أخبار عاجلة
الرئيسية / خطبة الجمعة / التربية والتزكية أولويات التغيير

التربية والتزكية أولويات التغيير

خطبة الجمعة - التربية والتزكية أولويات التغيير

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

التربية والتزكية أولويات التغيير

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 32 دقيقة.

التاريخ: 20/رجب/1439هـ
الموافق: 6/نيسان/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ الآية التي جمَعت مهام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
2️⃣ مهمة الأنبياء قبل النبي.
3️⃣ التزكية قبل التعليم والفرق بينهما.
4️⃣ نماذج من التجارب التي زكَّى اللهُ ورسولُه بها نفوس الصحابة ليكونوا أهلا لحمل الرسالة.
5️⃣ لماذا التزكية أولوية وخطورة حمل السلاح قبل فترة مناسبة من التربية.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة االثانية:
6️⃣ التزكية لإصلاح الحقيقة بينك وبين الله.
7️⃣ أهمية المُربي.
8️⃣ أهمية الأذكار.
9️⃣ أهمِّية وِرد القرآن وماهية التلاوة الموصلة إلى التزكية.
🔟 تعليقا على مجزرة قتل حفظة القرآن في أفغانستان.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كرِه المشركون، فصلواتُ ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ إخوة الإيمان يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )) [آل عِمران: 164]. آيةٌ قرآنية توضِّح للبشرية مهَّام مقام الرسالة النبوية.

منَّ الله على المؤمنين بعظيم فضله وكرمه، فأرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، يعرفونه ويعرفون أصله وصِدقه. يتلوا عليهم آيات الله، يتلوا عليهم القرآنَ موصلًا لهم رسالة الله سبحانه. ويزكيهم، يُربِّي نفوسَهم ويُهذِّبُ أخلاقَهم. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة، يعلِّمهم بالقرآن وبسنته نبيُّنا العدنان، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.

هذا البيان لِمُهِمَّةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد مرَّةً في سورة آلِ عِمران، وورَدَ مرَّةً أخرى في سورة الجُمُعة وفي كِلا المرتين يُرتِّب ربُّنا – سبحانه وتعالى – المهامَّ نفس الترتيب … فلهذا الترتيب معنى خطير وتوجيهُ خبير؛ في كِلاهُما وردت: يزكيهم، قبل أن يُعلِّمَهُم الكتاب والحِكمة، فما فائدة العلوم لِمن لَم تزكو نفسه، وأنَّى لنفوسٍ لم تُزكَّى بأن تكون أهلا لحمل شُعلةِ الدين، أنَّى لنفوسٍ لم تُزكَّى بأن تكون أهلا لرفعِ راية الإسلام ونُصرةِ المسلمين؟!!

التزكية – أيُّها السادة – مهمَّةٌ أساسيَّة بعث الله بها الأنبياء إلى البشرية…

((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19))) [الأعلى: 14-19].

بعث الله الأنبياء بمهِمَّة التزكية، وما أدراك ما التزكيةُ؟… التزكيةُ أيُّها الأحبَّة،
تكون بتأديب النفس، وتكون بالعناية بحُسن السريرة، وبتعظيمِ الله في السِرِّ والعَلن، وتوخِّي ما يُرضي اللهَ بالالتزام بشريعته وعدمِ التحايُل عليها.

عندما نتحدَّث عن التزكية والتربية فنحن نتحدَّث عن منطلقٍ من منطلقات التغيير الأساسية ومرتكَزٍ من مرتكزات بناء الأمَّة الإسلامية.

لن يَحدُث التغيير – أيَّها الأحبَّة – ما لم نبدأ بالاجتهاد على النفوس وتزكيتها، فالانقياد للحال الظاهِر من غير تزكيةٍ ولا تربية قد يورِد صاحبَه المهالِك، فيَسقُط في فِتن الطريق الطويل، وما أكثرها.

كيف لا – أيَّها السادة – والنفوس البشرية غلب عليها الميل إلى الملذَّاتِ الآنيَّة على حساب الوعود الخيِّرَةِ المُستقبليَّة، وفي هذا يقول ربُّنا ربُّ البرِيَّة: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ))
[آل عِمران: 14].

النفوس تميل إلى الملذات الآنية، تميل إلى الشهوات الدنيوية، تميل إلى النساء والأولاد والأموال والأنعامِ والذهبِ والفِضَّة …

النفوس تميل إلى الملذات الآنية، فما الذي يصرفها عنها، وما الذي يحجبها عنها وما الذي يُصبِّرُها عليها؟!

إنّها التزكية – أيُّها السادة – إنّها التربيةُ التي تعزز في القلب تعظيم الله، إنها التربية التي تدفع الإنسان إلى مراقبة نفسه ومحاسبتها دائمًا وتذكيرها بخالقِها ووعدِه ووعيده لكي لا ينسى الإنسانُ ولا تفتُرَ هِمَّتُه، (( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا )) [طه:115]. الإنسان بطبعه ينسى وتضعُف هِمَّتُه، فلابدَّ له مِن التذكير الدائم، لابدَّ له مِن التذكير؛ ((فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) )) [الأعلى: 9-11]. التذكيرُ يكون لِمَن عُلِّم، وهو مقام التربية، وفيها لا بد من أن يُعزِّز المربي في الناس المراقبة الذاتية.

المراقبة الذاتية والقِيَمُ الراقية الأخلاقية لا تكون إلا بالتربية والتزكية… التربية والتزكية – أيُّها السادة – أمرٌ مختلِفٌ عن مجرَّد التعليم؛ كثيرٌ من الناس يتوهم ويخلُط بينهما، كثيرٌ من الناس يظنون أن التعليم هو التربية!!، يظنون أنَّ إعطاء المعلومة فقط هو التربية!! وفي الحقيقة كم مِن متعلِّمٍ لم يُربَّى، كم من طبيبٍ افتقد الرحمة والإنسانية، كم من مهندسٍ لم يُتقن عمله، وكم من معلِّمٍ لم يُخلِص في مِهنته، وكم من طالِب علمٍ شرعيٍّ غدا مُرقِّعًا وباع دينه بعرَضٍ من الدنيا قليل… هؤلاء عُلِّموا وتعلَّموا، لكنَّهم لم يُربَّوا ولم تزكوا نفوسهم.

ولكم ظهر هذا المرضُ واضحًا جليًّا في أيامنا هذه، وقد انتشرت المعاهد الشرعية، والمدارس التعليمية، والحلقات القرآنية، بل وتعددت الجماعات الإسلاميَّة… ولكنَّ مجتمعنا لازال يعاني الأمراض المزمنة الإجتماعيَّة الخطيرةَ السرطانيَّة!!

كيف لا أيُّها الأحبَّة ؟! وهذه المعاهد وتِلك الحلقات، ومِن قبلها الآباء والأمَّهات في البيوت، همُّهم فقط أن يحفظ أبناؤهم، أن يحفظوا القيل والقال، وأن يجادلوا فيما يُسمَعُ ويُقال، لا همَّ لهم سوى العلامات النظرية أو الشهادات الأكاديمية، أو النُصرة التحزُّبية…أين التربية؟ أين التزكِية؟! كيف سيسمو هذا الطفل وهذا الطالب بنفسِهِ وروحِه؟!! أين التزكية؟ أين التربية؟ لا يهتمون بها بل لم يسمعوا عنها أصلًا!!

تلك التزكية التي كانت شُغلَ النبيِّ الشاغِل طيلة حياة وكانت أَولى مهامِّه ومهَمَّاتِه، سنين طويلة يُربي النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أصحابه ليكونوا أهلا لحملِ الرسالةِ وليكونوا أهلا لِنُصرةِ الدين، فليس كلُّ من آمن بفكرةٍ وتبنَّاها يقدِر على حملها، ليس كلُّ من آمن بفكرةٍ يقدِرُ على حملِها ويصبر على مشاق العمل لأجلها، لذلك كان لابدَّ من تربيةٍ مستمرة، ولا بدَّ مِن تذكيرٍ دائم، ووعظٍ متكررٍ حتى تصير المبادئ العقلية والشخصية الإنسانية شيئًا واحدًا؛ لذلك كان أصحاب النبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم- لا يُجاوِزون حفظ عشر آيات مِن القرآن حتى يتعلموا ما فيهن من العِلم ويعملوا بما فيهنَّ من العمل، ” قالوا فعلِمنا العِلم والعمل”.

يكفي لتشخيص مشكلتنا هذه الأيام وللبحث عن حلِّ لها أن نتفكَّر في بابٍ بسيط من أبواب التزكية التي مرَّ بها الصحب الكرام رضي اللهُ عنهم جميعًا، يوم لبثوا في مكَّة سنينًا يتعرَّض لهم الكفَّار بألوان العذاب والإساءة، ولم يأذنِ الله لهم يومها بقتالهم بل كان الأمر لهم بأن يكفوا أيديَهم!!

كيف هذا؟! يُتعرَّضُ لهم بالإيذاء والإساءة، ويُقتَلُ بعضُ إخوانِهم، ويؤمرون بكفِّ أيديهِم؟!! كيف هذا وهم أهل حميَّةٍ عربيِّةٍ، لا يرضى أحدهم الضيم –مِن قبلِ الإسلامِ – ولو قاتل أحدُهم القوم وحده، مع ذلك أُمِروا بمجاهدة أنفسِهم، وأُمِروا بكفِّ أيدِيهم يومها، وكما قال العلماء: ” كان اختبار الصحابةِ الكرام بكف أيديهم ومنعهم من القتال لمَّا كانوا في مكة أعظمَ وأشقَّ على نفوسهم من أمرهم بالقتال”… لِم هذا؟ ما الحِكمة منه؟

ليعلمهم أن الشجاعة والإقدام عند المُسلِم تكون لله وحده لا حميَّةً ولا عصبيةً ولا هوى ولا انتقامًا للنفس.

المُسلِم شجاعته وحميَّتُهُ منوطةٌ بأمرِ الله، يُقدِم حيثُ أمرَه الله أن يُقدِم، ويُحجِم حيث أمره الله أن يُحجِم.

ربَّاهم قبل الإذن لهم بالقتال ليكون قتالُهم منوطًا بأمرِ الله، لا قتال هوى ولا شهوة ولا سُلطة، يُقدِمون حيث أمِروا بالإقدام ويُحجِمون حيث أمِروا بالإحجام.

أما من لم يُربَّ ولم يُزكَّ، فذاك يندفع بحميته وشهوته ولو تزيا بزي المتدينين ولو تمسَّح بمَسوح الملتزمين.

وكذلك أيُّها السادة لو أردنا أن نتفكَّر في مثالٍ آخَر مِن أمثِلةِ  التزكية للصحابة فلنتفكَّر في موضوع النفقة والصدقة، العرب كانوا يتفاخرون بالجود وكرَم الضيافة، فقال الله تعالى لهم: (( وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًاً )) [النساء: 38]. نبههم الله تعالى وحذَّرهم بأنَّ الإنفاق رياءً وسُمعة لا أجرَ فيه، ولا يَصلُح لحمَلةِ الدينِ وأنصارِ الشريعة، فلا بُدَّ من جعل إنفاقهم لله؛ في سبيل الله وحيثُ يرضى الله.

أدبهم الله تعالى، وربَّاهم وزكَّاهم، بهذه التربية – أيُّها السادة – تمّ إعدادُ الجيلِ الأوَّلِ مِن حملةِ الدينِ الذينَ بلَّغوا الرسالة ونشروا الشريعة، جيلِ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإنَّا إن أردنا الفلاح في قابل السنوات لابدَّ أن نعلم بأنَّ العناية بإعداد النواة الصلبة لحملة المشروع الإسلامي ينبغي أن تكون أولى أولويَّاتِنا، وأهمَّ مهمَّاتِنا، لأنّ الأفكار والمبادئ لا تمشي بنفسها ولا بذاتها، إنما يحملها أناس مؤمنون بها، مُخلِصون لها، أشداء ثابتون عليها، أخذوا الوقت الكافي من التربية والتزكية… لا يسقُطون عند أول فتنةٍ بالمال، لا يُفتنون عند أول فتنةٍ بالسُلطة، لا يبغون عندما يكون السلاح بين أيديهم … أمثال هؤلاء لا بدَّ من العناية بتربيتهم وتزكيتهم من الآن لكي يتخلَّص جيل المستقبل من المشاكِل التي نعاني منها اليوم.

ولعل حالنا اليومَ أيُّها السادة أكبر مثالٍ وأعظَمُ شاهِدٍ عن نتيجة غياب التربية والتزكية، لما فقدنا التربية والتزكية، ابتلينا بطغيان بعض المعاني المظهرية على حساب الشعور العام بجوهر الدين، على حساب الشعور والقيامِ بمقاصد الدينِ الأساسية، على حساب الشعور والقيامِ بمقاصد الإسلام الإيمانيَّة والتربويَّة والأخلاقية… صِرنا نرى من يلاحق الناس على النوافل والصغائر، ويقع – مِن حيث يدري ولا يدري – بأكبرِ الكبائر ويترُك أفرضِ الفرائض، وهو يظنُّ أنه يُحسِن صُنعًا.

ورحم الله شيخ المجاهدين عبد الله عزام يوم قال: ((إن حمل السلاح قبل التربية الطويلة للعُصبة المؤمنة يعتبر أمرًا خطيرا لأنَّ حمَلة السلاح سيتحولون إلى عصاباتٍ تُهدِّدُ أمن الناسِ وتقضُّ عليهم مضاجِعهم)).

ولعل هذا ما نراه جليًّا في زماننا، وسيبقى هذا قائما ما دامت التربية آخِر اهتماماتنا، سيبقى هذا قائما ما دام أبناؤنا يذهبون إلى المدارِس والمعاهِد والمساجِد، فيُحفَّظون العِلم تحفيظًا ولا يُربَّوْنَ على مكارِم الأخلاقِ وطيبِ الأنفُس!!

لا تتم تربيتهم ولا تزكية نفوسِهم، لا يُرَبَّونَ على مراقبة الله، لا يُرَبَّونَ على تعظيمِ الله، ما دامت دروسنا ولقاءاتنا وتوجيهاتنا لأبنائنا وبناتنا، قيل وقال، همُّنا فيها الظاهِر، همُّنا الرياءُ ونُغفِل السرائر والبواطِن، نُغفِل الإيمان والإحسان، نخشى البشَر، ولا نخشى الديَّان، نخشى العيبَ ولا نخشى الحرام، فسيبقى هذا حالُنا.

ومتى رأينا أنفسنا نهتمُّ بتربية أبنائنا، نُعظِّم مُراقبة الله في قلوبهم أكثر مِن تعظيم الخلق، ونُعلِّمُهم بأنَّ الحرام يجب الاحتراز منه أولا قبل العيب، ويجِب تحرِّي ما يُرضي الله قبلَ ما يُرضي البشر، عندها فقط نكون على الطريقِ الصحيح لبناء جيلٍ يُحدِثُ التغيير في هذ الأمَّة، اللهم تُب علينا حتى نتوب واغفِر ذنبنا إنَّك أنت غفَّار الذنوب … أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المُستغفِرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]. فاتقوا الله عِباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن. واعلموا عباد الله بأنّ الله تعالى قال وقولهُ الحق: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)) [النساء:49].

تزكيتُك الحقيقية تكون فيما هو بينكَ وبين الله، لا فيما يتحدَّثُ الناسُ عن ظاهِرك، ومازال الحديث عن التزكية، مازال الحديث عن الحقيقةِ والجَوهر، ما زال الحديث عن نفسِك التي بين جنبيك وفؤادِك الذي بين أضلُعِك، ” فالله تعالى لاَ يَنْظُرُ إِلَى أجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ “ [رواه مُسلِم]

الله تعالى، يعلمُ خائِنَة الأعيُن وما تُخفي الصدور، لابدَّ أن تجتهد على نفسِك، وأن تجتهد على إيمانك، لكي تكون عبدًا لله لا عبدًا للناس، فمن يُرائي الناس ويتوخَّى الحلال والحرام أمام الناس فقط فهذا عبدٌ للناس، أما من يعبُد الله فذاك إذا اختلى بمحارِم الناس لا ينتهِكُها، لابُدَّ أن تجتهد على إيمانك وعلى تزكية نفسِك، فإيمانُك هو العُدَّة في الرخاء والشِّدة، وهو المعين على الصبر والابتلاء.

ولكي يكون حديثنا – أيُّها الأحبَّة – حديثًا عمليًّا تطبيقيًّا، فلا بدَّ من أن نتذاكر بعضَ ما وردَ في الشرع من طُرقِ تزكية النفس:

وأوَّلُ تلك الطُرُقِ وأهمُّها: التأدُّبُ على يدِ مُربٍّ صالح تُلازِمُه وتتعلَّمُ مِنه، فمن جالَسَ جانَس، والمرءُ على دين خليلِه.. فأين من بحث لولدِه عن مربٍّ صالحٍ حكيم يسمو بأخلاق الولد وبسلوكه، بحالِهِ قبل مقالِه، بأدَبِه قبل عِلمِه وتحفيظِه؟؟

وثاني طُرُقِ تزكيةِ النفسِ أيُّها الأحبَّة: المداومة على الأذكار المسنونة؛ وهذا بابٌ عظيمٌ جِدًا من أبواب تزكيةِ النفس، فالتسبيح والأذكار – أيها السادة – ليست مجرَّدَ كلماتٍ تُقال هذرمَة، بل هي كلماتٌ تُقال وتكرَّرُ على اللسان لِتُقرِّرَ وترسِّخ اعتقادًا في الجَنان (أي في القلب)… تُرسِّخ في القلب اعتقادًا ويقينًا بالله.

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أكرِّرُها على لِساني لِتُقَرِّر في قلبي تنزيه الله عن كلِّ نقيصة، لِتُقَرِّر في قلبي حمد الله على كلِّ نعمةٍ، لِتُقَرِّر في قلبي توحيد الله وتعظيمه، فلا إله إلا الله؛ لا مُتصرِّفَ في هذا الكونِ إلَّا الله. والله أكبَر وأقوى وأعظم من كلِّ ما نخاف ونحذر… هذا شأن التسبيح أيها الإخوة، تَكرار هذا الكلام، لتترسَّخ معانيه اعتقادًا في القلب.

ويا ليت شِعري، أين نحن ونحنُ نرى أناسًا ظاهره الالتزام والتديُّن، بل إنَّ بعضَهُم درس في المعاهِد الشرعية والحلقاتِ القرآنية، وتراه يُهمِل صلواتِ النوافِل، تراهُ يُهمِل الأذكار، لا وِرد عندَه ولا وارِد، شأنه في ذلك شأن المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم ((وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)) [النساء:142]…. حتى المنافِقين يذكرون الله، ولنهم يذكرونه قليلًا، فما بالك بمن لا وِرد له أبدًا، قالوا: “مَن لا وِرد له فلا وارد له ولا مدد”

ونحن نتحدَّث عن الوِرد فلابدَّ أن نعلم بأنَّ أعظم هذا الوِرد وأولاه بالعنايةِ والذِّكر، القرآن الكريم، رسالةُ الله إلى خلقه، كتابُه المُنزل على نبيِّه المُرسل، رسالةٌ من ربِّ الأرباب ومُسبِّب الأسباب إلى خلقه، رماها البعض وراء ظهورِه وأعرضَ عنها، ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126))) [طه:124-126]

يهجرون القرآن وأحسنهم حالا من يقرأُه من رمضانَ إلى رمضان!!

أبها السادة، لمَّا ذكر الله تزكية النفس من مهامِّ النبي سبقها بقوله: ((يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ))… فآيات القرآن وقراءته بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ بابٌ عظيمٌ من أبواب التزكية، ومدخلٌ أساسٌ لها ولهذا قدَّمه الله في الآيات، ولكن أي تلاوةٍ نقصد وأيها نعني؟؟

هل نتحدَّث عمَّن يُسابِق مسابقةً بتلاوة القرآن؟ بالتأكيد ليس هذا مَقصِدنا. ونحن نتحدَّث عن التربية والتزكية، نحن نتحدَّث عن تلاوةٍ تفيد تعظيم الله أولًا، والقيام بما أمر ثانيًا، تلاوةٌ تنفعُ العِلم والعمل، وفي هذا الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد في مُسنَده عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عبدِ اللهِ بن حَبيبٍ السَّلَمي – من كبارِ التابعين رحمهم الله – قَالَ: “حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ آيَاتٍ فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ”

فالعِلم الذي لا ينفع العمل، والتلاوة التي لا تنعكِس تربيةً، والتربية التي لا تنعكس تزكيةً وأخلاقا وممارسة فما أشبه متعلِّمَها ومعلِّمَها بما روي عن الحسن البصري عندما قال: ((قد قَرأ هذا القُرآنَ عبيدٌ وصبيانٌ لا عِلمَ لهم بتأويله، حفِظوا حُروفه وضيَّعوا حُدوده، حتى إنَّ أحدَهم ليقول: والله لقد قرأتُ القرآن فما أسقطتُ منه حرفًا، وقد والله أسقطَه كُلَّه، ما يُرى للقرآنِ عليه أثرٌ في خُلُقٍ ولا عَمل، والله ما هو بِحفظِ حُروفِه وإضاعَةِ حدودِه، والله ما هؤلاء بالحكماءِ ولا الوَزَعَة، لا كثَّر اللهُ في الناسِ مثلَ هؤلاء))

لا كثَّر الله في الناس أمثال هؤلاء، ممن يُكثرون القيل والقال، ويمشون بالفتنة بين الرجال، ويتظاهرون بالعلمِ والتعلُّم، لا يُرى للقرآن على أحدِهم أثرٌ في خُلُقٍ ولا عمَل.

نعم أيها السادة، مُلازمةُ مربٍ صالح، والمداومة على الأذكار متفكِّرًا فيها، وتلاوة آياتِ الله متدبِّرًا لها، أبوابٌ مهمة من أبواب تزكية النفس، تلك التزكية التي تقوم على مرتكزاتٍ أساسية من العقائد والقيم والأفكار، تلك المرتَكزات سنتحدَّث عنها إن أحيانا الله إلى قابِل.

وقبل أن أختِم كلامي وقد كان الحديث في آخِره عن تلاوة آيات الله وتعظيمها، فلابدَّ أن نُذَكِّر وننوه بمصابٍ جلَل حصَل في الأسبوع الماضي، ألا وهو قصف الطيران الأفغاني الأمريكي لحفل تخريج حفظةٍ للقرآن في مدرسةٍ بولاية قندوز في أفغانستان، وقد استشهد أكثر من مئة وخمسين من المسلمين كثيرٌ منهم من حفظة القرآن وطلبة العلم في قصَّةٍ تذكِّرنا بحادثة قتل القُرَّاء من أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ببئرِ معونة، إذ أتت النبيَّ أحياءٌ وقبائل من العرب فطلبوا منه أن يرسل معهم من يعلِّمهم القرآن والإسلام، فلما بلغ الصحابة ذاك المكان حاصرهم الكُفَّارُ وغدروا بهم وقتلوهم جميعا ولم ينجُ من الصحابة يومها إلّا واحِدٌ أو اثنين، فما حزن النبي يومًا كما حزِن عليهم، ومكث النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بعدها ثلاثين يوما يقنُتُ في صلاته بعد الركوع الأخير يدعوا على قاتليهم؛ يدعو على رِعل وذَكْوان وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسولَه… رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – على ما مرَّ به في حياته من مصائب وابتلاءات لم يرِد بأنَّه قنتَ شهرا كامِلًا إلا في قِصَّة مقتل القُرَّاء مِن أصحابِه – رضي الله عنهم جميعًا – ، لاحظوا ردَّة فعله على مقتَلِ حفظةِ القرآن، حزِن حُزنًا شديدا ودعا على قاتليهم شهرًا، كيف لا وهم حَمَلة الدينِ، ومناراتُ الهدى، وحَفَظَةُ الشريعة … ويا ليت شعري، أين هذا الذي قُلنا من موقف وردَّة فعل الدول الإسلامية على تلك الجريمة المأساوية التي حصلت في أفغانستان… اللهم تقبَّل الشهداء وشاف الجرحى وانتقم بعظيم قُدرتِك من المجرمين وأذنابِهم.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها أنت وليُّها ومولاها اغفِر لها وتولّاها برحمتك يا أرحم الراحمين …

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *