فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير

خطبة الجمعة - فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 22 دقيقة.

التاريخ: 25/ربيع الثاني/1439هـ
الموافق: 12/كانون الثاني/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
2⃣ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ.
3⃣ من غشَّ رعيته من المسلمين وأخفى الحقائق عنهم.
4⃣ المنحة من قلب المحنة والجانب الإيجابي للابتلاء.
5⃣ أُمِرنا فعصينا، ونُهينا فاجترأنا.
6⃣ من ظنَّ أنه يستغني بخاصَّته عن إخوانه وبجماعته عن أمته.
7⃣ نُصِرنا لمّا اعتصمنا.

🔴 الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية:
8⃣ ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ.
9️⃣ النازحون … تلطَّفوا بهم وارحموهم إن لم تعينوهم!!
🔟 هزيمتكم من عند أنفسكم ونصر الله القريب مفتاحه بين أيديكم.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى:

الحمد لله مُعِزِّ الإسلام بنصره، ومذلِّ الكفرِ بقهره ومصرِّف الأمور بأمره، ومُديم النِّعمِ بشكره. الذي قدَّر الأيام دُولًا بعدله، فاستدرج الكُفَّار بمكرِه وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأظهر دينه على الدين كُلِّه…

القاهرُ فوق عبادهِ فلا يُدافع، الظاهر عليهم فلا يُمانَع، الآمرُ بما يشاء فلا يُراجع ولا يُنازع، أحمَدُه جلَّت قدرته وعزّ سلطانه، وأعوذُ به مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفواً أحد، شهادة من طهَّر بالتوحيد قلبَه، وأرضى بها ربَّه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمداً عبده ورسوله رافِعُ الشكِّ وداحِضُ الشِّرك، بلّغ الرسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصحَ الأُمّةَ، وكشف الله به الغُمّة، وأقام في الناس كلمة التوحيد، مَن آمن بها وعمل بمُقتضاها فقد أفلح وفاز فوزاً عظيماً، فصلوات ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ المحجَّلين، ومن سار على دربهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد إخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين:

((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ)) [الأنفال:53-54].

ويقول سبحانه وتعالى: ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [آل عِمران:165].

إخوة الإيمان والعقيدة، أحداث كثيرةٌ متسارعة تتابعت علينا في الأسبوعيين الماضيين منذ آخر لقاءٍ التقيناه، قرى كثيرةٌ خسرناها، أعدادٌ كبيرةٌ من النازحين مِن إخواننا استقبلناها، شائعاتٌ تسري، ومنافقون يتطاولون، وعملاء ينشطون، وقادةٌ مغيَّبون مسردَبون، والمسلمون المؤمنون حالهم أشبه بحال الصحابة الكرام يوم قال الله فيهم: ((إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا *
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا))
[الأحزاب: 10-12].

جاءنا الأعداء من فوقنا ومن أسفل منَّا، وبلغت قلوب الناس الحناجر، ونزحت عشرات الآلاف، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.

بدأت أفاعي النفاق تتطاول برؤوسها، وتشكك الناس بإيمانها وبصدق قضيَّتها، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا …

أحداثٌ كثيرةٌ يَحار المرء فيما يبدأ حديثه عنها، وفيما يُعلِّقُ عليها وفيما يُهمله منها، أحداثٌ لو بسطنا الحديث عنها لأخذت منَّا الساعاتِ الطويلة، ولهذا قرَّرت أن أُجمِل التعليق عنها مذكِّرًا ببضع آياتٍ وأحاديثٍ مما جاء في كتاب الله وفي سُنَّة رسوله الله مما هو في صُلب وضعنا الحالي.

وأوَّل ما نتحدَّث عنه حديثٌ يذكِّرنا به هذا الغموضُ الذي يَلفُّ حالَ من تزعَّموا قيادة المشهدِ وتصدَّروا له، فحمَّلوا أنفسهم ما لا يُطيقون، وإنَّها أمانةٌ وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامة… غموضٌ جعل الحليم حيران، والمُحِبَّ باغضًا، والمقتنِع مُتشكِّكًا، فتراهم لا يصارحون الناس بشيء وكأنهم هم السادة والناس عندهم عبيدٌ وخدمٌ ودُون، فوالله ما نرى في كثيرٍ منهم إلّا قول النبي – صلَّى الله عليه وسلّم – (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة )) والحديث متفقٌ عليه.

فمن غشَّ الرعية، ودلَّس عليهم، وأمَّلهم بوهمٍ يعلمه مخالِفًا للحقائق، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة.

وأما الأمر الثاني الذي أودُّ الحديث عنه أيها السادة، فهو النظر إلى الجانب الإيجابي للبلاء الذي حلّ وللمصيبة التي وقعت، ولعلَّ أهمَّ ما في ذلك، تذكير الساهين، وصحوة النائمين، ويقظة الغافلين التائهين، الذين ضلُّوا عن الأخذ بالأسباب الدنيوية، وخالفوا التوجيهاتِ الدينيّة الشرعيَّة … فأتى هذا الابتلاء كغيره، ليريهم عظيم جريرتهم، وشؤم فعالِهم، وسوء صنيعِهم…

 

  • قال الله لهم ((وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال:46]. فتنازعوا وفشِلوا…
  • قال الله لهم: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)) [الأنفال:60]، فانشغلوا أشهرًا بأنفسهم وإخوانه بدل الإعداد لأعدائهم فسقطت مهابتهم وسلَّط الله عليهم العدو بمعصيتهم ومخالفتهم.
  • قال لهم نبيُّهم – كما في صحيح الإمام مسلم- : ((إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ)). فخالف البعض الحديث ولم يأتمِروا به، ففُقِد التواضُع ووجِد الكِبر، وكان التعالي والبغي والخلافُ والتنازعُ ومعصيةُ اللهِ والرسول، فأتت الخطوب المدلهمَّات لتوقظ من سكِر بنشوتِه، ومن اغترَّ بقوته، ومن استغنى بخاصته عن أمَّته، وتطاول على أهله وإخوته، تأتي الخطوب والمصائب لكي تنبِّهه إن كان مؤمنًا، ولكي توقِظه إن كان غافِلًا …

إيجابياتٌ كثيرةٌ أيها السادة كانت منحةً مِن قلب المِحنة، فكانت هذه المِحنةُ سببا في كشف الغشاوة عن أعين الصادقين، وكانت سببا في إصلاح ما بين المسلمين، ونسأل الله تعالى أن تكون سببا في اجتماع كلمةِ الموحدين المؤمنين، الذين لا يستغني واحدٌ منهم عن أخيه ولا يفخر أحدهم ولا يستعلي على أهله وذويه …

والحمد لله أننا رأينا بأعيننا البارحة عظيم رحمة الله بنا، فسرعان ما تغيَّر الحال بتغيُّر السلوك، كلنا رأى كيف كانت القرى تسقط الواحدة تلو الأخرى يوم كان التنازُع والفشل والبغضاء والرياء والكِبر والاستغناء والاستعلاء على المسلمين، فلما تجاوز إخواننا آلامهم وضمَّدوا جِراحهم وجمعوا كلمتهم ووحدوا عملهم واعتصموا بحبل ربِّهم وتعاونوا على البرِّ والتقوى، فإذا بعظيم رحمة الله تصيبُنا وإذا بالله يُغيّر حالنا، وهاهم البارحة واليوم يكِرُّون على عدوِّهم ويستعيدون قرىً منه، لنرى مِصداق وعده لنا، ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) … دروسٌ ومحنٌ لعلنا نتذكَّر أو نخشى، ولعل ستارات الجهل تُرفع، وستارات الغرور تمزَّق وتُقطَع…

أبشروا بخيرٍ أيها الأحبَّة، وتفاءلوا بإنابةٍ، واستعينوا على إنجاح الحوائج بالكِتمان، والأيام القادمة تحمِلُ خيرًا وسرورًا، إن شاء الله، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.

اللهم عجِّل النصر، واجمع الكلمة، ووحِّد الصف، وحقِّق الوعد، واجعل قابِل أيامِنا خيرًا مِن ماضيها… أقول ما تسمعونَ وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فبِتقوى اللهِ العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن… واعلموا إخوة الإيمان بأن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلّم –  أوصاكم كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمِذي فقال روحي فداه: ((الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ)).

أيها السادة الكرام، هذه المحنة التي مررنا ونمرُّ بها، هذه الأيام العصيبة التي نتجرَّع مرارها، كما كشَفت الخلل عند بعض المتصدِّرين للمشهد العسكري، فقد كشفت من جانِبٍ آخر، خللا عظيمًا وشرخا كبيرًا في نسيجنا الاجتماعي، وإن كان يختلِف من منطقةٍ إلى أخرى ومن حالةٍ لغيرها… ولكنَّه داءٌ خطيرٌ مستفحِلٌ يكفي وحده لأن يُحِلَّ بنا غضب الله وسخطه وعذابَه ومقتَه ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) [الشورى:30]…

أبرز مشاهِد هذا الداء – أيَّها السادة – انعدام الرحمة بين المؤمنين وفقدان ما يستتبعها من لزوم الأخوَّة والمعونة والنُّصرة والسَّتر …

وفي البخاري ومسلم عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- قَالَ: “المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ. وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَر مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَة”.

فأين من يسمع فيُطبِّق، أين من يكون سببًا في تفريج الكرب عن إخوانه النازحين، أين من يُعين على سَترهم، أين المُنفِقونَ الباذلون المتطوِّعون المتصدِّقون …

تخيلوا أيها الناس بأننا لم نعد نطلب بذلا ولا عطاءً ، بل غدونا نطلب فقط الرحمة بإخواننا، خذ من أخيك آجارًا ولكن خذ بالمعروف، خُذ مقابل خدماتِك ولكن خذ بالمعروف، ارحم حالهم وضعفهم، وقد تركوا بيوتهم وأرزاقهم وأموالهم على حين غِرَّة…

أيُعقل أيها الناس أن يغدو آجار غرفتين 100 دولار أو يزيد؟!!

أين الرحمة بالمؤمنين؟! وأين سترُ المسلمين؟! وأين تفريج الكرب عن المكروبين؟!! والله إنه لظُلمٌ، يمحَقُ البركة ويُذهِب النِّعمة ويُحِلُّ سخطَ الله، ((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)) [الكهف:59].

أين الرحمة والمؤاخاة، أين المواساة والستر على المسلمين؟!! لا نسألكم صدقة، ولكن إن أخذتم فخذوا بالمعروف، وارحموا إخوانكم ولا تجمعوا المصائب عليهم… فمالٌ تأخذُه بالمعروف عن طيب نفسِ أخيك، يُبارِك اللهُ لك فيه، خيرٌ مِن مالٍ تأخذه استغلالا وجشعا على بُغضٍ وحِقدٍ من صاحبه، لا يبارَكُ لك فيه، تُنفِقُه على الأطباء والصيادلة وغير ذلك من ألوان البلاء.

ما أحوجنا أيَّها السادة لأن نكون في هذه الأوقات -كما في غيرِها- مِن أهلِ الخير، ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [الحج : 77].

ما أحوجنا -أيها الأحبَّة- في مثل هذه الظروف لأن نتأسى بمن قال عنهم رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- : ” إنَّ الأشْعَرِيِّينَ – اسم قبيلة ينسب إليها الصحابي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه- إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ“. والحديث في البخاريّ ومسلم.

كانت أبناء تلك القبيلة إذا أرملوا وضاق حالهم في الغزو أو في المدينة، يأتي كلٌّ منهم بما عنده فيجمعون ما لديهم ثمَّ يقتسمونه بينهم بالسويَّة، لكي لا يكون أحدُهم مُنعَّمًا أكثر من أخيه!!

انظروا إلى هذا الخُلق الراقي؛ ما تلك الأخوَّة الإيمانية الحقيقية التي دفعتهم لهذا حتى سُرَّ بهم رسول الله r حتى قال: “هُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ “!!!

هكذا تكون أخلاق من ينصرُهم الله ويُعينهم على ما ابتلاهم، هكذا هم الذين يتعاونون على البرِّ والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان.

أيَّها السادة الكرام، أيُّها الإخوة الأحبَّة: ضاقت، ويئس الكثيرون، اشتد الخطبُ وقنِط القانِطون… ولسان حال الكثيرين يسأل: متى نصرُ الله؟ متى فرجُ الله؟! …

نقول: ألا إنَّ نصر الله قريبٌ جدًا، ولكنَّ مفتاحه عندكم تجدونه في قوله تعالى:
((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [الرعد:11] …

غيَّر الجنود البارحة فانقلبت هزيمتهم نصرًا، وتراجعهم تقدُّما، وذلهم عزًّا…
فالخيار لكم وقد رأيتم الآيات بأمِّ أعينكم، ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ)) [غافر:13].

فأنيبوا إلى ربِّكم وكفُّوا عن التلاوم، فكلٌّ مسؤول بحسبِ استطاعته وبحسب ما ولَّاه الله إيَّاه، وكلٌّ منكم سيقفُ ويُسأل أمام ربِّه فردًا، ومن لم يُحقِّق الشرط لا يَسألْ عن جوابه، فأجمعوا أمركم ولا يستخفنَّكم المُبطِلون، ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) [الشورى:30] …

اللهم عاملنا بالعفو واللُّطف والرَّحمة والمغفرة، والإحسان، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء مِنَّا، أنت وليُّنا ومولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 3 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *