أخبار عاجلة
الرئيسية / خطبة الجمعة / أهل الشام والهجرة في سبيل الله

أهل الشام والهجرة في سبيل الله

خطبة الجمعة - أهل الشام والهجرة في سبيل الله

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

أهل الشام والهجرة في سبيل الله

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 27 دقيقة.

التاريخ: 13/رجب/1439هـ
الموافق: 30/آذار/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ مسلسل التهجير للسوريين وحلْقةُ الغوطة.
2️⃣ لماذا يهجِّروننا؟!!
3️⃣ أجر المهاجرين في سبيل الله.
4️⃣ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ… دروس التاريخ مِصداقًا.
5️⃣ نسأل الله الثبات، فكم مِمَّن فُتِن ونكَصَ على عقِبيه.
6️⃣ الهجرة بعد قتل النفس في الشدَّة على الإنسان.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة االثانية:
7️⃣ ثواب الهِجرة يتعلَّق بنيَّة المهاجِر ووجهته (لله وإلى حيث يرضى).
8️⃣ الهجرة من خصائص المنهج الإسلامي … باقية لا تنقطِع.
9️⃣ حال من يؤثرون الركون إلى الظلَمة على الهِجرة.
🔟 يحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ … وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كرِه المشركون، فصلواتُ ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ إخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) [النحل:41-42].

إخوة  الإيمان والعقيدة: حلْقةٌ جديدة تُدمع العين وتُدمي القلب، حلقةٌ جديدة من حلْقات مسلسل التهجير القسري الذي يعيشه شعبنا المسكين من سبع سنواتٍ إلى الآن… يُهجِّرونَ المؤمنين لأنَّهم كفروا بزعيم المجرمين، ((وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) [البروج:8].

ما نقموا منهم إلا أنهم طالبوا بحقوقٍ أتت كل الأديان وكل الشرائع لحفظها، طالبوا بحرِّيَّةٍ وكرامة تحفظ الدين والدماء والأموال والأعراض، طالبوا بحفظ الكرامة الإنسانية، ونبذِ التفرقة البغيضة الطائفيَّة، طالبوا بأن يعيشوا بِعزَّةٍ وكرامة، فظُلِموا وحُورِبوا وجاهدوا وقاتلوا وقُتِلوا، ثمَّ اضطرهم الظرف – ضغط العدو البعيد وتخاذُل الأخِ القريب – اضطرَّ المؤمنين لأن ينحازوا إلى إخوانهم،

هاهم أهل الغوطة اليوم ينحازون إلى إخوانهم في الشمال، بعد سنواتٍ حافلةٍ بالتضحية، وطريقٍ شاقٍّ خُضِّب بدماء الشهداء، انحاز أهل الغوطة – أيُّها السادة -بعد سنواتٍ من التضحية والبذل والعطاء

((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [آل عِمران:195]

نعم أيَّها السادة، فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا… فَالَّذِينَ هَاجَرُوا؛ من خرجوا من ديارهم تحيُّزًا للمؤمنين وطلبًا وسعيًا للحاق بدار الإيمان، والنوع الثاني: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، أرادوا أن يغيِّروا الحال في ديارهم وبلادِهم، فما استطاعوا وعجزوا، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلَّا وسعها….

ذكر الله الصِّنفين،  فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا… لهم الأجر العظيم من لدن الكريم الرحيم، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ…هذا مآلهم فما مآل أعدائهم؟!

تُتبع الآيات الكريمة ((لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)) [آل عِمران: 196-197]

أين الملوكُ ذوو التيجانِ من يمَنٍ   ***  وأينَ منهم أكاليلٌ وتيجانُ

وأين ما شاده شداد في إرَمٍ ***  وأين ما ساسَه في الفرسِ ساسانُ

وأين ما حازه قارون من ذهب        *** وأين عادٌ وشدَّادٌ وقحطانُ

أتى على الكلِّ أمرٌ لا مردَّ له   ***  حتى قضَوا فكأنَّ القومَ ما كانوا

((لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ))… توجيهٌ ربَّاني للنفوس المؤمنة التي لا تعرف اليأس ولا القنوط، المؤمن – أيُّها الأحبَّة- ، مَن أيقن أنَّ مقاليد السماوات والأرض بيد العزيز الجَّبَّار، لا مكان في قلبه لليأس ولا للقنوط… أين التتار؟ أين المغول؟ أين الفرنسيون؟ أين البريطانيون؟ أين الغزاة؟! أين المعتدون؟!!… مكثوا سنينا بل وعقودًا على هذه الأرض ثم اندحروا مقهورين، وبقيت أرض المسلمين للمسلمين.

 

((لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ))…  من قال – أيها السادة- بأننا خرجنا في هذه الثورة شريطة الانتصار السريع والمكسب الآنِي؟!!

خرجنا فيها لأنها ثورةُ حقٍّ، ثورة عدلٍ وكرامة، خرج المؤمنون فيها لأنَّها أمرٌ ربَّاني وموقفٌ شرعي، خرج المؤمنون فيها وبذلوا لها التضحيات، قدَّموا النفس والنفيس بذَلوا كلَّ غالٍ ورخيص، بذلوا ذلك على درب الحرِّية الأحمر، فإن لم يصلوا لباب النصر الأخضر فيكفيهم شرفًا وعِزًّا وكرامة أن يموتوا على الطريق الذي ارتضاه لهم الله ورسوله وارتضاه من بعدهما كلُّ حُرٍّ شريف… هذا الطريق طريق الابتلاء والجهاد، طريقُ الهجرة والصبر والتضحية…هذا الطريق على من أراد السير فيه أن ينبُذ اليأس وأن يتفكَّر في دروس القرآن وفي قَصصِ التاريخ…

يومًا من الأيام أيها السادة، خرج نجم الدين أيوب من العراق مطاردًا خائفا، فكان مِن صُلبه صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القُدس من الصليبيين …

خرج سيف الدين قُطُز من أراضي الدولة الخوارزمية، وهو ابن ملِك ولكنَّه بيع كعبد وكان فيما بعد قائدا عظيما حطَّم أسطورة جيش المغول الذي لا يُقهر!!

خرجت قبيلة القايي التركية من أراضي التركمان خائفةً هاربةً من بطش المغول، فخرج منها عثمان أرطغرل مؤسس الخلافة العثمانية التي حكمت الكرة الأرضية!!

وقبل كل أولئك خرج رسول الله r إمام الأنبياء وسيد المرسلين حبيب ربِّ العالمين، خرج من مكَّة مهاجِرًا مُطاردًا هو وصاحِبه … فعاد إليها بعد ثماني سنواتٍ فاتِحًا منتصِرًا.

رسول الله ، أحب الخلقِ إلى الله، أُخرِج وهاجر ولم يعد بعد ثمانية أيام ولا بعد ثمانية أشهر بل بعد ثماني سنوات، أفنكون أكرم على الله من رسوله؟!!

إنَّها سُننٌ كونيَّة وتربيةٌ ربَّانيَّة … والله إنه لشرفٌ لنا واصطفاءٌ ومكرمة أن ثبَّتنا الله وأعاننا، ونسأل الله أن لا يفتننا فيما بقي من أعمارِنا، ((وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا )) [الإسراء: 74-75]، هذا الكلامُ يُخاطِبُ به الله تعالى رسولَه، فما بالكُم بمن هو دون النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ((وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا))، ولكم رأينا في زماننا من جاهَدَ سنوات ثُم والعياذ بالله تغلغل اليأس قلبه، وتملَّك اليأسُ روحه، فسلَّم نفسه للمجرمين، بل غدا يُقاتِل في صفوف الكافرين، نعوذ بالله من الفتنة، نعوذ بالله ربِّ العالمين.

الهجرة أيها السادة، اصطفاء كريم، ومقامٌ رفيع، مقام الهجرة، مقامٌ ودربٌ سلكه جُلُّ الأنبياء، مقامٌ لا يُدرِكه إلَّا من وفقه الله إليه ((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [النحل:110].

هذه المغفرة وهذا الأجر العظيم وهذه المكانة الرفيعة، لأنَّ الهجرة في سبيل الله، لا يبذُلها إلا المؤمنون المُخلِصون، ولا يقدِّمها إلا الصادقون، كيف لا؟ والله تعالى جعل مشقتها على الإنسان من بعد مشقَّة أن يقتُل المرء نفسه؛ قال تعالى:  ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا )) [النساء:66]

(أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ)، لا حظوا الترتيب العجيب، والمناسبة القرآنيَّة، إذ جعل الله تعالى الخروج من الديار مِن بعدِ قتل الأنفس في الشدة والإيلام، الخروجُ عن الأرض والديار التي تعلَّق بها الإنسان وألِف العيش فيها، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد أن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال مُخاطِبًا مكَّة: « والله إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجتُ».

محبة الأوطان – أيها السادة- محبَّةٌ تغلغلت شغاف القلوب وتمسَّكت بها النفوس، ولكنَّ المؤمن الحقّ، يعرف أنَّ الأرض لله، وأنَّ أرضه ووطنه هو حيث يعيش عزيزًا كريما مُصان الدين والعِرض والدم والمال… فيترك أرضه مرضاةً لله، ويترُك أهله ويفارقُ أحبابه في سبيل الله، يُقدِّمُ مرضاةِ الله على التعلُّق بالأرض، وإن كان هذا مِن أسوأ الخيارات، ولكنَّه أحيانًا شرٌّ لا بدَّ منه.

اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتنا، وأعدنا إلى ديارنا فاتحين منصورين … أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين


 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتقوا الله عِباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن، ومازال الحديث – أيّها الأحبَّة- عن الهجرة في سبيل الله، مازال الحديث عن الذين يُهجَّرون في سبيل الله عن أرضهم وديارهم، نسألُ الله أن يكتُبَها لهم هجرةً في سبيله…

إنَّها الهجرة وما أدراكم ما أجرُ الهِجرة، ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [النحل:41].

أجر الآخرة كما مرَّ معنا في سورة آل عِمران: ((لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [آل عمران:195]…هذا أجر الهجرة.

أجر الهِجرة – أيها السادة – لمن كانت هجرته إلى الله، وفي سبيل الله، وإلى حيثُ يَرضى الله، وكلُّنا يحفظ الحديث المتَّفق على صحته الذي رواه عمرُ بن الخطاب- رضي الله عنه – عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنّه قال: « إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه »… فأجر الهجرة مرتبِطٌ بسببها وبوجهتها إلى حيث يرضى الله تعالى.

عندما نتحدَّث عن الهجرة – أيّها السادة – فنحن نتحدَّث عن إحدى أخصِّ خصائص المنهج الإسلامي، نتحدَّث عن نُقطة قوَّةٍ للمسلمين يحسب لهم بها أعداؤهم حسابًا، قومٌ يتشبثون بعقيدتهم وأهدافهم لدرجةٍ تدفعهم إلى الهجرة وترك الأوطان دفاعًا عن أفكارهم وعقيدتهم، يتحرك المسلِم من مكانٍ إلى مكان لنشر دعوته، يتحرك المسلمون تكتيكًا مؤقَّتا، وهدفهم الاستراتيجي ماثلٌ بين أعينهم، سيصلون إليه ولو بعد حين، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه النسائي وأحمد عن عبد الله بن السَّعدي – رضي الله عنه- : قال: « قلتُ: يا رسول الله، إني تركت مَنْ خلفي وهم يزعمون: أن الهجرة قد انقطعت. قال [روحي فداه]: لن تنقطع الهجرة ما قُوتِل الكفّار».

فالمسلم لا يرضى أبدًا أن يعيش على الضيم والذُّل، لا يرضى أن يُضام في دينه وكرامتِه ولو ترك أرضه وهَجَر دياره وفارق أهلهُ وأحبابَه … أمّا قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم – والذي وردَ في الصحيحين-: « لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا »، فقد قال العلماء في معناه:

أي لا هِجْرَةَ مِنْ مَكّةَ لأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إسلاَمٍ”. أمَّا غيرها فمتى سيطر عليها الكفَّار وصارت الغلبةُ لهم، فرسول الله علَّمنا قائلًا: « لن تنقطع الهجرة ما قُوتِل الكفّار».

نعم أيها السادة، لن تنقطع الهجرة ما قُوتِل الكفّار، لن ينقطع أجرها ولن يبطُل ثوابها… وهذا الأجر العظيم وهذه المكانة العظيمة إنما هي جزاء من بذل وضحَّى في سبيل الله.

وفي مُقابِل أولئك الذين بذلوا نجد من ركن إلى الدنيا ورضي البقاء في الديار ولو تحت جناح الكفار، ولو تحت جناح الذُّلِّ والعار، نجِد أولئك الذين قال الله عنهم: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )) [النساء:97].

مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، لأنّهم استحبوا الدنيا على الآخرة، وراقت لهم أرضهم ولو تحت سُلطة الكفار، راقت لهم في مقابل الهجرة ولم يضحُّوا بترك الديار، فذكر الله مصيرهم واستثنى بعظيم رحمته منهم أقوامًا، فأتبعت الآيات الكريمة: ((إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا )) [النساء:98-99]، الرجل المسن والمرأة العجوز ومن ليس عندها من تهاجر معه بأولادها الصغار، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا…

ثُمَّ تُتبِع الآياتُ الكريمة، ردًا على أولئك الذين يتذرَّعون بقلَّة الرزق وبالخوف من انقطاعه بفقدانِ مصدرهِ الظاهِر، كالراتِب وغيره، تُتبِع الآيات ردًّا عليهم وعلى أمثالِهم: (( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) [النساء:100].

يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً؛ مُراغَمًا: يُرغِمُ أنف أعدائه بأنَّهم لم يصلوا إليه ولم يقدِروا عليه، وسعَة: سعَةً في أمر الدنيا، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، فرِزقُك سيتبعُك…

هاجرنا في سبيل الله وهاهم إخواننا في الغوطة بعد صمودٍ أسطوريٍ يلحقون بنا إلى مَهجَرِنا، هذه الأرض التي جمعتنا نحن المهاجرين المُهجَّرين، فمن أتى من حِمصَ مهاجِر، ومن أتى من بانياسَ مهاجِر، ومن أتى من حماة مهاجر، ومن أتى مِن دير الزور مهاجِر، ومن خرجَ من حلب – التي تبعد عنا عشرين كيلو مترًا – أيضًا مهاجِر، لأنه ترك دياره ولم يرض العيش في ظلِّ الكفَّار والمنافقين، لم يرض العيش تحت جناح الظُلمِ والظالمين، لم يرض العيش تحت سلطان الكفر والكافِرين…

نعم أيها السادة، وقع أجرنا على الله، ونرجو الله أن يحتسبها لنا هجرةً، ولا نندم أبدًا على ما كان مِنَّا، نحسبُها هجرةً على خُطى النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – هذا أملنا وهذا رجاؤنا بالله، وهذه ثقتنا به بأن هذه الأرض ستكونُ مركز تجمُّع الموحدين، ومنطلَّقًا لجيوش المجاهدين، وقاعدةً لنَكُرَّ على أعدائنا.

لا تنظروا – أيها السادة- للحال القريب، فهذه معطياتٌ سرعان ما تتغيَّر، والعبرة بالخواتيم، فتغيير الدول وتغيُّر الأمم والمجتمعات يُقاس بالعقود ولا يُقاسُ أبدًا بالسنين… والعبرة أن تكون على الطريق الذي يرتضيه الله سبحانه.

إنما هي فترةُ بناء نرتِّب فيها صفوفنا ونلملِم جراحنا ونعالِج مشاكِلنا، لم نهاجِر لنستسلم، هاجرنا منحازين إلى المؤمنين، ومن أراد الاستسلام عاد إلى أرضِه وبقي فيها، فالحمد لله الذي جمعنا، وصبرًا على ما ابتلانا وامتحننا، ابتلى المهجَّر المهاجِر بالهِجرة، وابتلى من سبقهم بالهجرة أو من كان من أهل هذه الديار بحسن ضيافة إخوانهم وبكرم معاملتهم لنكون جميعًا ممن قال الله فيهم ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9].

نحب من هاجر إلينا، ونقسِم رغيفنا بيننا وبينهم، ونؤثِر على أنفسنا ولو كان بنا خصاصة، وكلنا ثقةٌ ويقين بأن هذه الأرض ستكون منطلقًا للتغيير على مستوى أمَّة الإسلام، اللهم إنَّا نسألُك الثبات في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشد، اللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين المُفلحين …

اللهم اكتبها لنا هِجرةً مقبولة، واكتبنا عندك من المهاجرين في سبيلك… إنِّي داعٍ فأمِّنوا.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *