التمسك بالمذاهب الفقهية في ظل الربيع العربي

مقالات - التمسك بالمذاهب الفقهية في ظل الربيع العربي

✍️  د. أحمد ارحيم / سوريا إدلب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه..

إنَّ من أهمَّ ما تميزت به الأمة الإسلامية تنوع المصادر التشريعية, فهذه المصادر حفظت الحضارة الإسلامية من الزوال, ورسَّخت الثقافة الإسلامية في أبناء الأمة,  وساهمت في نهوض الأمة, واستمرار ثقافتها, وبفضل هذه المصادر استطاعت الأمة  أن تستوعب جميع النوازل, وتتكيف مع جميع المستجدات, ممّا أضفى على الأحكام الشرعية السَعة والشمول, وميزها بالتيسير ورفع الحرج, وأعطى مساحة كبيرة لاختلاف الأحكام الفقهية, وتغاير الآراء الاجتهادية؛ فاتسم الفقه الإسلامي بالمرونة والحرية الفكرية, فكل عالم يُعبِّر عن رأيه فيما يراه صواباً مستنداً على المصادر التشريعية, التي تعتبر القاعدة الأساسية والنبع العذب لجميع الأحكام الفقهية, فنشأت المدارس الفقهية التي أنتجت المذاهب الفقهية العظيمة التي تعد مفخرَة الأمة, ورمز حضارتها وأيقونة تقدمها العلمي, فالمذاهب الفقهية الأربعة: (المذهب الحنفي, والمذهب المالكي, والمذهب الشافعي, والمذهب الحنبلي) شكَّلت العمود الفقري للفقه الإسلامي, وأضحت نبراس العلماء ومورد الفقهاء؛ فينبغي على الأمة الإسلامية التمسك بها: كي تحفظ بوصلتها, وتضبط حركتها العلمية, وتحافظ على هويتها؛ لأنَّ هذه المذاهب مرَّت بمراحل عظيمة من التنقيح والتحرير والترجيح على مرِّ تاريخ الأمة المجيد, مما يتوجب علينا التمسك بها, والافتخار بها, وتعظيمها والاستفادة من سعة الاختلاف بين هذه المذاهب, مما يوسع على الأمة, ويرفع عنها الحرج, ويوفر المادة العلمية للعلماء في البحث والاجتهاد في النوازل والأحداث المستجدة التي لا يخلو منها زمان من الأزمنة, وأمَّا مفهوم التغيير السياسي والحرية المنشودة التي ثار لأجلها الشعب العربي في مختلف الدول في الربيع العربي المبارك؛ للإطاحة بالاستبداد, والخلاص من الظلم, وخلع ثوب الذل, بعد حقبة طويلة من الخوف والهوان, وما أحدثه الربيع المجيد من التغيير في الأفكار والمفاهيم ينبغي أن لا يمس قدسية المصادر التشريعية, ولا يهدم المذاهب الفقهية, أو ينكر أصولها وقواعدها؛ لذلك لابد من التأكيد على المفاهيم الأساسية للأمة الإسلامية في ظل التنازع الفكري, والفوضى السياسية, والتحزب الفصائلي, وما أصاب الثورات العربية من موجة الغلو التي كادت أن تنسف أصول الأمة ومصادرها, ومن هذه المفاهيم الأساسية لأمتنا العريقة التمسك بالمذاهب الفقهية  والمصادر التشريعية, والالتزام بالمنهج العلمي في الاستدلال والاستنباط, والسير على خطا علماء الأمة وشيوخها الراسخين, الذين خلد الله ذكرهم بما تركوه من كتب ومؤلفات, التي تلقتها الأمة بالقبول, وأدهشت العقول من براعة نظمها, وقوة حجتها, وكثرة فوائدها, وحسن تأليفها, التي شملت  مختلف علوم الشريعة, وفي قائمتها الفقه الإسلامي وأصوله, هذه الأصول التي رسمت طريق العلماء, ورسخت المنهج العلمي, فمن تركه نبذ نفسه عن موكب الأمة, ومن تخلى عنه ألقى بنفسه بالتهلكة.

وهذا الذي نقول لا يُلغي الاجتهاد القائم على المنهج العلمي والأصولي لمن ملك أدواته وبلغ مرتبته من العلماء الراسخين؛ لأنَّ الاجتهاد من خصائص هذه الأمة يعطي التشريع الإسلامي القدرة على ملائمة الواقع, ومواكبة التجدد والتطور وهو من لوازم تطور العلم وازدهار الحركة العلمية بسبب كثرة النوازل, والأحداث المستجدة, والوقائع المتغيرة لذلك قال العلماء: (لا يُنكَرُ تغيُّر الأحكام بتغيُّرِ الأزمان), خصوصاً في المسائل الفقهية ظنِّية الدلالة التي تبقى مطروحة للبحث العلمي والاجتهاد الفقهي ضمن المنهج العلمي والأصولي.

فينبغي حض أجيال الأمة الصاعدة في ظل الثورات المباركة على التمسك بمصادر الأمة التشريعية, والالتزام بمنهج فقهائنا, والاعتماد على مذاهب الأمة الفقهية وأصولها وقواعدها حتى تستمر الحركة العلمية صافية نقية من عصر النبي صلَّى  الله عليه وسلّم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في سلسلة مباركة من مواكب العلماء في كل طبقة من الطبقات وجميع عصور أمتنا إلى وقتنا الحالي حتى تستمر السلسة ولا ينقطع السند.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

24جمادى الآخر 1442ه/ 12 /شباط/ 2021م

0

تقييم المستخدمون: 4.15 ( 8 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *