كيف يركع العالم أمامنا في إدلب

مقالات - كيف يركع العالم أمامنا في إدلب

مقال قاسي ولكن مهم للغاية

✍️ الكاتب: فواز تللو

نعم، كيف نربح هذه الجولة في معركتنا الطويلة والمستمرة من أجل الحرية، لا فقط كيف لا نخسر إدلب اليوم … لا أحب التنظير ولا المزايدات ولا طرح الحلول الطوباوية غير الواقعية كحال كثير مما يكتبه البعض، كما أنني لست ممن يجرفه التيار وينخدع بدعايات التخوين التي تكثر عادة في هذه المناسبات بتحريض من صفحات النظام الوهمية … أنا سياسي واقعي وإداري تنفيذي تعودت مع الأزمات على طرح الحلول العملية، وهي حلول واقعية وصادمة في آن، حيث تزداد الصدمة كلما تعقدت المشكلة، ومن هذا المنطلق سألخص ما أطرحه منذ أكثر من ثلاثة أعوام قبل سقوط أي منطقة محررة، وينطبق على اليوم قبل سقوط إدلب الأكيد، مع مقدمة صغيرة لابد منها:
بعد الفشل الذريع للأتراك في الملف السوري بتقاعسهم عن التدخل مباشرة وقد كانت الفرص متاحة منذ 2012، أو بالخضوع للأمريكي بعدم تسليح الثورة، أو بدعمهم لفاشلين في قيادات المعارضة ومساهمتهم في فوضى الفصائل بسبب سوء إدارتهم للملف، وبعد التدخل الأمريكي ثم الروسي عام 2015؛ بعد كل ما سبق تقلصت طموحات تركيا نتيجة تقزم دورها في الملف السوري وبات كلما ما يهم تركيا منذ عام 2015 حتى اليوم أمرين: أولاً إبعاد الكرد الأوجلانيين الانفصاليين عن حدودها مهما كان البديل عنهم ولو كان النظام السوري (وهو ما سمعته من أحد راسمي السياسات التركية الرئيسيين في الملف السوري منذ ثلاث سنوات)، وثانياً منع تدفق اللاجئين إليها.
فكان أن رمت أمريكا بجائزة ترضية لتركيا تمثلت بـ”درع الفرات” ولا زالت تلوح لها بمنبج من يومها، أما الروس فقد حققوا أكثر من ذلك بكثير عبر مسرحية أستانة وجائزة “غصن الزيتون” ولا زالوا يلوحون للأتراك بتل رفعت من يومها.
كل منطقة في سوريا لا تسيطر عليها مباشرة قوة دولية أو إقليمية هي منطقة مستباحة كغنيمة لمن يسبق، وإدلب اليوم هي تلك المنطقة الباقية خارج هذه المعادلة؛ لم يدخها الأتراك لأن الروس لم يسمحوا لهم وها هم الروس يدخلونها اليوم بعد طي مسرحية أستانة … ربما يقضمونها على مراحل، والثمن سيكون جوائز ترضية تبدأ بتل رفعت وتنتهي بقطعة صغيرة إضافية في الشمال تضمها تركيا لمناطق نفوذها وتحشر فيها من لا يرضى بالعودة إلى سلطة النظام الأسدي ضمن موجة النزوح الجديدة والأخيرة بعد سيطرة النظام على إدلب كما هو متوقع وفق المسار الحالي.
لا يوجد خيانات ولا تسليم ولا ما يتداوله الكثيرون بـ “دروشة” مرددين دعايات النظام الخبيث وصفحاته المدسوسة، الخيانة الوحيدة كانت من قادة فصائل درعا وشمال حمص وبرزة ولم تكن تركيا طرفا في أي منها، أما باقي المناطق من حمص إلى الزبداني وداريا ودمر والهامة والقابون والغوطة فقد عملت ما تستطيع ضمن المتاح، ولست هنا بصدد مناقشة الصراعات الفصائلية أو سوء الأداء التي ساهمت في سقوطٍ كان مؤكداً ولو بعد حين بسبب الحصار المطبق أولاً وأخيراً، كما لست بصدد الرد على الاتهامات الباطلة حول خيانة هذا القائد أو ذاك وعدم تحريره لدمشق وصولاً لأسطورة “السلاح الثقيل”، ويكفي هنا الإشارة إلى أن سقوط القطاع الاوسط في الغوطة أتى بعد اختراق الجبهة نتيجة خيانة “دفضع”، وسقوط دوما بعد معارك كبيرة ودمار كامل واستخدام للكيماوي، وأن السلاح الثقيل أي الدبابات في دوما التي كان يملكها جيش الإسلام تمثلت في عشر دبابات معظمها من طراز قديم: أربعة معطلة لا يمكن أن تعمل، وأربعة تعمل لكن لا يوجد لها ذخيرة، واثنتان تعملان ولهما ذخائر محدودة .. باختصار هناك قلة من القادة الخونة وكثير من القادة المخلصين لكنهم أميين سياسيا واستراتيجيا، وكثيرٌ جداً من المقاتلين المخلصين الذين فعلوا الكثير وفعلوا المعجزات خاصة في المناطق المحاصرة مقابل قلة فاسدة بينهم.
سياسة روسيا هي ما اتبعته في الشيشان، وتتمثل بقصف عشوائي وحشي كثيف يدمر كل شيء مدني أو عسكري في منطقة صغيرة لا طاقة لمقاتلين بدون أي مضاد دروع أو طيران وقفها، ليتم تدمير كل مقومات الصمود من مرافق مدنية مع استهداف متعمد للمدنيين للضغط على المقاتلين، ليتم بعدها الدخول بقتال خفيف يتدخل فيه الطيران في كل لحظة للاستيلاء على منطقة خالية إلا من جثث المقاتلين والمدنيين … وحلفاءنا لم يقصروا في الانصياع ومنع أي مضاد دروع أو طيران عنا استجابة للأمريكي والروسي والأوروبي والإيراني .. والأتراك لن يقدموا شيئا من هذه الأسلحة النوعية كما أنهم لن يدخلوا أي منطقة (بما فيها إدلب) إلا بعد أخذ إذن الجميع، وهو ما لم ولن يحصل.
هنا نصل لزبدة القول والكلام … فوفق ما يجري حالياً؛ مهما استبسل المقاتلون (وهم يفعلون) كما أقرانهم في المناطق التي سبقتهم، مهما استبسلوا لن يستطيعوا مقاومة الهجوم وفق هذا التكتيك الروسي لذلك لابد من تكتيكات أخرى تقلب الطاولة وتتمثلا برأيي فيما يلي :

1- تغيير التكتيك العسكري الحالي بأخذ مبادرة تحديد مكان وزمان القتال: ويتم ذلك بفتح باقي الجبهات حيث لا يستطيع العدو المحتل الروسي الإيراني الأسدي التعامل مع جبهات أخرى معتمداً كما كل مرة على تركيز هجومه في محور واحد يقضمه تدريجياً بالتركيز على منطقة صغيرة تلو أخرى بحيث يحقق انهياراً للمعنويات وتقسيماً للمنطقة … مع ملاحظة أن فتح باقي الجبهات لا يعني مناوشة العدو ورشقات قذائف وصواريخ، بل الهجوم بقصد خرق خطوط العدو وتحرير مناطق ولو صغيرة من سيطرته مع حملة إعلامية مرافقة … حلب لا تزال على مرمى حجر، وشرق السكة أمامنا، ونحن اليوم محاطون من كل الجهات بما يسمح لنا بفتح جبهات عديدة ووفق محاور جديدة لا يتوقعها العدو.

2- الضغط في الملفات الاستراتيجية الممكنة لبعض الدول وعلى رأسها تركيا: وذلك باقتحام النازحين الجدد اليوم ونازحي الأمس من سكان مخيمات البؤس، اقتحامهم للحدود التركية السورية مهما كان الثمن … سيسقط ضحايا على يد فصائل عميلة تحمي الحدود وعلى يد الدرك التركي لكن العدد سيكون محدوداً مقارنة بما جرى ويجري وسيجري في الخلف، لا يجب الرد على الدرك التركي والاشتباك معهم بأي حال، بل التقدم بدون قتال ولا سلاح وتأكدوا أنهم لن يستطيعوا إيقاف تدفق عشرات ويحبذ مئات آلاف اللاجئين، وهو أمر سيجبر الأتراك على التحرك والضغط بجدية على الروس لإيقاف الهجوم والالتزام بوقف حقيقي وطويل لإطلاق النار .. فكما أسلفنا؛ تدفق اللاجئين هو نقطة ضعف الأتراك وعندها فقط سيتحركون وينجحون ففي ذلك مصلحتهم.

3- نقل المعركة إلى مناطق النظام وحاضنته أي العلويين الذين دمروا البلاد بينما مناطقهم آمنة، لكن نقل المعركة هنا يترافق بتغيير التكتيكات حيث الهدف هنا ليس السيطرة على أرض بل ضرب العدو في مناطق حاضنته، ويتم ذلك بتسلل آلاف المقاتلين خلف خطوط العدو لا لضربها من الخلف بل لمتابعة التوغل في جبال الساحل السوري والقيام بعمليات فدائية بطريقة “إضرب واهرب” لعشرات القرى والبلدات العلوية حيث يتم تقسيم المقاتلين إلى مجموعات صغيرة تتوزع المناطق وتنسق فيما بينها، تتسلح بسلاح خفيف وقنابل يدوية وآر بي جي ورشاشات محمولة، ومن ثم تقوم بتنفيذ هجمات خاطفة لا تدوم أكثر من نصف ساعة لتصفية الحواجز والمسلحين في القرى العلوية وإحراق المراكز الأمنية والعسكرية التابعة للنظام فيها مع نصب كمائن متحركة لمؤازرات النظام القريبة المتوقعة، ثم اغتنام على ذخائر وأسلحة يعوض بها المقاتلون ما استهلكوه في معركتهم ويغنيهم عن العودة إلى قواعدهم في المناطق المحررة للتزود بالذخيرة .. ومن ثم وبعد الانتهاء من الغارة الخاطفة يقومون بالانسحاب والاختباء في الطبيعة (التي تساعد في هذه الحالة) بانتظار العمليات الفدائبة التالية مع “تقطيع الوقت بالتسلية” بنصب كمائن لقوات العدو في تلك المناطق … لتتوج تلك العمليات بمهاجمة المراكز الروسية الخلفية وعلى رأسها قاعدة حميميم، ولا بد من الانتباه إلى أنه ليس مطلوبا في تلك “العمليات الفدائية” أبدا السيطرة على الأرض بل قتل ما يمكن من إرهابيي العدو المسلحين ونشر الرعب بينهم مع نشر مقاطع الفيديو لكل عملية.

4- أما الفدائيون في هذه المعركة ضمن مناطق العدو فهم بشكل رئيسي أنتم يا مهجري حمص وداريا والزبداني والقابون والغوطة والقلمون … فلإدلب أهلها ليحموها، ولا علاقة لكم بمعركتها فلديكم معركة موازية أهم تنقذ إدلب وأهلها، هم يقاتلون العدو في جبهتهم وفي الجبهات التي من الواجب عليهم أن يفتحوها كما أسلفنا، أما أنتم فمعركتكم وعدوكم بات على مرمى حجر، حيث مناطق الإرهابيين الطائفيين الذين ظلوا لنصف قرن ثم طوال سنوات الثورة يقتلونكم ويهدموا بيوتكم ويعتدوا على أعراضكم بينما يعيش أهلهم بأمان، وها هو ثأركم أمامكم … افعلوها وسيقف العالم على قدم واحدة وهو الذي لم يأبه بدمائكم طوال حصاركم لكن تتحرك إنسانيته الانتقائية فقط كرمى لهؤلاء الطائفيين، افعلوها وسترون أن الروس والأمريكان والأوروبيين سيستجدون وقف العمليات مقابل أي ثمن … والثمن سيكون حدوداً جديدة ووقفاً حقيقياً لإطلاق النار وسلاحاً نوعياً سنطلبه كثمن أيضاً وسنحصل عليه.

ما ذكرته هو #الممكن_والفعال وبثمن أقل بكثير من المسار الحالي الفاشل سياسياً وعسكرياً، فالاعتصامات والاستنكارات وطريقة القتال الحالية لن تجدي نفعاً وستكون بمثابة تكرار المكرر حيث حتى الدابة لا تقع في نفس الحفرة مرة تلو مرة … وما ذكرته ممكن وهو برسم أصحاب القرار : قادة فصائل بهم ضمير وعقل أو عناصر لديهم يبادرون رغم أنف قادتهم ولو “صفوا” القادة الرافضين الخونة، وما ذكرته أيضاً برسم الناشطين الثوريين على الأرض لتولي مهمة دفع النازحين لإنقاذ انفسهم لاقتحام الحدود … ألا قد بلغت، والحاضر يخبر الغايب، خاصة للثوار والناشطين في المحرر، الكل دون استثناء.

0

تقييم المستخدمون: 4.75 ( 3 أصوات)

تعليق واحد

  1. صهيب إنطكلي

    مقال مهم
    عسى يجد آذان صاغية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *