أخبار عاجلة
الرئيسية / خطب / سلسلة أركان الإسلام (2) – محمد رسول الله شروطها معانيها مقتضياتها

سلسلة أركان الإسلام (2) – محمد رسول الله شروطها معانيها مقتضياتها

خطبة الجمعة - محمد رسول الله

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

سلسلة أركان الإسلام (2)
محمد رسول الله
شروطها معانيها مقتضياتها

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 23 دقيقة.

التاريخ: 16/ذو القعدة/1440هـ
الموافق: 19/تموز/2019م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ شروط شهادة التوحيد كاملة.
2️⃣ معاني “محمد رسول الله”.
3️⃣ كذب من قال “كل الطرق توصِل إلى الله”!!
4️⃣ لوازمها (الطاعة – التأسي – التحاكم – المحبَّة …).
5️⃣ الفتنة في مخالفة أمر رسول الله.
6️⃣ فتنة رد الأحاديث الصحيحة بالهوى “التوسُّم”.
7️⃣ فتنة البدعة في الدين ومعناها الحقيقي، وسبب تغليظ النهي عنها.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
8️⃣ ما يكون كُفرا ويتعلَّق بشهادة “محمد رسول الله”.
9️⃣ الصارم المسلول على ساب الرسول.
🔟 أحباب النبي الصادقون وبرهان صِدق محبَّتِهم.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

 

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينُ به ونستهديه ونستغفِره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له… وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبدُه ورسوله، أرسلَه ربُّه بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَالْمَوْعِظَةِ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَضَلالَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَدُنُوٍّ مِنَ السَّاعَةِ، وَقُرْبٍ مِنَ الأَجَلِ… فهدى الله به من الضلالة، وبصَّر به من العَمى، وأَرشد به من الغَي، وفتح به أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً، فبلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَح الأمَّـة، وكشَفَ اللهُ به الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وعبدَ ربَّه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أمّا بعد إخوة الإسلام، فقد كان حديثنا معكم في اللقاء الماضي عن أوَّلِ ركنٍ من أركان الإسلام، عن شهادة التوحيد، ويومها تحدَّثنا عن شطرها الأوَّل (لا إله إلا الله) ذكرنا شروطها ومعناها ومقتضياتها ولوازِمها، وتركنا الحديث عن شطرها الثاني إلى يومنا هذا، فاليوم نتحدَّث عن معنى ومقتضيات ولوازِم شِقِّها الثاني الذي لا تُقبَلُ إلا به، وقلَّما تُذكَر إلا وقُرِنت معه، ألا وهو شهادة أنَّ محمَّدٌ رسول الله…

عندما تحدثنا عن لا إله إلا الله، عدَدنا شروطًا لها، لابدَّ أن تعلم أخا الإسلام بأنَّ تلك الشروط نفسها تنطبق على شهادة أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، فهي شروطٌ عامَّة لكامل شهادةِ التوحيد: ((عِلمٌ بمعناها منافٍ للجهل – يقينٌ منافٍ للشك – إخلاصٌ منافٍ للشركِ والرياء – صدقٌ منافٍ للكذب – محبَّة منافيةٌ للبُغض والكره – انقياد منافٍ للترك – قبول منافٍ للردّ…)) وهذه الشروط العامّة لن نشرحها فقد شرحناها في لقائنا الماضي، ومن أراد مراجعتها فليرجِع له.

وأمَّا معانيها الخاصة، معاني أنَّ محمّد رسول الله، فأولها، الإيمانُ بالنبيِّ محمَّدٍ بنِ عبد الله بنِ عبد المطلِب الهاشِميِّ القرشيِّ العربيِّ رسولًا للمكلَّفين جميعًا إنسِهم وجِنِّهم، قال تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)) [سورة الأعراف: 158].

أرسلَهُ الله بشيرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) [سورة سبأ: 28].

ختم الله به النُّبوَّات والرِسالات: ((ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)) [الأحزاب: 40].

نسخ الله بشريعته جميع الشرائع السابقة، فلا يَقبل الله من العباد الذين سمعوا بدعوته إلا أن يؤمنوا به ويتعبَّدوا الله تعالى بشريعته: ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ.. )) [آل عِمران: 19]، ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: 85].

وفي هذا يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار». حقيقةٌ ومعتقد ينبغي أن يعتقِده المُسلِمُ حتى يكون مُسلِمًا.

لذلك – أيُّها السادة – نقول لكم: لقد كذَبَ وضَلَّ وأضلَّ من تظاهر بالمشيخةِ والعِلم ممن صدَّرتهم بعض القنواتِ التلفزيونية، وخرجوا يروِّجون بأن كلَّ الطرُقِ توصل إلى الله!!! كذبوا والله مداهنةً لليهود والنصارى، ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: 85]، من سمِع برسالةِ رسول الله محمَّد، يهوديًا كان أو نصرانيًا، ولم يؤمن بدعوته، أو كذَّب بها، فهذا كافرٌ لا يقبل الله منه ذلِك، لأنَّه بتكذيبه لرسول الله محمَّد، كذّب بعيسى وكذَّب بموسى، فعيسى وموسى وغيرهم مِن الأنبياء أخبروا أتباعهم، وتركوا في شرائعهم خبرَ وصِفةَ نبيِّ آخِر الزمان، رسولِ الله محمَّد -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ )) [الأنعام:20]. يعرفون رسول الله بصفاتِه الموجودةِ في كتبهم وفي شرائعهم، لذلك لا يُقبلُ إيمانٌ بلا إله إلا الله ممَّن سمِع بنبوَّة ورسالةِ رسول الله محمَّد -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يتَّبِعه ويصدِّقه ويشهد أنَّه رسول الله، فمن سلَّم لما جاءت به رسلُ الله، آمن بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وصدَّقه وأطاعه.

والإيمان والمحبَّة –أيها السادة- يقتضي الطاعة والإتباع، وفي البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل أُمَّتي يدخلون الجنة إلّا مَن أبى» قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»… فمِن أعظم مقتضيات شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: طاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في جميع ما أمر به في أمور العبادة والمعاملة وسائر شؤون الحياة، طاعته طاعةً مبعثُها تمام التسليم وتمامُ الانقياد والمحبَّة لهذا الرسول الكريم، وفي هذا يقول شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله- : “قد أمر الله بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته”، قال تعالى: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)) [النساء: 80]  وقال عزَّ مِن قائل: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [الحشر: 7] وجعل الله تعالى –أيها الأحبَّة- الهداية ثمرة من ثمار طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال تعالى: ((وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)) [النــور: 54]. وجعل الله جزاء مخالفتِه في قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور: 63]…

جلُّ ما نعانيه في حياتنا الشخصية، في أسرِنا، في عوائلنا ومجتمعاتِنا مِن فِتَن وعذاب ومشاكِل، لو بحثنا في أصلها وسببها لرددناها إلى مخالفةٍ أمرِ الله تعالى وأمرِ رسولِه، ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور: 63]…

الفوز الحقيقي والفلاح العظيم – إن أردته- فهو مضمون لكل من أطاع الله تعالى وأطاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقدَّم أمرَهمُما على أمرِ من سواهُما، قال تعالى: ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [النور: 52]. إن رُمتَ الفوز، فعليك بتقديم أمرِ الله تعالى وأمرِ رسولِه، فالفائزون هم من أطاعوه وأحبوه واتبعوه، واتخذوه أسوتهم في الحياة كما أمر الله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) [الأحزاب: 21].

وهذا التأسّي الذي جمع الانقياد والمحبة ترى حقيقته معيارًا لإيمان المؤمن، فالمؤمن الحق لا يجد في قلبه أدنى حرج، ولا يَشعر في جوارحه بأي تردد تجاه أمرٍ من أوامرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يُقدِّم على أمرِهما أمرَ أحدٍ أو قوله، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)) [الأحزاب: 36]. تريد أن تعرِف حقيقة إيمانِك؟ انظر إلى استجابتك تجاه أوامِر الله وأوامِر رسوله. كلَّما ضعُف الإيمان ازداد التردُّد وازداد تقديم الهوى على أمرِ الله تعالى وأمر رسوله، أما عندما يعلو الإيمان، عندما يشتدُّ الإيمان فترى المؤمِن يُقبِل على أمر الله تعالى وأمرِ رسولِه، غيرَ متردِّدٍ ولا مُلتَفِت، بل مُسلِّمًا تسليمًا…فمن مقتضيات الشهادة لمحمد -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة والرسالة: تحكيم شريعته، والتحاكم إليها في كل صغير وكبير ودقيق وجليل امتثالًا لأمر الله  تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)) [النساء: 65].

وهنا أيها السادة في باب اتباع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لابدَّ أن نحذِّر من فتنتين خطيرتين وخطأين عظيمين يقع فيهما كثيرٌ من الجهال سواءً منهم مَن أقرَّ بجهله أو أنَّه ادعى العلم وهو ليس بأهله:

أمَّا أولاها فهي فتنة التشكيك في الأحاديث الصحيحة التي صحَّت عند أهل الاختصاص متنًا وسندًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فترى بعض الجهلة أو أتباع الهوى يردُّونها ويكذِّبونها والله تعالى قال عن نبيِّه: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )) [النجم: 3-4]؛ وترى البعض، -ومنهم من يتزيّا بزيِّ العلماء- يشككون في أحاديث ثبتت وصحت وثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما دعواهم في ذلك؟! ما حُجَّتُهم في ذلِك؟!

يدَّعون بأنَّها لا تستقيمُ عقلًا!! وفي الحقيقة هي لا تستقيم مع عقولهم العفنة ونفوسهم المريضة التي تتقلَّب في الآراء والأهواء، ومن قال بأنَّ عقلَ الإنسانِ وهواه معيارٌ على ما جاء به الشرع؟!!

وكم مِن عائبٍ قولًا سديدًا *** وآفته من الفهم السقيمِ

القول‘ سديدٌ حكيمٌ مُحكَم طالما أنَّه صح متنًا وسندًا، لكن العِلَّة في فهمك، لكن العِلَّة في تطبيق من فهمه فهمًا خاطئًا، لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحِمه الله- في كتابه الشهير (درء تعارُض العقل والنقل) قال: ” كلُّ أثرٍ لا يستقيم ظاهره عقلًا، فهو فإما أنه غير صحيح نقلًا أي المشكلة بإسنادِه ونقلِه، أو أن المشكلة في الفهم الخاطئ لمعناه” فليست العِلَّة في الأثر الصحيح بل بعقول الناس التي لم تعي معناه… وفتح هذا الباب -أيها الأحبَّة- هذا الباب الذي أسماه البعض (بالتوسُّم)، فيردون أحاديث صحَّت نقلًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون حجّة علمية مقبولة مِن نسخٍ أو تخصيصٍ أو فهمٍ لغوي عربي مناسب…. لا حجَّة لهم سوى أنه لم يستقم عقلًا بتقديرهم، يتوسمون في الحديث أنه غير منطقي!! ويجعلون عقولهم حكمًا عليها، فهذا بابٌ خطيرٌ للانتقاص والطعن في دين الله، بتحكيم الهوى عليه، عياذًا بالله مِن ذلِك.

وأمَّا الفتنةُ الثانية في بابِ اتباع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وهي فتنة يقع فيها كثيرٌ ممن يدَّعي محبَّة النبي، فهي فتنةُ الابتداع في دين الله،

فبعض الناس تراه يبتدع في دين الله، عباداتٍ مخصوصة وأذكارًا بأرقامٍ مخصوصة، لم يأمر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولم ترد عنه -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يخبرنا بها الصحابة الكرام من بعده… والأصل -أيُّها السادة – أنَّ شهادة (محمد رسول الله) تقتضي من المؤمن أن يعتقدَ اعتقادا جازما مقرونا بالعمل بأن الله ­عز وجل- لا يقبل من العباد قُربةً ولا طاعةً ولا عبادة، إلا إذا كان هذا التديُّن مما شرَعه الله تعالى ونقله لنا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ؛ بقوله أو فعله أو تقريره، لأنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبلِّغٌ عن الله تعالى، لم يكتمنا شيئًا من دينِ الله، ولم يتوفه الله حتى أكمَلَ به الدين، ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ)) [المائدة:3]. أكمل الله به الدين، وبلَّغَ رسول الله نمامَ البلاغ المبين، فجزاه الله عنّا خيرَ ما جزى نبيًّا عن قومه ورسولًا عن أُمَّته…

لذلك أيُّها الأحِبَّة، كلُّ عبادةٍ يَتعبَّد بِها المتعبِّدون، وكل قُربَة يتقرَّب بها المتقرِّبون لم يَشرعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أصلها، أو وصفها، فهي عبادةٌ مردودة على أصحابها، مرفوضة من أهلها، والمتعبِّدون بها مؤزرون غير مأجورين؛ لأنهم عبدوا الله على غير ما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا لا يخلوا مِن أن فاعِلَه يعتقِد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قصَّر في بلاغِ شيءٍ من الدين، أو أنَّه يظن بأنَّه سيأتي بأفضل مما أتى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو أنَّ من علَّمه هذا الأمر أعلمُ مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه المعتقداتُ كفرٌ والعياذ بالله لو اعتقد الإنسان أيًّا منها عالمًا بمعناها…. فإذا كان رسول الله لم يقصِّر في بلاغِ شيءٍ من الدين، وإذا كنت تعلمُ أيُّها الإنسان بأنَّك لن تأتي بأفضلَ مما أتى به رسول الله، ولا الذي علمك هذه البدعة أعلم مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعلى ماذا تتبعُ أولئك المبتدعين وتأت بما لم يصح عن الله تعالى ولا عن رسوله، وهو القائل – روحي فِداه- : “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”. أي مردودٌ باطل، يبذِل فاعِلهُ فيه الجهد، وهو مردودٌ عليه لا يُقبَلُ مِنه، موزورٌ مؤاخذٌ غير مأجورٍ ولا مشكور…

أمَّا أحباب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، أمّا أتباعه المتَّبِعون له حقًّا فهم المتبعون لسنَّتِه المتأسُّون بسيرتِه، المقتدون بهديه، العامِلونَ بشرعِه، العالمون بأنَّ مخالفة أمره وتبديل سُننه بدعة وضلالة، يستحق العبد عليها العذاب والخذلان ولو ظنَّ بأنه يريد بذلك خيرًا، قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

وفي حديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضي، كما يُذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلموا، فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فأقول: ألا سحقًا سحقًا!» [صحيح مسلِم]. سُحقًا وبعدًا لأولئك الذين بدَّلوا دين النبي وهجروا سنَّته وابتدعوا في دينِه، وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فمَن رغِب عن سُنتي فليس مني» [رواه البخاريّ ومُسلِم]، انظر إلى نفسِك إلى حالِك ومقالِك وعباداتِك وأفعالِك ومعاملاتِك… وقِسها على سُنَّةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ، وتذكَّر دائما أن النبي قال لنا مُعلِّمًا «فمَن رغِب عن سُنتي فليس مني»، إذا أردت أن تكون من أهلِ محبَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- حقًّا، فلتعلم بأنَّهم أهل السُّنّة أهل الالتزام والوقوف على أمر الله ورسوله، لا يُفرِّطون بترك أوامر الله ورسوله، ولا يُفرِطون حتى يبلغوا درجة الغلوِّ المذموم، الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- وحذرنا مِنه كثيرًا فهو بابٌ خطيرٌ مِن أبوابِ الشِّرك؛ ومِن ذلِك ما يكون مِن بعضِ مَن يُفرِطونَ في محبَّةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فيصِفونه  لا يصِح أن يوصَفَ بها نبي، مما قد يكون مِن أوصافِ الله تعالى، هؤلاء وقعوا في محذورٍ خطير نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ [الله] فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ”. رسولُ الله، عبدُ الله،… لا نصِفه إلا بما يُرضي الله تعالى، فمحبَّة النبي محبة طاعة وتصديقٍ واتباع والتزام بما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، محبَّةٌ تتجلى بالطاعة، وبمعرفة فضل وحقِّ النبي وكثرةِ ذِكرِه والصلاةِ عليه، وبالذات في الأيام والمواسِم التي حضَّ فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، كليلة ويومِ الجمعة، حيث تكون صلاتنا معروضةً عليه يرُدُّ علينا السلام، وفي الحديث الحسن الصحيح الذي أخرجه الإمام التِّرمِذي عن أُبيِّ بن كعب، قال يا رسول الله أجعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: “إذاً تُكْفى هَمَّكَ، وَيُغْفَر لَكَ ذَنْبكَ”. [كانَ يذكُر الله ويصلِّي على رسول الله، فسأل النبيَّ كم يُخصِّص له من الذِّكرِ صلاةً عليه، أجعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: “إذاً تُكْفى هَمَّكَ، وَيُغْفَر لَكَ ذَنْبكَ”].

إن رُمـتَ فـــوزاً بالمَقــامِ الأَقــربِ  ***   وأردتَ تَحظـى بالمَعـــاشِ الطّيّبِ

ورغبتَ في سَترِ الذّنوبِ وَمَحوِها   ***   وزوالِ هَــــمٍّ مُـرهِــــقٍ وَمُعَــــذِّبِ

فاقصِد مواقيتَ الفضيلةِ داعيــــاً *** مَولاكَ وَاغتنِمِ الصَّـلاةَ على النّبي

اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم، في العالمينَ إنَّكَ حميدٌ مجيد…

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستَغفِرين.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامة من المِحَن… أمَّا بعد أيها الأحبَّة:

واعلموا إخوة الإيمان بأننا ونحن نتحدَّث عن حقِّ محمدٍ رسول الله، لا بدّ أن نعلمَ بأنَّ هناك معاصٍ، تتعلَّق بها قد تصلُ بصاحِبها إلى الكفرِ والعياذُ بالله.

أوَّلُها الاستهزاء بشيءٍ من دينِ الله أو ما جاء به النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أو الاستهزاء بشخصِ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- … بعضُ الناس تراه يسمع حديثًا عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يستقيم وعقلُه المعوجّ فتراه يستهزئ به أو يسخر مِنه، والله تعالى قال وقوله الحق: ((وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ)) [سورة التوبة:65 – 66].

فالاستهزاء والسخرية بما صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بشخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفرٌ والعياذُ بالله.

وأشدُّ منه كُفرُ من يشتِمُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذاك لا تُقبلُ منه في الدنيا توبة، لأنَّ جرمهُ تعلَّق بشخصِ النبي، فكان الصارِمُ المسلول على سابِّ الرسول، حدَّه في الدنيا، وأمرُه في الآخِرةِ إلى الله ورسولِه إن تاب عن ذلِك.

ومما يُذكرُ في هذا الباب أيها السادة، كفرُ من اعتقدَ أن غير هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلى من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حُكمه، كالذي يُفضِّل حُكم الطواغيت على حكمه، وكذلك شأن من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو عملَ به، فهذا كفرٌ والعياذُ بالله، لا يكون إلا من الفسقة والمنافقين…

أمَّا أهل الإيمان، أهلُ لا إله إلا الله محمّدٌ رسول الله، أما المؤمنون حقًا فهم يؤمنون بالنبي ويتأسَّون به في جميع شؤون حياتِهم، في اعتقادِهم وعباداتِهم ومعاملاتِهم وسياساتِهم وجهادِهم… يؤمنونَ بِه وينصُرون دينه، ليس هذا وحسب، بل يضحُّون بأنفسِهم وأموالِهم وأهليهم لأجلِ لا إله إلا الله محمّد رسول الله، هكذا كان شأن صحابة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا كان شأن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يومِنا هذا،  ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].

أولئك الذين آمنوا بدعوة الرسل، ونصروا دعوةَ الأنبياء، سقوا شجرة إيمانِهم بمياه الطاعاتِ الطاهِرة، سقوها حتى استغلظَت ساقها وامتدَّت أغصانها وكبُرَت أوراقُها، فكانت سياجًا منيعا يحمي دين الله، ودينَ رسولِه ويحمي أهل الإيمان، أولئك الذين جاهدوا في الله حقَّ جِهادِه، أولئك الذين امتثلوا محبَّة رسولِ الله حقًا، وأولئك هم أحباب رسولِ الله حقًا…

أيها الأحِبَّةُ الكِرام، إخوانٌ لكم، يقضون الليالي تحت الأرض يحفِرون الأنفاق والخنادِق، وفوق الأرض يُجاهِدون في سبيل الله، يبذلون المُهَجَ والأرواح، يبذِلون الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، لأجل سُنَّةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا لم يكن أولئك أحبابَ رسول الله حقًا فمن أحبابُه؟!!

أولئك برهنوا عن صِدقِ حبِّهم بعظيمِ بذلِهم وتضحياتِهم، تحيةً لهم على كلِّ الجبهات، على جبهات الجنوب في حماة، وعلى جبهات الشرق في ريف حلب، وعلى جبهات حلب، وأخصُّ بالذِكر جبهاتِ الغرب، جبهاتِ جبالِ الساحِل، تِلك الجبهات المنسيَّة التي تحمي ظهورنا…

جبال الساحل، معقِل المجاهدين، وموئلُ المؤمنين، وحاميةُ ظهرِ المسلمين… فيها والله شبابٌ لو رأيتهم لعرفتَ معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي ، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» [رواه مسلم]

رموا للموت أجسادا سراعا          ***       ومدوا للردى باعا فباعا

وطابت أنفس تصلى حروبا      ***      فتنشر نحوَ فردوسٍ شراعا

ونعلم أن آجالا ستُقضى      ***   فهل نخشى مع الموت اجتماعا؟

نصب له الدماء بكأس عزٍّ    ***         فيُنشَر طيبها يملا البقاعا

وإنا في (الكبينة) مذ شهور   ***    سباعٌ في الوغى لاقت ضباعا

ولا تنس الجبال فكل شبر      ***       زرعناه الرجال إذا تداعى

وتُسمِعنا حماةُ نداء جرح       ***        فنسمعها جوابا بل قراعا

وللشهباء آمال تبدت         ***       ليرجع سعدها فيها اتساعا

وكل الشام روحي في فداها *** ومنها الطيب في الأنحاء ضاعا

ونعطي العز أيمانا غلاظا   ***         سنبلغه وجهدا مستطاعا

ونقتلع العدو وقد تمادى     ***        لغير الله روحي لن تباعا*

*[شِعر الأستاذ أحمد حسن مصطفى]

أسأل الله تعالى أن ينصُرنا بأحبابِ النبيِّ الصادقين، أن ينصُرَهم، وأن يُثبِّتهم، وأن يمدَّهم بمددِ الأرضِ ومددِ السماء… إنِّي داعٍ فأمِّنوا.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 2 أصوات)

تعليق واحد

  1. دعاة الشام

    رابط الخطبة على اليوتيوب

    https://www.youtube.com/watch?v=WgzTWM_-4VQ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *