتبِر ذلك من نصرِ الله للمؤمنين؟

بعض الناس أيها الأحبة يُشيع اليأس والقنوط بين الناس، يدفعهم لليأس وإن بدت لهم بارقةُ أملٍ ما، وفي مسألتِنا هناك من يجيب الناس قائلًا لهم قولَهُ تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ…)) [البقرة:120].!!!

هذا كلامٌ حقٌّ صِدقٌ صحيح خاطب الله تعالى به نبيَّه، ولكن ما وجه الاستدلال به على سؤالِنا؟!! هذا ليس موضِعَها، فالله تعالى أنبأنا عن أعدائنا قائلًا وقولُه الحق: ((تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)) [الحشر:14].

وإن كُنت أنا شخصيًّا لا أتوقَّعُ أن يحصُل شيءٌ حقيقيٌ من هذه التهديدات، وإن حصَل فللمُسلِم أن يفرح بذلِك، وقد فرِح المسلمون من الصحابة الكرام في حادثةٍ مُشابِهة، يوم بشَّرهمُ الله تعالى: بأن يغلِب الرومُ أهلُ الكتاب المجوسَ الفُرسَ.

في زمن النبيِّ أيُّها الأحبَّة غلبت دولةُ الفرسُ المجوسُ دولةَ الرومِ وهم نصارى أهلُ الكِتاب فاغتمَّ المُسلِمون لذلِك، لِمَ اغتمَّ المسلمون؟!! عدوٌّ لهم غلَبَ عدوًّا لهم!!

ولكِنَّ الأعداء مراتِبٌ أيُّها الأحبَّة؛ (الكفرُ واحِد، ولكِنَّ العداوةَ مراتِب) فالفُرسُ المجوس أشدُّ عداوةً للمسلمين من النصارى أهلِ الكتاب، ولهذا أنزلَ الله تعالى في كتابِه العزيز في مطلِع سورةِ الروم: ((الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5))) [الروم: 1-5]

اللهُ تعالى أنبأنا عن فرحِ المؤمنين بانتصارِ عدوٍّ لهم على عدوٍّ آخَر أشدَّ عداوةً ولؤمًا، ولهذا كان للمسلِم أن يفرحَ ويبتهِج إذا سلَّط اللهُ عدوًا له على عدوٍّ آخَرَ أشدَّ عداوةً وإضرارًا، ولكنَّ المؤمِن قلبُه لا يتعلَّقُ إلا بالله، فيكون توكُّلُه واعتماده عليه وحدَه، لا يتوكَّل على اجتهادِهم وعلى مصالحهم، فهو يعي أصلًا بأنَّهم يُقاتِلون بعضهم بعضًا بناءً على مصالِحهُم الخاصَّة، لا حُبًّا بِنا، ولا ثأرًا لدِمائنا وقتلانا، ولا لمصلحةٍ لنا حقيقيَّة، ولكن لِمصلحةٍ محضةٍ لهم قد يكون فيها مصلحةٌ أيضًا للمسلمين يجوز للمسلمين أن يفرحوا بها…

نسألُ الله تعالى أن يُهلِك أعداءنا جميعا، وأن يُسلِّطَ بعضَهُم على بَعض، اللهم أهلك الظالمين بالظالِمين، وأخرِج المؤمنين الموحِّدين من بينهِم سالمين برحمتِك يا أرحم الراحمين … إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: 2.75 ( 2 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *