أثر القائد المقدام على جنوده وقضيته والتاريخ

مقالات - أثر القائد المقدام على جنوده وقضيته والتاريخ

أثر القائد المقدام على جنوده وقضيته والتاريخ

من الأمور التي تحز جدا بنفسي افتقادنا كثورة لقائد حازم باسل حكيم، يمتلك شجاعة الإقدام، مع شجاعة الصمود، فالقائد المغوار وإن بدا متهورا إلا أن تهوره يجعله يحقق كما من المكتسبات لا بأس به، وإن سلبية التهور، أقل بكثير بكثير من سلبية التردد في اتخاذ القرار، والجبن، بذريعة الورع والتفكير بالعواقب!!!

ولذلك قال المتنبي أبياته الخالدة:

يرى الجبناءُ أنَّ العجزَ عقلٌ
وتلكَ خديعةُ الطبعِ اللئيمِ

وكلُّ شجاعةٍ في المرءِ تغني
ولا مثلَ الشجاعةِ في الحكيمِ

وأسوق تدليلا على المعاني السابقة القصة التاريخية التالية:

كان اللورد نلسون نائب رئيس الأسطول البحري البريطاني فاقدا إحدى عينيه، ويده اليمنى في معارك بريطانيا ضد أعدائها، حيث استطاع فيها هزيمة الإسبان في معركة كاب سانت، وأحبط حملة نابليون إلى مصر.

كان مؤهلًا لقيادة الأسطول ولكن القيادة اختارت السير باركر بدلًا منه وحل نلسون ثانيًا، لحرب الهدف منها إجبار الدنماركيين على الموافقة على حظر بحري تقوده بريطانيا ضد فرنسا، ولكن نلسون كان حاد الطباع، وميالًا إلى أن يفقد أعصابه، ويكره نابليون كرهًا شديدًا، وبسبب طباعه فمن الممكن أن يتسبب بفشل دبلوماسي ذريع، وكان السير باركر أكثر اتزانًا وأكبر سنًا وسيقوم بالمهمة لا أقل ولا أكثر.

اتجه باركر بسفنه إلى شمال المدينة وعرض على قادته أن الدنماركيين جهزوها بدفاعات حصينة، وسفن ضخمة، وبطاريات مدفعية، بالإضافة إلى صعوبة طبيعة المياه التي يوجد بها كثير من الحواجز الرملية وصعوبة الرياح في تلك المنطقة.

كان نلسون في تلك الأثناء يبذل جهده للسيطرة على أعصابه، لكنه انفجر في النهاية وقال صارخا: «إن الدفاعات الدنماركية تبدو مذهلة لكن للأطفال في فن الحرب» وأكمل كلامه أنه لديه خطة وضعها بأن الهجوم يبدأ من الجنوب، وأنه درس الدفاعات والحواجز الرملية وسرعة الرياح جيدًا، واستنهض خطابه حماسة الضباط حتى إن السير باركر تأثر بكلامه ووافقه عليه!

بدأت الحرب وتقدمت سفن نلسون وكانت خسائر البريطانيين كبيرة جدًا، وكادت قذيفة ضربت السارية الرئيسية للسفينة القائدة أن تودي بها، فقال نلسون متهكما: «إنه يوم حار، وقد يكون الأخير في حياة أي واحد منا».

وفي تلك الأثناء كان السير هايد يتابع مجريات الأحداث بتوتر من موقعه بالشمال، وندم على موافقته على خطة نلسون، فالهزيمة ستدمر حياته المهنية، وقرر أنه آن الأوان بعد مضي 4 ساعات من المعركة أن ينهي الحرب ويرفع الراية رقم 39، وهي تعني الانسحاب!

وهنا أخبر رائد بحري نلسون بأمر الإشارة، ولكنه تجاهلها، وقال لحرسه «ألا زلنا نرفع الراية 16؟» وهي تعني «الاشتباك مع العدو»؛ فرد وقال نعم مازالت ترفرف! ثم مضى نلسون في كلامه قائلًا للضابط: أتعلم لدي عين واحدة ويحق لي بأن أكون أعمى في بعض الأحيان وراح ينظر عبر التلسكوب من عينه المصابة قائلًا: «إنني فعلًا لا أرى إشارة 39»!

أما باقي القادة فكانوا حائرين بين إطاعة باركر وموافقة نلسون، هل سيجازفون بمستقبلهم المهني، أم يتابعون معركتهم!؟
ثم حسموا أمرهم بالانحياز لمن هو أكثر ثقة، وهو نلسون، وسرعان ما بدأت بعدها الدفاعات الدنماركية بالانهيار، وسارعت بعض السفن بالاستسلام، بعد أقل من ساعة من إطلاق هايد شارة الانسحاب، استسلم الدنماركيون!!

انتصر نلسون لنفسه وللبريطانيين بسبب ثقته بنفسه وخبرته، فلم يهتز لأمر القائد المرتعش الخائف على بدلته العسكرية، بل كان ينظر عبر خططه المحكمة أن النصر يأتي بعد الإعداد الجيد، وتجاوز الخوف اللحظي، وامتلاك الجرأة الكاملة!

نلسون جعل راية 16 هي راية الإرادة والعزيمة والقدرة على التنفيذ، وحين رفعت له راية التردد والهزيمة 39 تجاهلها تمامًا، تمامًا.

يقول «ديل كارنيجي»: «كثير من الرجال الناضجين لا تقل مخاوفهم عن مخاوف الأطفال والصبيان» وقبله قالت العرب ما هو أبلغ وأروع: “يفوز باللذة كل مغامر ، ومن لم يركب الأهوال، لم ينل الآمال”

اللهم لا تحرمنا الإقدام مع الحكمة، ولا الثبات مع حسن التدبير والإعداد….

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 3 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *