رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسائل للقادة

خطبة الجمعة - رحمة رسول الله ورسائل للقادة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

الرحمة المُهداة للعالَمين
“رحمة رسول الله ورسائل للقادة”

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.

⏱ المدة: 30 دقيقة.

التاريخ: 11/ربيع الأول/1441هـ
الموافق: 8/تشرين الثاني/2019م

🔴 الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ مِن أنفُسِكم، حريصٌ عليكم.
2️⃣ لو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا مِن حولِك.
3️⃣ رحمته بالعصاة من أمته.
4️⃣ رحمته بالصغار والكبار والرجال والنساء.
5️⃣ رحمته بالحيوانات.
6️⃣ رفقه بالضعفاء والمساكين.
7️⃣ قائدا وأميرا وإمامًا.
8️⃣ من ولي من أمر أمتي فشقَّ عليهم.
9️⃣ مَن احتجَب دون حاجتهم وفقرهم.

🔴 الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
دعاء فقط

 

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرَج في سياق ذِكرِ الدليل، أو كلامٌ بالعامِّية للتوضيح.

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فهو المهتد، ومن يُضلِل فلن تجد له وليًّا مُرشِدًا، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسوله وصفيُّه وخليله، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كرِه المشرِكون، فصلوات ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين وأصحابه الغُرِّ المُحجَّلين ومن سار على دربهم واهتدى بهُداهم إلى يوم الدين. أمّا بعد إخوة الإيمان:

يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128]، ويقول عزَّ من قائل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]

أيُّها الأحبَّة الأكارم، أيُّها السادة الحضور: وقد كان حديثنا في الأسبوع الماضي عن موجز سيرة سيّد المُرسلين وخاتَم الأنبياء محمّد بن عبد الله -صلّى الله عليه وسلّم، أحببت أن يكون لقاءنا اليوم للحديث عن إحدى شمائله وعن إحدى صفاته، ألا وهي الرحمة والرفق. ويوما ما تحدثت على هذا المنبر، ذكرت أُسس القيم الإسلامية فقلت إنّ جلَّ القيم الإسلامية تنبع من قيمة الرحمة، لذلك قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

حديثنا اليوم -أيُّها السادة- عن رحمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- وهو الذي أمرنا أن نتَّبِعه وأن نتأسّى به (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]. حديثنا اليوم عن النبيِّ الذي قال الله عنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) لم يقل الله تعالى لقد جاءكم رسول مِنكم، بل من أنفسكم، هو بِضعة من أنفُسِكُم، دلالة على عمق الرابطة وعلى عظيم الوشيجة التي تربط النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بأصحابه وبالمسلمين، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) يسوؤه ما يشقيكم وما يتعبكم، حريصٌ عليكم وعلى منفعتكم وعلى خيركم (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، ولابد لمن أراد التأسي بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أن يكون بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا عطوفًا شفوقًا (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ  وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، متى رأيتم من انعكست عنده الآية وانحرفت لديه البوصلة فصار رحيما بالكفّار شديدًا على المسلمين فاعملوا أنّ هذا ليس من أتباع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

لمّا نتحدّث عن رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أيُّها السادة- لابدَّ أن نعلم بأنّها رحمة تنبُع من العزَّة والقوَّة والشهامة، ليست رحمة دعَة ولا ضَعف، لا، مَعاذ الله، رحمةُ العزيز الكريم القويّ، رحمةٌ نابعةٌ عن عِزَّة وكرامة، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159]، هذا الكلام موجّه من الله تعالى إلى سيّد الأنبياء وخاتَم المرسلين المبعوث رحمة للعالمين يقول الله له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فكيفَ بغيرِ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ؟! أَيُتأَمَّل أن يكون بالمؤمنين فظّا غليظ القلب ولا ينفضُّ النَّاس من حوله؟! كلّا والله سينفض النَّاس من حولِه لأنَّ الله قال للنبيّ (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

عندما نتحدّث عن رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-  لابدَّ أن نتحدَّث عن شفقته بالعُصاة من أمَّته، قال روحي فداه: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا [أي يبعدهن عنها]، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي» [رواه البخاري ومسلم]. والحُجَز: معقد الإزار (وسط الكَمَر من الخلف)، وأنا آخذ بحُجَزِكُم عن النار.

رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يُروى أنه مرَّت أمامه جنازة من مات على غير الإسلام، فدمعت عينه قال: “نفس تفلَّتت مني إلى النار”. يريد أن يُنقِذ النَّاس جميعا من النار، يريد أن يكون سببا في دخول النَّاس في دين الله أفواجا لا في إخراج الناس من دين الله والعياذ بالله.

لمّا نتحدث عن رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لابَّد أن نذكر أنَّ هذه الرحمة كانت عامَّة شاملة على كلِّ المستويات: رحمة للصغار ورحمة للكبار، رحمة للرجال ورحمة للنساء، رحمة للفقراء ورحمة بالأغنياء، رحمة بالمؤمنين وشفقة على العاصين: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا [حقَّه]» [مسند أحمد و مستدرك الحاكِم].

أتاه رجل فقال: يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال له رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم: “فهل مِن والديك أحدٌ حي”؟ قال: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا يا رسول الله، قال: “فتبتغي الأجر من الله؟”، قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صُحبَتَهُما». [متفق عليه]. لاحظوا رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بكبار السِّن، بالوالدين الكبيرين، رحمته بالنساء وبأهل بيته، قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». [رواه الترمذي].

رحمته بالأولاد الصغار: كان يمسك الحسن والحسين فيقبِّلهما، يصعدان على ظهره وهو يصلِّي فيُطيل السُجود خشية أن يقع أحدهما. دخل عليه أعرابي وهو يقبِّل أحد أحفاده فقال: إن لي عشرة من الوَلد ما قبَّلت منهم أحدًا. فنظر إليه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ثم قال: «من لا يَرحم لا يُرحم». [رواه البخاري وأبو داود والترمذي] وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ، فَمَا نُقَبِّلُهُمْ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» [متفق عليه]

رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «إنِّي لأدخل الصلاة فأريدُ أن أُطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي عمَّا أعلم من شِدة وَجد أمِّه عليه». [البخاري ومسلم].

يريد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أن يطيل الصَّلاة وكانت في زمن النبيِّ تأتِ نِسوَة فيصلين خلف الوِلدان، يكون الرجال خلف النبيّ ومن ورائهم الولدان ومن ورائهم النساء فيسمع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بكاء الصغير وهو يريد الإطالة في الصَّلاة فيتجوَّز (أي يُسرع في صلاته) لِما يعلم من شفقةِ أمِّه عليه، هذه الأمُّ سيغلي قلبها وسيدرُّ حليبها وهي تسمع بكاء صغيرها.

هكذا كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وهكذا يجب أن يكون من يدعي التأسي بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- يسمع بكاء الأطفال والنساء فيقصفهم بالمدفعية ويرميهم بالرشاشات ويدعي التأسي بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- والنبيّ منه ومِن فعاله المشينة براء إلى يوم القيامة.

لما نتحدَّث عن رحمة النبيِّ -صلّى الله عليه وسلّم- لابدَّ أن نذكر حتى رحمته بالحيوانات وكلّنا يحفظ حديث «دخلت امرأة النار في هرَّة حبستها حتى ماتت؛ فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكُل من خَشاش الأرض» [متفقٌ عليه]. النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- (والحديث في صحيح مسلم) «دخل حائطا [أي بستانا] لرجل من الأنصار فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ؟ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ»  (يعني تجيع هذا البعير وتتعبه) فذمهّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأوصاه خيرا بالبهيمة بالبعير فكيف بمن يفعل ذلك بالبشر؟! كيف بالطواغيت الذين يجيعون البشر ويتعبون البشر؟! والنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أوصى بالرحمة بالبهائم -صلّى عليه الله وسلّم تسليما.

لمّا نرى بعض من يدّعي التأسّي بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ونرى تكبّره وتجبّره وتغطرسه على الضعفاء من المسلمين إن احترمَ فإما يحترِم حاشيته وزبانيتَه وبعضَ من يُطبّل ويزمّر له، فلابدَّ أن نتذكّر من هدي النبيِّ -صلّى الله عليه وسلّم- رحمته بالضعفاء بالفقراء بالمساكين بالخدم: عبدة حبشية زنجية كانت تقمُّ مسجد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- تنظف مسجد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فافتقدها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-؛ يوم يومين ثلاثة لم يراها فسأل عنها، فقالوا: لقد ماتت يا رسول الله. وكأنّهم استصغروا شأنها فلم يخبروه بموتها، جهزّوها وصلّوا عليها ودفنوها دون أن يخبروا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، فحزن رسول الله على ذلك وقال: هلا آذنتموني؟ دلّوني على قبرها، فذهب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلى قبرها وصلّى عليها. [رواه البخاري ومسلم].

هكذا كانت رحمة رسول الله بالضعفاء والمساكين، روحي فداه قال: «أبغوني الضعفاء فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم». [رواه الترمذي وأحمد]. الرزق والنصر والعون من الله تعالى يكون بالضعفاء والمساكين فمن لم يأبه بالضعفاء ومن لم يهتم لحال المساكين والله والله والله لا ينصُرُه الله أبدا. “أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم”. قال روحي فداه: «ألا أخبركم بأهل الجنَّة؟ مَن أهل الجنَّة؟ قال: كلّ ضعيف مُتَضَعِّف لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: كلُّ عُتَّل جوَّاظ مستكبر». [صحيح مسلم]. العُتَّل الجوَّاظ هو الجموع المنوع عبد الدرهم والدينار عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، جَموع مَنوع؛ يجمع المال لا يسأل من حلال أو من حرام، يزيّن له شياطين الإنس والجن ذلك بدعاوى شتّى، يجمع ويمنع، عُتَّل جوَّاظ مستكبر يتكبر على خلق الله، إذا قيل له اتقي الله أخذته العزَّة بالإثم فحسبه جهنَّم ولبئس المهاد. قال: “ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مُتَضَّعف لو أقسم على الله لأبرَّه، والحديث حسن صحيح.

عندما نتحدَّث عن رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- نتحدَّث عن رِفق رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بتعليم النَّاس الدين: قال روحي فداه: «الرِفق لا يأتي إلا بخير، ما كان الرِفق في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه». [رواه مسلم]

دخل أعرابي إلى مسجد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- والأعراب قبل الإسلام لم يكونوا يعرفون دور العبادة، لم يعرفوا إلا بيت الله الحرام والمسجد كانت أرضه ترابا وحصى لم يكن فيها الحصير ولا السجّاد فوقف في جانب المسجد يريد أن يَبُول فسارع إليه الصحابة ينهرونه: مَه مه، فقال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم: “دعوه لا تزرموا عليه بولته (لا تضايقوه لكي لا يؤلمه ذلك) ثمّ شنّوا على بولته ذَنُوبَا من ماء” (بس خلص اغسلوها بالماء)، ثمّ أتى الأعرابي فقال: «إن هذا المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله عز وجل وللصلاة وقراءة القرآن»، فلمّا رأى الأعرابي من لُطف النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عانقه وبكى قال: اللهم ارحمني ومحمّدا ولا ترحم معنا أحدا. لفرط ما رآه من رحمة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.

أيُها السادة: عندما نتحدَّث عن مسلم يريد أن يدعو إلى دين الله فلا يكون ذلك إلا بالرِفق واللين واللطف والمحبَّة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

عندما نتحدَّث عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وعن رحمته لابدَّ أن نتحدَّث عنه وهو الذي كان قائدا وأميرا وإماما وهو الذي رغم كلّ رحمته قال الله تعالى له (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 215]. يريدون نُصرة الدين وتعليم الدين والجهاد في سبيل الله، اخفض جناحك كفاك تكبّرا يا هذا حاشى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وهو الرحمة المهداة للعالمين لكنّها رسالة لمن بعد النبيّ ممن يريد أن يتأسى بسنّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ورحي فداه هو القائل: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». [أخرجه أبو دواد والترمذي وأحمد].  ولمّا كانت الرحمة هي منبع وأصل جلِّ القيم الإسلامية كان من عُرف العلماء -أيها السادة- لمّا يبدؤون مجالس إسناد الحديث دائما أوّل حديث يبدؤون به “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

لما نتحدّث عن رحمة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وعن وجوب رحمة القادة والمتصدّرين بالمسلمين نتذكّر دعوة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ودعاءه لمّا قال: «اللهم من وُلِّي من أمر أمّتي شيئا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه، اللهم من وُلِّي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» [صحيح مسلم]. من أردا أن يرفق الله تعالى به فليرفق بالمسلمين فليرفق بالمؤمنين وإن سيأتيه يوم يشقُّ الله تعالى عليه ولا يجد له من المسلمين وليا ولا نصيرا ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا.

زيد بن سَعْنَة -رضي الله عنه- كان حِبرا من أحبار اليهود، قبل أن يُسلم دخل على النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فأمسك بتلابيبه قال: يا بني هاشم إنَّكم قوم مُطُل [أي تتأخرون في سداد الدين] والنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- استقرض منه ولكن لم يحن الأجل ولم يحن الحول، فإذا بعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يهزّ سيفه يقول: يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فإذا بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وذاك الرجل يهودي والنبيّ هو النبيّ، وكان أميرا إماما قائدا في المدينة، والرجل يدّعي عليه باطلا لم يحن وقت دينه ويأخذ بتلابيبه أمام الناس، ومع ذلك قال له: “يا عمر إنّما أنا وهو أحوج منك إلى غير ذلك مُره بحُسن الطلب ومُرني بحُسن الأداء”، فأسلم زيد قال: والله قد عرفت صفاته في التوارة وبقي صفة أردت أن أعرفها بأنّ حُلمه يسبِق غضبه -صلّى الله عليه وسلّم تسليما.

إمام نبيّ أمير قائد… يأتيه يهوديّ ذميّ، يمسك بتلابيبه، يقول له: إنّكم قوم مطل ويدّعي عليه كذبا وزورا يقول له عمر أضرب عنقه قال إنّما أنا وهو أحوج منك إلى غير ذلك. الآن بعض من تصدّر لمصلحة المسلمين يطالبهم الناس بحقوقهم (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ  وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: 148]، من ظُلم له أن يجهر لمظلمته فيأتيه سفيه من زبانيته يقول له أضرب عنق الناس بالسلاح! فيفتخر بذلك ويرسل زبانيته لكي يضربوا المسلمين بالسلاح، أين هذا من النبي -صلّى الله عليه وسلّم؟! بل بعد ذلك يدعي نصرة الدين ونصرة سنّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- والنبيّ والمسلمون وسنة النبيّ براء من ذلك.

النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- شتمه منافق يعرفه أنه يُضمر الكُفر، يُضمر غير الإسلام، فقال له الصحابة دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: “لا يقول النّاس أن محمّدا يقتل أصحابه”. [البخاري]. هكذا كان شأن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مع منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر والنبيّ يعرف أّنه منافق، أّما من يسلّط الزبانية والجلاوزة والظلمة والفسقة والفجرة وقليلي الدين على المسلمين، بل ويحتجب عن مظلمة المسلمين يدعي إنه ما بلغتني المظلمة، يبدو أنه لم يسمع حديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال لمن ولاه شيئا من أمور المسلمين: «من ولّاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلِّتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخَلِّته وفقره يوم القيامة». [رواه أبو داود والترمذي].

دخل أحد التابعين على أمير المؤمنين على معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- فقال له: أحدّثك حديثا عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: من ولّاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلَّتهم [خَلَّتهم: أي الفقر الشديد والحاجة الشديدة والمظلمة] فاحتجب دون حاجتهم وخَلَّتِهم وفقرهم (احتجب الله دون حاجته وخَلَّتِه وفقره) يوم القيامة.” فإذا بمعاوية -رضي الله عنه- في نفسِ اللحظة (وهكذا كان شأن الصحابة) يسمَّي يقول: يا فلان أنت مسؤول المظالم، تابع لي مظالم النَّاس، سمّى مسؤولا مرتبطا به مباشرة.

ما يصح لأمير ولا لقائد وُلِّي أمورا من أمور المسلمين أن يقول لا علم لي، ليش لا علم لك وَكّل أحد الثقات ممن معكم يقول لك مظلمة النَّاس ولكن لمّا يكون شريكا ولمّا يكون هو رأس منظومة الفساد سيتجاهل خَلَّة الناس وفقر الناس وحاجة النَّاس ومظلمة النَّاس، وأين هذا من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم.

أيُّها الأحبَّة: الله تعالى ما خاطب نبيَّه وقال (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران: 159]، أتبعها الله تعالى فورا بآية أخرى (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ  وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران: 160]، لاحظوا -أيُّها الأحبَّة- عند العلماء ما يُسمّى التناسب بين السور، الله تعالى وجّه القادة والأمراء إلى مفاتيح النصر حتى ينصرنا الله أن يلين للمسلمين وأن يرحم المسلمين (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) وأن يشاور المسلمين، فلا يصحّ أن يتّخذ أمرا غصبا عن المسلمين (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه) [آل عمران: 159]، لا تكن مترددا بعد المشورة عندئذ (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، أمّا إن فعلت عكس ذلك فترقب (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) فترقّب الخذلان وترقّب الخُسران وترقّب العذاب الأليم…. اللّهم ولّي علينا خِيرانا ولا تُسلّط علينا بذنوبنا شِرارنا، أنت ولّينا ومولانا اغفر لنا وتوّلنا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

0

تقييم المستخدمون: 4.83 ( 2 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *