الرئيسية / خطبة الجمعة / ولا يزالون يُقاتلونَكم … من سوريا إلى أراكان

ولا يزالون يُقاتلونَكم … من سوريا إلى أراكان

خطبة الجمعة 140

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

ولا يزالون يُقاتلونَكم … من سوريا إلى أراكان

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 35 دقيقة.

التاريخ: 17/ ذو الحجة /1438هـ
الموافق: 8/ أيلول /2016م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ.
2⃣ طبيعة الصراع العقدي مع أمم الكفر.
3⃣ رسالة الإسلام رسالةُ تحرير الشعوب وإسقاط الواغيت.
4⃣ جوائز نوبل للسلام نموذج عن حقيقة دعاة الإنسانية الغربية!!
5⃣ ميانمار (بورما)، التعريف بقضية أراكان ولماذا الآن؟!
6⃣ محاولة التعتيم على القضية السورية وملفِّها الخطير.
7⃣ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ.
8⃣ تذكيرٌ بطبيعة النظام البعثي الحاقِد الذي لا ينسى.

🔴 الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية:
9⃣ لمن يضخِّمون أخطاء المجاهدين.. كفاكم!!
🔟 المهم ألا نيأس … ولنقارن بإنصاف… ولنصحح الأخطاء

رابط الخطبة على الفيسبوك

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فهو المُهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله أرسله ربُّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كُلِّه ولو كرِه المشركون، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة وكشف الله به الغُمَّة، وأقام في الناس كلمة التوحيد، من آمن بها وعمل بمقتضاها فقد أفلح وفاز فوزًا عظيمًا، فصلواتُ ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ المحجَّلين ومن سار على دربهم واهتدى بهُداهم إلى يوم الدين..

أما بعد أخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين (….وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)) [البقرة]

آيةٌ ربانية تبين طبيعة الصراع العقدي، تبيُّن طبيعة صراع الأُمَّة المُحمَّدية مع الأمَمِ الكُفريَّة، طبيعة الصراع هذه التي يحاول البعض تجاهلها والتغافل عنها، طبيعة الصراع بيننا وبين أمم الكفر – أيها السادة – مهما تجاهلها البعض هو صراع عقدي.

البعض بحجة التماهي مع المحيط الإقليمي، والوسط الدولي أو المجتمع العالمي يحاول أن يغيب الفكرة عن الناس خالطا بين أمرين خالطا بذلك بين أمرين مختلفين، خالطا بين الدعوة لتحييد الخصوم والأعداء ولزوم عدم استعداءهم دفعة واحدة على المسلمين – وما في ذلك من إيجابياتٍ يدعو إليها كل عاقلٍ، يدعو لها كل حكيمٍ حاذقٍ واعٍ – وبين معرفة طبيعة الصراع، وبين فهم طبيعة صراعنا مع الأمم الأخرى، تلك الأمم التي تعادينا عداوة معتقد، تلك الأمم التي تعادينا عداوة دين قبل أن تكون عداوتهم عداوة مصالح مادية، قبل أن تكون عداوة مكاسب، قبل عداوة أن تكون كسب أرضٍ أو نفطٍ أو غاز، إنَّها العداوة التي وضحها الله تعالى (….وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة:217] إنها عداوة العقيدة!!

ولعلَّ سائلًا يسأل: لماذا يقف كل الطواغيت قديما وحديثًا في وجه دعوة الإسلام مع أن الآيات البيِّنات أتت موضِّحةً صدقها وصحَّة القائل بها، قال تعالى موضحا ذلك: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل:14)، الظَّلمة الذين يريدون العُلوَّ في الأرض، والتكبُّرَ على خلقِ الله، ونشرَ الفساد والإفساد في الأرض يرون في دعوة الإسلام عدوا لدودا، لماذا يرى النظام الرأسمالي الحديث الآن في الإسلام والمسلمين عدوَّه الأول؟! على ما يعانونه من ضعف على ما يعانونه من وَهن…

الظُّلم والعلو والإفساد والرَّغبة في ذلك تجعل كل الطواغيت قديما وحديثا يرون في الإسلام عدوَّهم الأول، وقد وضح ذك (ربعي بن عامر رضي الله عنه) يوم القادسية يوم قابل رستم قائد جيش الفرس، إذ سأله رستم يومها: ما أتى بكم إلى أرضنا؟! فأجابه ربعي بن عامر – رضي الله عنه – : “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيقِ الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”

كلُّ طواغيت الأرض يعرفون أنَّ دعوة الإسلام هي الدعوة التي ستُحرِّر الشعوب، هي الدعوة التي ستنصر المستضعفين هي الدعوة التي ستحَقِّق العدالة وتمنع الامتيازات الباطلة للمتزعمين والطواغيت والمتسلِّطين الذين يريدون الظلم والعلوَّ والإفساد في الأرض، ولذلك تراهم جميعا يتظاهرون ويتعاونون على حرب أُمَّة الإسلام، تخيلوا ونحن في هذا الضعف، ونحن في هذا الوهَن وقد شرذمنا دويلات كثيرة، إلى الآن في مجالسهم يقولون بأن الخطر القادم هو خطر الإسلام والمسلمين!!

وما شُكِّلت عصبة الأمم التي كانت نواة تشكيل الأمم المتحدة قبل قرن من الزمان إلا لحرب الإسلام والمسلمين ولإسقاط الدولة العثمانية ولتقاسم أرضها (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج: 8] ، نعم أيَّها الأحبَّة، ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، أخذوا خيراتنا، وأخذوا ثرواتنا واحتلّوا بلادنا، ما الذي يخيفهم منا؟!!

تخيفهم دعوة التوحيد، تخيفهم دعوة الإسلام، فتوحيد الله يعني سحبَ سُلطاتِهم وكبح شهواتهم ومنع تجاوزاتهم وإسقاط ما خالف الشرع من منظوماتهم، نعم أيها السادة، إذ توحيد الله يعني إسقاط منظوماتٍ سمَّوها وعبَّدو الناس لها، ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) [يوسف:40]، أكثرُ النَّاس يتوهمون أن الدين مجرد صلاة وصيام وأذكار طقوس فقط، والله تعالى يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، الدين أن ندين بالخضوع للديَّانِ سبحانه فتكون الحاكمية لله وحده، تغدو الحاكمية لمن بيده مقاليد السماوات والأرض وحده، فكيف لا يهابُنا الطواغيت، وكيف لا تخاف أمم الكفر من دعوة التوحيد وهي دعوة ستسلبهم سلُطاتِهم، وهي دعوة ستسلبهم قدرتهم على استعباد الشعوب، وهي دعوة سيتحرر فيها الناس من العبودية لغير الله.

ولعلَّ البعض أيها لأخوة يتوهم أننا إن أعطيناهم ما يريدون، إن أعطيناهم ما يطمعون فيه من أراضينا من نفط أو غاز أو ثروات أو ما شابه ذلك وتماهينا مع سياساتهم …. البعض يتوهم أنهم بذلك قد يغُضُّوا الطرف عنَّا أو قد يتركوننا وشأننا إذا قدمنا لهم ما يطمعون به، إذا قدمنا لهم ما يريدون من تنازلات تلك التنازلات التي لا تنتهي ولن تنتهي … تلك التنازلات خصَم الله أمرَها موضِّحا غايتها، إذ قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [البقرة:120] ، هذا خطاب الله سبحانه لنبيه – صلى الله عليه وسلم – يقول له: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ثم يُتبِع المولى سبحانه وتعالى موجِّها محذِّرًا نبيَّه قائلا له: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) هذا الكلام أيها السادة إن كان موجها للنبي المعصوم من باب البيان والتوضيح فهو أمر رباني للأمة المحمدية، أمرٌ رباني لكي نعرف التفريق بين عدم استعداء أمم الكفر وبين فهم طبيعة صراعهم معنا، هؤلاء اليهود والنصارى الذين تصدروا اليوم لحكم العالم مدعين الديمقراطية والتسامح والحرية والكرامة الإنسانية ، لن يعاملونا بالحسنى حتى نتَّبع ملَّتهم ومنهجهم وسياساتهم، حتى نصير عبيدًا عند أسيادهم وكبرائهم!!

هؤلاء الذين يدعون الإنسانية والديمقراطية … كيف نثق بهم ونحن نرى إجرامهم؟!! ونحن نرى تواطؤهم وشراكتهم مع كل مجرمٍ على وجه الأرض يخدمهم ويُحقق مصالحهم؟! وبالذات إن كان إجرامه يُصب على أمة الإسلام والمسلمين.

تعالوا لأضرب لكم مثالا يُعرِّفُنا على طبيعة هذا النظام العالمي الإنساني الديمقراطي، كلكم سمعتم عن جوائز نوبل للسلام … تلك الجوائز التي يعطونها لمن يرون فيه عونا على حفظ السلام العالمي وتقليل الحروب على الأرض… سأضرِب لكم مثالا عن بعض من نال جوائز نوبل للسلام، وهذا الكلام علَني ليس مُخبَّئا وهو منشور على صفحتهم الرسمية..

بعض من نال جوائز نوبل للسلام العالمي: مناحم بيجن سنة 1978 اسحاق رابين وشمعون بيريز 1994 ثلاثة مِن رؤساء وزراء إسرائيل، من الذين خاضوا حروبًا، من الذين تلطَّخت أيديهم بدماء عشرات آلاف العرب والمسلمين هم من الذين نالوا جائزة نوبل للسلام العالمي!!

سنة 1991واحدٍ وتسعين وتسعماءةٍ وألف ميلادية، ( أون سان سو تشي ) التي تشغل حاليا منصب مستشارة الدولة ( أي ما يعادل منصب رئيس الوزراء) في بورما التي طفا الآن إلى الإعلام خبر الجرائم الوحشية التي ترتكب بحقِّ أهلنا المسلمين فيها (في مينمار في أراكان) هذه رئيسة وزراء بروما الآن، سنة واحدٍ وتسعين نالت جائزة نوبل للسلام العالمي!!

هذا هو النظام العالمي المتسامح الديمقراطي الإنساني الذي لا يرى فينا إلا همَجا ليس لنا عِبرة ولا قيمة إن لم ندافع عن حقنا بسلاحنا (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، نحن يسمُّوننا بالأميين أتباع النبي الأمي محمد – صلى الله عليه وسلم – الله بيَّن لنا حقيقة عهودهم ومواثيقهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عِمران:75]، الاتفاقيات والمواثيق تكون بين بعضهم أما علينا فلا عبرة لهذه المواثيق، تخيَّلوا رئيسة وزراء بورما التي تحتل أراكان المسلمة التي نشاهد الآن على الإعلام كيف يذبحون المسلمين ويقتلونهم ويحرقونهم أحياء وقد حرقوا آلاف القرى المسلمة نالت جائزة نوبل للسلام العالمي سنة واحدٍ وتسعين وتسعمائة وألف!!

أراكان هذه التي يتحدث الإعلام الحديث عنها، فُتِحت زمن هارون الرشيد، وحكمها حُكَّام مسلمون من أهلها حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي أي من قرابة مئتي عام تقريبا عندها احتلها جوارها البوذيون فتحول المسلمون فيها من سادة في دولة صغيرة فيها قرابة خمس ملايين مسلم، إلى أقليَّةٍ في دولة كبيرة احتلتهم؛ فيها خمسين مليونًا هم لا يشكِّلون فيها نسبة عشرة بالمئة.

أقلِّيةٌ يريدون منهم أن يغادروا أرضهم وأرض أجدادهم إلى بنغلاديش.

وهنا قد يسأل سائل لماذا يريدوا أن يغادروا أرضهم، أرضهم ضيقة طويلة على طول الساحل الجنوبي الغربي للقارة الهندية، منطقة استراتيجية خطيرة يسيطر عليها المسلمون، يريدون أن يخرجوا منها، أي أن يخرجوهم إلى بنغلاديش، ولكي يدفوهم إلى ذلك، فعلوا معهم الأفاعيل، كل أنواع الاضطهاد من قتلٍ وتشريدٍ وإبادةٍ واغتصابٍ وحرقٍ لقرى بكاملها وتدمير للمساجد ومنع لتعليم الدين، وإجبارٍ للمسلمات على الزواج من البوذيين ومنع المسلمين من الزواج حتى سن الثلاثين سنة – لكي لا يتكاثروا – ومنعهم من كثرة الإنجاب بل وخطف أولادهم وبناتهم … كل ذلك في إطار صمتٍ إسلاميٍ مريب يُذكِّرنا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ: « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». هي قاصمة الظهور؛ حبُّ الدنيا، البعض الآن بعد آلاف القتلى وملايين المشردين معياره فقط في حربنا – بيننا وبين النظام المجرم – ربطة الخبز وساعات الكهرباء!!

حبُّ الدنيا وكراهية الموت، اعتاد الوهَن، اعتاد أن يعيش ذليلا لأجل الدنيا، تتداعى الأُمم على المسلمين مع كثرتهم، ولكنَّهم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ لتفرقهم وتشتتهم … وها نحن نرى ما يجري في سوريا، ما يجري في العراق، ما يجري في فلسطين، ما يجري في أفغانستان، ما يجري في تركستان الشرقية وتايلاند، ما يجري في ميانمار في بورما في أراكان …

أراكان هذه نتحدَّث عنها أيها السادة نرى الإعلام يُركِّزُ عليها مؤخرا … الآن فجأة، نلاحظ على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى القنوات الإخبارية وعلى الوتس آب وعلى التليغرام والفيسبوك كلُّهم يركزون على مأساة أركان، مع أن مأساة أركان وهذه الإبادة وهذه القوارب التي تصل إلى حدود بنغلادش ولا يدخلونهم يتركونهم يموتون على الحدود…

هذه القصة لها عشر سنوات، لماذا الآن يركز الإعلام عليها؟!!

نحن ندعوا لإخواننا ونناصرهم وندعوا لنصرتهم ولكن لا بد ألا نسمح لعواطفنا أن تقود عقولنا، لا بدَّ من أن نسأل أنفسنا لماذا الضجة الإعلامية الآن، وعلى القنوات التي كانت تتحدث عن ثورات الربيع العربي وغيرها وهذه المجازر عمرها سنوات ما الهدفٌ الذي يريده ساسة الإعلام من ذلك؟! لماذا التركيز على سكان أركان المسلمين وتجاهل ما يجري في سوريا، وما حصل في بورما وغيرها لا يعدو عشر معشار ما حصل في سوريا إذا ما قورن بها؟!

كل سكان أراكان لم يبلغوا خمسة ملايين قتل منهم آلاف، أمَّا نحن في سوريا فمليون شهيد في هذه الثورة عدا 70 ألف قتلهم الأب المجرم المقبور عندما قتل في حماة أكثر من ثلاثين ألف إنسان وعندما أعدم في تدمر أكثر من أربعين ألف من نخبة شباب سوريا، لا نتحدث عن السبعين ألف القديمة، نتحدث عن مليون شهيد في هذه الثورة، نتحدث عن ثمانمائة ألف معاق الآن في سورية بسبب الحرب، بترت يده أو رجله أو شُل، نتحدث _ أيها السادة – عن عشرات آلاف المعتقلين المختفين في سجون الطاغوت يموتون في اليوم مئة مرة يتمنَّون الموت ولا يجدونه!

نتحدث عن عشر ملايين لاجئ؛
في تركيا وحدها ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ سوري!!
في لبنان مليون ونصف لاجئ سوري
في كردستان العراق أيضا نصف مليون لاجئ سوري.
في مِصر نصف مليون لاجئ سوري
في الأردن قرابة مليون لاجئ سوري!
مليون ونصف لاجئ سوري في أوربا !.
أربع ملايين مهجراً قسريًّا داخل سوريا لا يستطيعون العودة لمدنهم ولقراهم.

كلُّ ذلك بتآمرٍ طائفي عالمي دولي بغيض !.

فلماذا التركيز الآن على أراكان الآن، وتعمُّد التعتيم الإعلامي على ما يجري في سوريا ؟!

الرقة وما حولها والموصل لم يعد أحد يجرؤ بالحديث عنها، نحن قاتلنا الخوارج قبل أن يقاتلهم أحد، ولكن معاذ الله أن نرضى أن تخرج الطائرات لتقصف المدنيين، كل يوم مئة قتيل في الرقة؛ من المدنيين لا علاقة لهم بالمقاتلين، في الموصل جلُّ من قُتِل من المدنيين وقد قُصِفوا بالنابالم الحارق. لماذا هذا التعتيم ؟! ولماذا التركيز على مكان آخر؟!

المسلون – أيُّها الاسادة – لقلَّة وعيهم ولغلبة عاطفتهم ينقادون وراء عواطفهم، يأتي الإعلام فيُركِّز على منطقة ما فيصبح حديثنا كُلّه عن تلك المنطقة، متجاهلين مآسي أكبر وأعظم عندنا.

والمصيبة الأعظم أيها السادة أن البعض من بني جلدتنا – بعض من هم بيننا الآن يتناسون هذه الحقائق، يتجاهلون هذا الإجرام، بل يتوهمون خيرا بالمؤتمرات الدولية!! والله إن رجعت فلسطين بالمؤتمرات الدولية سترجع حقوقنا بالمؤتمرات الدولية، البعض يعيش على هذا الوهم.

تلك المؤتمرات التي قلنا ونقول: بأننا يجب أن نذهب إليها ويجب أن نستثمرها لا لشيء ولكن لكسب الوقت وللمناورة السياسية ما أمكن … لا أن نتوهم بأنها تُعيدُ حقًّا أو تُخرِجُ أسيرًا، أو تعيدُ سَلَبًا، هذا وهم أيها السادة… هذا وهم أثقل صاحبه الطعام ونام على بطنه
إن عادت فلسطين بالمؤتمرات سيعود لكم حقٌ بالمؤتمرات، ولعل المصيبة الأكبر والأعظم أن بعض الناس أيها الأحبة مع طول الزمن، ومع كثرة المرجفين والعملاء الذين تساهلنا معهم وتركناهم بيننا، البعض يروِّج ويحاول أن ينسي الناس طبيعة النظام وإجرامه، يريد أن ينسي الناس إجرام نظام لم يماثله إجرام نظام بحق شعبه في القرن العشرين كله، حتى أن البعض غدا يتوهم بأنَّه قد يأتي يوم نفتح فيه صفحة جديدة مع أتباع بشار وأزلامه، ممَّن قتلوا أبناءنا، قتلوا إخواننا، وآباءنا وأمهاتنا، اغتصبوا حرائرنا في السجون، وشرَّدونا سنوات من ديارنا …. البعض ينسى قوله تعالى: ((إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا )) [الكهف:20]، والله ليستعبدونكم عبودية ما سمعتم بها في الخمسين سنة الماضية، البعض منكم يتجاهل أو ينسى!!

أنا لا أعتب على الصغار الذين كانت أعمارهم اثنا عشر أو ثلاثة عشر سنة عندما قامت الثورة، وإنما أعتب على الكبار الذين يتجاهلون أننا كنا في سوريا، كُنت فيها تستدعى للمخابرات وتُسأَل عن أمر يكون قد حصل معك قبل عشر سنوات!!

الآن الآن اسألوا بعض من يسمون أنفسهم مدنيين (أنا مالي دخل بشي) الذين رجعوا إلى حلب الآن، أحياء حلب التي كانت مُحررة، كُل يوم حملة اعتقالات يُتخطَّفون من بيوتهم واحد واحدا ويقتلون في السجون، الأسبوع الماضي قابلت قاضيا منشقا؛ قاضي فرد عسكري كان زمن النظام، أخبرني عن قصة، يقول في أولها كيف تنسون طبيعة هذا النظام؟!! قال لي والله سنة ألفين وخمسة أتاني عجوز تجاوز السبعين يطلب مني الواسطة، خائف لأنه كان مستدعى للأمن العسكري في ذلك الوقت فتواسطت له وقلت له عندما ترجع أخبرني عن ماذا سيسألونك، قال لي والله سنة ألفين وخمسة سألوه عن اجتماعٍ، عن لقاءٍ، عن سهرةٍ حصلت في بيته سنة (1969م) تسعٍ وستِّين وتسعمائة وألف!!

أنا أُشهِد الله على قصَّةٍ حصلت معي شخصيًّا، استُدعِيت للأمن السياسي فسألوني عن لقاء كان قبل تسع سنوات حُقِّقَ معي اثنا عشر يوما لأجل لقاءٍ حصل قبل تسع سنوات؛ كُنتَ مع فلان وفلان وجلست في المكان الفلاني ، ماذا قُلتم وعن ماذا تحدَّثتم؟! وكنت أحلف وأغلِظُ الأيمان، فعلا أنا لا أذكر اللقاء ولا أذكُر ما قيل فيه.

كيف تتناسى أيها المسلم طبيعة عدوك؟! كيف تتجاهل طبيعة عدوك؟! والله لا تفسير لذلك إلا أنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّما هو داء الوهَن؛ حُبُّ الدُنيا وكراهيةُ الموت.

حبُّ الدنيا؛ يريد الدنيا بِذُل، ومن أبت أنَفتهُ فصَبَرَ وجاهدَ ونصر دين الله ينال الدنيا بعزٍّ وكرامة، اللهم اجعلنا من ينالون الدنيا بعزٍّ وكرامة، ممَّن تنصرهم على أعدائهم، ثبتنا على الحق يا ربنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنَّا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فبِتقوى اللهِ العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن… واعلموا إخوة الإيمان أن ديدَن المنافقين والمُرجِفين أن يبثُوا الوَهن في قلوب الناس وأن يدفعوا الناس للهزيمة النفسية وأن يدفعوهم للاستسلام مُضخمين أخطاءهم ومتغاضين ومتجاهلين لحقيقة عدوهم.

فوالله لو نظر المُنصِف بعين الحِكمة، لو نظر ببصيرة واعية لحقيقة عدوِّنا ولطبيعة عدونا ولحجم إجرامه مقارنة بالأخطاء التي حصلت معنا، لعرَف الكثير

أنا لا أُنكِر أنَّ هناك أخطاء في الثورة، “الثورة حالة من حالات الفوضى يتم استثمارها” هكذا يُعرِّفُها السياسيون، فلا بد أن تحصل فيها أخطاء ولكن كم حجم هذه الأخطاء وكم حجم هذه التجاوزات التي يسلط البعض عليها الضوء ويضعونها تحت المجهر مُقارَنَةً بإجرام النظام المُجرِم الذي قَتل مَليونًا وسجَنَ عشرات الآلاف، وهجر عشرة ملايين!!

والله أيها السادة لا مجال للمقارنة إذا كُنَّا نُقارن بإنصاف، لا تدَعوا المنافقين والمرجفين ينشرون الهزيمة بينكم الأيام دُوَل وتغير المجتمعات، وتغير الدول – كما ذكره ابن خلدون وغيره – لا يقاس بالسنوات بل يقاس بالعقود…

جيشٌ هيأهُ نور الدين زنكي ثلاثين سنة دخل به صلاح الدين المسجد الأقصى، لم يُهيِّئه في ثلاث سنين…

ما حققه أهل غزة خلال هذه الفترة من ردعٍ لليهود هو ما زرعه الشيخ أحمد ياسين قبل ثلاثين عامًا…

تغير الأمم والشعوب يحتاج لفترة، المهم فيها ألا نجزَع وألَّا نيأس وألَّا نقنط من رحمة الله نسأل الله تعالى أن يُبدِّلَ حالنا إلى خيرِ حالٍ يُحبُّه ويرضاه ….

إني داع فأمنوا

0

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *