اللجنة الدستورية وهل بقي للسوريين دور؟

مقالات - اللجنة الدستورية وهل بقي للسوريين دور؟

بقلم: د. ياسر العيتي

منذ أن هدم السوريون حاجز الخوف في آذار 2011 وحتى اليوم شارك الملايين  منهم في آلاف المظاهرات ضد نظام الأسد لم يطلقوا فيها هتافاً واحداً أو يرفعوا لافتة واحدة تطالب بتغيير الدستور. ليس لأن الدستور الحالي يعجبهم ولكن لأنهم يدركون بداهة أن نظام الأسد  يعيش فوق الدستور وبالتالي لا تغيير حقيقي إلا بإسقاطه، (إسقاط النظام)  وليس (إسقاط الدستور) هو الشعار الذي رفعته كل الثورات العربية تعبيراً عن إرادة الشعوب في تغيير جذري لا عودة عنه.

في الشهور الأولى للثورة تجاهل العالم قمع بشار الوحشي للمتظاهرين السلميين ظناً منه أنه سيقمع الثورة كما فعل أبوه في الثمانينات لكن إصرار السوريين على الحرية، وسقوط مئات الألوف من الشهداء والجرحى أجبر العالم على عدم تجاهل هذه التضحيات العظيمة  فكان (بيان جنيف) في 30 حزيران 2012 أول موقف دولي لصالح تغيير حقيقي وجذري في سورية،  حيث نص بالحرف على ما يلي:

“فمن الجوهري أن تتضمن أية تسوية خطوات واضحة لا رجعة فيها تتّبعها العملية الانتقالية وفق جدول زمني محدد. وتشمل الخطوات الرئيسية لأية عملية انتقالية ما يلي:

(أ) إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية . وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة؛

(ب) الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلد. ولا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني. ويجب ألا تكون هذه العملية شاملة للجميع فحسب، بل يجب أيضا أن تكون مجدية – أي أن من الواجب تنفيذ نتائجها الرئيسية؛

(ج) على هذا الأساس، يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية. وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام؛

(د) بعد إقامة النظام الدستوري الجديد، من الضروري الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة وتعددية وإجراؤها لشغل المؤسسات والهيئات الجديدة المنشأة؛

(ه) من الواجب أن تُمّثل المرأة تمثيلاً كاملاً في جميع جوانب العملية الانتقالية”

ثم جاء قرار مجلس الأمن 2118 في 27 إيلول 2013 بعد الهجوم الكيماوي على الغوطة ليؤكد على أن  الحل الوحيد “سيكون من خلال عملية سياسية شاملة بقيادة سورية على أساس بيان جنيف”

ثم جاء بيان فيينا في 30 تشرين الأول 2015 ليتبنى بشكل كامل بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118 وجاء فيه أن العملية السياسية يجب أن تؤدي إلى “حكم ذو مصداقية وشامل وغير طائفي، يتبعه دستور جديد وانتخابات”

ثم جاء قرار مجلس الأمن 2254 في 18 كانون الأول 2015 ليتبنى بشكل كامل بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118.

وهكذا نجد أن كل القرارات الدولية ذات الصلة أكدت وبشكل متكرر على بيان جنيف وعلى أن خطوات الحل السياسي تكون وفق الترتيب التالي:

1- تشكيل هيئة حكم انتقالي

2- هيئة الحكم الانتقالي تؤمن بيئة آمنة وحيادية تجري فيها العملية السياسية

3- في ظل البيئة الآمنة والحيادية تتم كتابة الدستور الجديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي

4- إجراء انتخابات وفق الدستور الجديد

ولا يوجد في القرارات الدولية أي ذكر للجنة الدستورية كما لا يوجد فيها أي تفويض للأمم المتحدة بتشكيل لجنة دستورية تكتب دستوراً للسوريين.

في 30 كانون الثاني عام 2018 عقد مؤتمر سوتشي  ورفضت الهيئة العليا للمفاوضات حضور المؤتمر  وبررت رفضها بما يلي “جهود تبذلها موسكو للانفراد بالحل خارج إطار الشرعية الأممية، ونسف الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي للتوصل إلى حل سياسي يضمن للشعب السوري حريته وكرامته”

خرج مؤتمر سوتشي بقرارات منها تشكيل اللجنة الدستورية ووافقت الهيئة السورية للمفاوضات على هذا القرار علماً بأن الهيئة العليا للمفاوضات، التي سبقتها، قاطعت المؤتمر وهكذا ارتكبت الهيئة السورية للمفاوضات عجيبة في العمل السياسي لم يسبقها إليها أحد: فقد وافقت على قرارات مؤتمر سياسي قاطعته الهيئة التي سبقتها! وبهذه الموافقة أعطت الهيئة السورية للمفاوضات (الشرعية السياسية) للجنة الدستورية وهكذا تمكنت روسيا من استدراج المعارضة للقبول برؤيتها للحل السياسي التي تجعل تغيير الدستور هو المدخل إلى الحل.

لقد قدمت المعارضة تنازلاً سياسياً خطيراً عندما قبلت باللجنة الدستورية؛ إذ خسرت ميزة وضع (التفاوض) بين النظام والمعارضة بإشراف الأمم المتحدة من أجل تحقيق الانتقال السياسي إلى وضع (التشارك) مع النظام في لجنة لصياغة الدستور أو تعديله، وهذا شكل من إعطاء الشرعية للنظام كما إنه يخفض سقف  المعارضة من الضغط على النظام للقبول بالتفاوض حول الانتقال السياسي إلى الضغط على وفد النظام في اللجنة الدستورية للقبول بمناقشة هذا الموضوع أو ذاك أو حتى للقبول بحضور اجتماعات اللجنة!

إضافة إلى الإشكال الجوهري المتمثل بجعل اللجنة الدستورية مدخلاً إلى الحل السياسي بدلاً من هيئة حكم انتقالي، هناك الكثير من الإشكالات حول شرعية اللجنة والقواعد الإجرائية التي تنظم عملها منها:

1- تفتقر اللجنة الدستورية إلى الشرعية الشعبية فأعضاؤها تم اختيارهم من قبل النظام والأمم المتحدة والدول الفاعلة في الملف السوري دون أي دور للإرادة الشعبية في عملية الاختيار، ومعظم أعضائها يفتقرون إلى الشرعية الشعبية وإلى التخصص والأهلية المهنية الضروري توافرهما في أعضاء أي هيئة تأسيسية تكتب دستوراً للبلاد.

2- إذا أردنا دستوراً يتملكه السوريون ويشعرون أنهم شاركوا في صياغته، وهو أقل ما يستحقونه بعد التضحيات العظيمة التي قدموها، يجب على اللجنة الدستورية أن تعقد ندوات مع شرائح المجتمع المختلفة لمناقشة المسائل الحساسة في الدستور كهوية الدولة وشكل نظام الحكم، وهذا لا يمكن أن يتحقق من دون بيئة آمنة يتحرك فيها أعضاء اللجنةـ  البيئة الآمنة ضرورية لكتابة الدستور وليس للتصويت عليه فقط.

3- آلية اتخاذ القرار في اللجنة تعطي كلاً من النظام والمعارضة القدرة على التعطيل مما يجعل احتمالية الوصول إلى قرار صعبة جداً.

4- أعطت القواعد الإجرائية اللجنة الدستورية الحق في اختيار طريقة إقرار الإصلاح الدستوري مما يترك المجال مفتوحاً لتجاوز الاستفتاء الشعبي وتمرير التعديلات الدستورية تحت سقف النظام (وهو تنازل يمكن أن تقدمه المعارضة بنفس المبررات التي قدمت بها التنازلات السابقة).

5- عدم وجود سقف زمني لعمل اللجنة يعطي النظام مجالاً  مفتوحاً للمماطلة والتعطيل.

على السوريين اليوم أن ينتبهوا جيداً لما يحاك لهم، وألا يصدقوا أن القضية خرجت من أيديهم وعليهم أن يقبلوا بما تتفق عليه الدول، نعم هناك مصالح دولية وإقليمية متشابكة في سورية لا يملك السوريون أن يتخذوا قرارهم من دون أخذها بعين الاعتبار، لكن دائماً هناك هامش حركة يستطيعون أن يتحركوا فيه  لتحقيق مصالحهم  وهو يتسع بمقدار ما يقتنعون بوجوده ويتحركون لتوسيعه، ويضيق عندما يقتنعون بعكس ذلك وهذا ما يفعله بعض أعضاء المعارضة للأسف عندما يحاولون إقناع السوريين بأن الأمور خرجت من أيديهم وعليهم أن يقبلوا بما تتفق عليه الدول مهما كان.

القضية السورية ليست حرباً بين طرفين لنربط التنازلات السياسية بالتراجع العسكري بل هي ثورة شعب اعترف العالم بها، من خلال القرارات الدولية التي جعلت الانتقال السياسي جوهر الحل في سورية  ومن خلال اعترافه بالائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات، والقرارات الدولية لصالح الشعب السوري لم تصدر بسبب ذكاء  المعارضة السياسي وإنما بفضل مئات ألوف الشهداء والجرحى والمعتقلين وملايين المهجرين، وكل ما فعلته المعارضة أنها أفرغت القرارات الدولية من مضمونها من خلال سلسلة من التنازلات المجانية.  كنا ننتظر أن  تتمسك المعارضة بمطلب هيئة الحكم الانتقالي وفقاً للقرارات الدولية وأن تتحرك باتجاه الشارع لتحشّده خلف هذا المطلب ولو فعلت ذلك لاستجاب لها الملايين ولكان موقفها أقوى على طاولة المفاوضات. لكنها اختارت التحرك والتحشيد من أجل لجنة دستورية تتزايد المؤشرات يوماً بعد يوم على أنها لن تخرج بشيء وأن النظام يستخدمها لتقطيع الوقت وصولاً إلى انتخابات يرشح فيها بشار نفسه ويفوز، وهو فوز لن تعترف به إلا بعض الدول لكنه سيعطي نظام بشار جرعة إضافية تطيل حياته وتطيل معها معاناة السوريين وآلامهم.

ولكي لا نتهم  باللاواقعية والعدمية السياسية وبأننا نرفض اللجنة الدستورية دون أن نطرح بديلاً ، وبما إن مؤيدي اللجنة  يقولون إن الاستفتاء على الدستور يحتاج إلى بيئة آمنة،  وبما إن البيئة الآمنة لا تتحقق إلا بتشكيل هيئة حكم انتقالي فليبدأ التفاوض الآن على تشكيل هيئة حكم انتقالي حتى لا تضيع سنوات أخرى على حساب دماء السوريين، هذا المطلب يتوافق مع القرارات الدولية ولا يتعارض مع عمل اللجنة الدستورية.  علينا أن نطالب الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات بتفعيل سلة التفاوض حول هيئة حكم انتقالي تهيئ بيئة آمنة ومحايدة فوراً، وأن تكون كل التحركات الشعبية والسياسية والإعلامية للائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات في هذا الإطار. كلنا كسوريين معنيون اليوم بهذا المطلب فكل تأخير في  تشكيل هيئة حكم انتقالي تهيئ بيئة آمنة هو  تأخير في إطلاق المعتقلين وفي عودة المهجرين وهو يطيل عذابات السوريين ومعاناتهم، وإذا لم تستجب المعارضة لهذا المطلب على  السوريين الأحرار أن يتحركوا لإسقاط رجالها – إسقاط الرجال وليس المؤسسات – واستبدالهم بآخرين يجعلون همهم نقل إرادة السوريين إلى الدول وليس العكس!

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 4 أصوات)

تعليق واحد

  1. صدقت ولكن الفرج قادم بإذن الله تعالى ورغم أنف المنافقين واعداء الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *