الرئيسية / خطبة الجمعة / أعظم الأمانات

أعظم الأمانات

خطبة الجمعة - أعظم الأمانات

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

أعظم الأمانات

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 39 دقيقة.

التاريخ: 5/ جمادى الأولى /1440هـ
الموافق: 11/ كانون الثاني /2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ الآيات والأحاديث في حِفظِ الأمانة.
2️⃣ أمانة الدين، لم تحملها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان.
3️⃣ أمانة علم الدين ومسؤولية العلماء.
4️⃣ أمانة الزعماء والرؤساء والمسؤولين.
5️⃣ فروع أمانة المسؤولين.
6️⃣ أمانة المستشارين والبطانة.
7️⃣ أمانة المجلس ونقل الحديث.
8️⃣ أمانة محادثات الجوال الصوتية.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
9️⃣ قصة عن أمانة قول الحق، الأوزاعي مع ابن عم أبي العباس السفاح.
🔟 دعاء.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا،
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كَرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين، أمّا بعد إخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)) [النساء:58].

إخوة الإيمان والعقيدة، بعد خطبتنا الخيرة أتاني سائل يسأل يسألني قال لي: “تحدثت عن الإيجارات وعن ارتفاعها وما شابه ذلك فهلّا تحدثت عمّن يُضيع الأمانة التي يُستأمنُها، هلّا تحدّثت عن الطرف الثاني وعن ضره وإضراره”. لذلك آثرت اليوم -أيّها الحبة- أن يكون حديثنا عن الأمانة، وعن مراتبها، تلك الأمانة التي أمر الله بالمحافظة عليها وعدم تضييعها ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58]، تلك الأمانة التي أمر الرسول الكريم -صلّى الله عليه وسلّم- بالمحافظة عليها فقال:
((أدِّ الأمانةَ إلى من ائتَمَنك، ولا تخُن من خانك)) [رواه أبو داودَ والترمذيّ وسنده صحيح]، تلك الأمانة التي حدّث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بأنّ أداءها والقيامَ بها سِمةٌ مِن سِمات المؤمنين، وأن الإخلال بها صفة من صفات المنافقين؛ فقال روحي فداه: (( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) [رواه أحمد وصححه الألباني]. تلك الأمانة التي هي صفة من صفات المؤمنين، لمّا عدّ الله سبحانه وتعالى صفاتهم فقال: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)) إلى أن قال: ((وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)) [المؤمنون:1-8].

الأمانة والإيمان صِنوان لا يفترقان، فمتى غاب الإيمان فُقِدَت الأمانة، ومتى فُقِدَت الأمانة، دلَّ ذلك على فقدِ الإيمان، وعلى غَلَبَة النِّفاق، لقول النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)).

نعم -أيّها السادة- من ذا الذي يدفع الأمين أن يكون محافِظا على الأموال وقد خلا بها؟ إنّه الإيمان.

من ذا الذي يدفع الأمين لكي لا يعتدي على العرض وقد خلا به؟ إنه الإيمان.

من ذا الذي يدفع الأمين إلى أن لا يظلم الناس وقد قدر عليهم؟ إنه الإيمان.

أيها السادة، الإيمان والأمانة صنوان لا يفترقان، فمتى غابت الأمانة دلّ ذلك على غياب الإيمان، ودل ذلك على غلبة النفاق.

أيّها الحبة تلك الأمانة التي كُلِّف بها بنو آدم، لها مراتب عديدة، وأنواعٌ كثيرة، منها ما يكون ضرر خيانته على الفرد، ومنه ما يكون ضرر التقصير فيه على المجتمع، ومنها ما يكون ضرر التقصير به على الأمَّة قاطبة، لذلِك كان لِزامًا علينا أن نُفصِّل في مراتب الأمانة التي أوجبها الله تعالى على عباده، وأوّل تلك الأمانة، وأعلى تلك الأمانة رتبة، ألا وهي أصل ومنبع خُلُقِ الأمانة: أمانة الإيمان التي قال الله عنها في محكم تنزيله: (( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً )) [الأحزاب:72]، وهذا من باب التشبيه وضرب المثال، كمال قال تعالى: ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [الحشر:21]، فتلك الأمانة الثقيلة لم يجعل اللهُ في السماوات والأرض والجبال ما يعينهم على حملها، وجعل في البشر عقلًا يعقِل، وقلبًا يستشعر ويذوق حلاوة الإيمان، وكلّفهم أول ما كلفهم بأمانة الإيمان، بأمانة التوحيد والخضوع لله تعالى، لذلك قالوا مفسرو التابعين رحمهم الله جميعا:
“((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ))، هي أمانة الدين أمانة التوحيد والفرائض والحدود” وضيّعها الإنسان ((إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً )) لا أعظم من أمانة الإيمان، ولا أعظم من أمانة التوحيد، فمن لم يَقِر الإيمان في قلبه يستحيل أن يكون أمينا، لذلك قال العلماء: “التقي الأمين من يخشى الله تعالى”.
من يخشى الله وقر في قلبه الإيمان فيُستأمن على مال، يُستأمَن على عِرض، يُستأمَنُ على أنفس، يحجبه إيمانه عن التجاوز إلى ما لا يحِل له.

إذن أيُّها السادة أوّل الأمانة، وأعلى الأمانة، أمانة الإيمان، أمانة توحيد الله تعالى وإقامةِ دينه وشريعته، لذلك كان بعد تلك الأمانة وبعد تلك الرتبة كان لا بد من الحديث عن أمانة من يحملون هذا الدين، تأتي من يحملون أمانة هذا الدين في أعلى مراتب الأمانة فزلَّة العالِم زلّة الأمَّة، زلّة العالِم الذي رفع الله قدره عندما قال: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادِلة:11]، هذا العالِم رفع الله قدره لعظيم ما على كاهله من أمانة ومسؤولية، ألا وهي مسؤولية تبليغِ الدين، مسؤولية أن يقول الحق وان يحكم بالعدل لا يخاف في اللهِ لومة لائم، نعم -أيّها السادة- إن الله أخذ العهد على العلماء في كل زمان ومكان، وفي كل الأمم، فقال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) [آل عِمران: 187].

اشتروا به ثمنًا قليلًا، باعوا دينهم بعرَضٍ من الدنيا قليل، باعوا دينهم وقد جلسوا على موائد المتصدِّرين والمتزعِّمين والحكام والمترئسين، فأكلوا على موائدهم، وترزَّقوا من فُتاتهم، فباعوا دينهم والعياذ بالله وخانوا أعظم أمانة، فأمانة العلم أيها السادة، أعظمُ أمانة يحملها مسلم، أمانة العِلم لا أخطَر منها، أمانة من يُحلِّلون ويُحرِّمون، يفتون فيحلِّلون أو يحرِّمون، أولئك يحملون أخطَر أمانة، فإن كانوا أهل نقلٍ وعقلٍ وعِلمٍ مُسنَدٍ وتَوخوا في عِلمهم مرضاة الله تعالى، واجتهدوا، فهم بين الأجر والأجرَين، أجران إن أصابوا باجتهادهم، وأجرٌ إن أخطأوا، أمّا إن كانوا والعياذ بالله قد تصدَّروا للحديث بِعلم الدين، وهم أهل أهواء وجهل، وبضاعتهم في العلم مُزجاة تصدَّروا بها لإضلال خلق الله، فأمرهم مردودٌ عليهم، وعليهم إثمهم وإثم من كانوا سببا في ضلاله وإضلاله إلى يوم الدين.

نعم أيها السادة أمانة العلم تكون بعد أمانة التوحيد بما أخذ الله بالميثاق ((لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)) فمنهم من حملَه حقَّ حملِه، ومنهم من أوذي في سبيل أن يُبلِّغ كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، ومنهم من -والعياذ بالله- باع دينه بعرَضِ من الدنيا قليلٍ للمتصدرينَ والفسقةِ والظالمين، لذلك كان لا بد -أيها السادة- من الانتقال إلى مرتبة ثالثة من مراتب الأمانة، أمانةٌ خطرها يعم الأمة ويعم المجتمع قاطبا، ألا وهي أمانة الزعامة والرياسة والتصدر أيها الأحبة، أمانة إن ضُيِّعت ضاعت معها البلاد والعباد، أمانة الزعامة والرياسة تكون على أبواب عديدة مختلفة:

أولها: يكون أمانة توسيدِ الأمر إلى أهله، وثانيها: أمانة استعمال الاكفاء الصالحين، وثالثها: أمانة عدم محاباة من ليسوا أهلًا لحمل المسؤولية وعدم توليتهم لشؤون العامة، ورابعها: استشارة المؤمنين من الأمينين الخبراء الذين يعقلون، وخامسها: حفظ حقوق الرعية، كل ذلك أيها الأحبَّة مسؤولية الرياسة مسؤولية الزعامة مسؤولية من تصدَّر… إنّها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

أمانة الرياسة -أيَّها الأحبّة- تلك التي حدَّث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بأن توسيدها إلى غير أهلها من علامات الساعة فقال روحي فداه: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة”، أتاه رجلٌ يسأله عن علامات الساعة، فقال له روحي فداه: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة”، قال : وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”، وكلنا يرى القريبَ والبعيدَ ممَّن توسَّدوا الأمر في بلاد المسلمين قاطبة، في جزيرة العرب، في الوطن العربي، في العالم الإسلامي… يوسَّدُ الأمر إلى غير أهله، حتى بيننا في الجماعات والفصائل، إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، من علامات الساعة رفع الأمانة التي قال عنها النبي -صلّى الله عليه وسلّم-: “لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين” [رواه أحمد].

ينساق الناس بعواطفهم خلفَ الخائن، ويخوَّنُ الأمين الذي يتكلّم بلُغةِ العقل، تِلك من علامات الساعة أيّها الأحبّة، أتى أبو ذر -رضي الله عنه وأرضاه مِن، خِيرة الصحابة الكرام وكُلّهم عدول خيار، ومن أشهرهم زهدا وورعا- أتى النبيَّ -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: يا رسولَ الله، ألا تستعمِلُني؟! [يريد أن يعمل تحت ولاية النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، ضعني في منصِب قيادي، سلِّمني مسؤولية…] قال: فضَرَب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بيدِهِ على منكِبي ثم قال: ((يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف [يعني ضعيف القوة، لا تملك المؤهلات المناسبة]، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامة خِزيٌ وندامة، إلاّ من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها)) [رواه مسلم]، بالحق، بالطريق المشروع، وبوجود المؤهلات المناسبة عنده، باذلا جهده ناصحًا للمسلمين، عامَّتِهم وخاصَّتِهم.

مسألة تولِية المسؤوليات، مسألةٌ لا مُحاباة فيها ولا مُجاملة، فقد روى الحاكم من حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: ” من وَلِي من أمر المسلمين شيئاً فأمّر عليهم أحداً محاباةً، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يُدخِله جهنَّم” [الحاكم في المستدرك، ومُسند أحمد]، تزعَّم أمرًا ما مِن أمورِ المُسلمين فولَّى أو أمَّر عليهم أحدًا مُحاباةً لأنّه من جماعته، لأنّه محسوبٌ عليه، لأنّه مِن أقربائه، لأنّه من عشيرته، لأنّه يدين له بالولاء، مع أنه لا يملك المؤهلات المناسبة لخدمة المسلمين، فقط لأنّه قريب منه، أمَّره أمرا من شؤون المسلمين، ماذا قال عنه النبي -صلّى الله عليه وسلّم-؟: ” من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمّر عليهم أحداً مُحاباةً، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يُدخِله جهنم”، يدعو عليه النبيّ أن يُطرَد مِن رحمة الله، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، لا فرضا ولا نفلا حتى يُدخِله جهنم، لماذا؟ لأنه خان أمانة الأمَّة، ولأنّه خان أمانة الجماعة، لأنّه خان أمانة المؤسسة، لأنّه ولِي أمرا من أمور المسلمين فأمّر عليهم أحدًا فقط لأنّه من جماعته أو من عشيرته أو من أقربائه مع أنه لا يملك المؤهلات المناسبة، فعليه لعنة الله، ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يُدخِله جهنّم لأنه غشّ رعيّته، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: “ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً؛ يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلاّ حرَّمَ الله عليه الجنة” [متَّفقٌ عليه].

يغشّ الناسَ، يكذِب على الناسِ، يقول بخلاف الحقيقة، يتآمر على النّاس ولا يُخبِرهم بحقيقة الأمور، يموت يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لرعيَّته، إلَّا حرّم الله عليه الجنّة، فليفعل ما يشاء، فرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كما جاء في الصحيحين يقول: “إلاّ حرَّمَ الله عليه الجنة“، نعم أيُّها الأحبّة، إنّها أمانة المسؤولية.

إذن أوّلها أمانة الإيمان والتوحيد، والثانية أمانة الدين وحمل هذا الدين وحمل العلم، أمانة العلم، والثالثة أيها الأحبّة، أمانة الزعماء والمتصدرين والمترأسين… وخيانة الواجبات تتفاوت إثمًا، وتتفاوت نكارةً، وقد بيَّنَّا بأنّ أشدّها وأعظمها إثمًا ما تصيب خيانتها دين المسلمين وجمهور الموحدين وعموم البلاد عند المؤمنين، ما يعمُّ بها الضررُ العبادَ والبلاد، فتلك غدرها وتلك خيانتها تكون والعياذ بالله أعظم الخيانة لذلك قال روحي فداه: “لكل غادر لواء عند استه -عند مؤخرته-، يُرفعُ له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم من أمير عامِّة”. [متفق عليه]، مِثلَ العَلَم يفضحُه اللهُ يوم القيامة، هذا غادِر، وأعظم تلك الغُدَر وأعظم الناس راية من رايات الغدر، يفضحه الله تعالى في الدنيا والآخرة، أمير عامَّة، أمير عامّة تولى شؤون العامة ثم غدر بهم، ليس أعظم خيانة ولا أسوأ من رجلٍ تولى أمور المسلمين فخانها وأضاعها وحابا فيها والعياذ بالله.

وهنا أيها السادة لا بد أن ننتقل إلى أمانة رابعة تَلزَم المُتصدِّرين وغيرَ المُتصدِّرين، تلزمك في بيتك وعملِك، وتلزم الزعيم في زعامته والرئيس في رياستة، ألا وهي أمانة المُستشارين، حتى تكون أمينا عدلًا لابدّ أن تستشير الخبراء والعلماء وتستشير الصالحين، وهذا يرتب مسؤولية على المستشارين، وهذا يرتب على من تصدَّروا بأنهم يشورون على أصحاب القرار بالدينِ وغيرِ الدين ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (( من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرُّشد في غيره فقد خانه)) [حسن، أخرجه أبو داود].

من أشار على أخيه بأمر أيا كان هذا الأمر، أريد شراء دكان فلان ما رأيك أن أشتريها؟ فيقول: لا تنفعك، ويذهب بعد أسبوع هو يشتريها!!

أريد أن أخطب بنت فلان لابني، فيكون الجواب: أنها لا تصلح. وإذ بعد شهر يذهب ويخطبها لابنه!! ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (( من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرُّشد في غيره فقد خانه))، لذلك قال -صلّى الله عليه وسلّم-: ((المستَشار مؤتَمَن))، المستشار مؤتمن بأن يقول الحق ويقول الصدق، والمستشار أيضا أيها الأحبة مؤتمن بأن يكتم فلا ينشر ولا يُخبِر ولا يُعلِم الناس بما استُشيرَ به أو سُئلَ عنه مِن غيره.

وهذا ينقلنا إلى أمانة مرتبة خامسة من مراتب الأمانة، ألا وهي حفظ الكلام، حفظ أحاديث الناس، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: ((إذا حدّث رجل رجلاً بحديث ثم التفت، فهو أمانة)) [أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه]. يُكلِّمك، مرَّ أناسٌ فالتفتَ، أو سكتَ قليلا، لا بدّ أن تفهم وأن تعي بأنها سِر، بأنها أمانة، رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: ((إذا حدّث رجل رجلاً بحديث ثم التفت، فهو أمانة))….

ومثل ذلك في زماننا أيها الأحبة ما يكون في محادثات الجوال، محادثات الواتس آب، بعض الناس يأتي شخص فيسأله، فيجيبه ويكلِّمُه، فإذا به يرسل المقاطع الصوتية، وإذا بها تعم الآفاقَ، وتزرَعُ الفتن وتقيم الشقاق، وقد تنمو وتنو فيها نبتات الفتن حتى تُسفَك فيها دماء والعياذ بالله!!

عندما يحدثك رجل بحديث ويكلمك على الخاص فهذا يعني أن الحديث خاص ((إذا حدّث رجل رجلاً بحديث ثم التفت، فهو أمانة))، ألا وإن كثيرا من بلائنا أيها السادة سببه تضييع هذه الأمانة، سببه تضييع أمانة المجالس ونقل الكلام والنميمة بين الناس وتلك أيضا على مراتب كُلَّما عم ضررها وزاد ضررها، زاد إثمها والعياذ بالله، وزاد وبال فاعِلها، وقد ذكرت من قبل بضع خطب نوعا خاصا منها خصَّه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بذكر عندما قال: ((إن من أعظم الأمانة (أي أعظم خيانة للأمانة) عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) رواه مسلم.

هذه مِن أعظم الأمانة خصنا النبي بالذكر ((إن من أعظم الأمانة [أي أعظم خيانة للأمانة] عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)).

أمانة المجالس أيّها السادة أمانة خطيرة، أمانة نقل الكلام لها تبعات، تبدأ -والعياذ بالله- مِن القطيعة، وقد تنتهي بخراب بيوت، وقد تنتهي بسفك دماء والعياذ بالله، هذه الأمانة لا بد مِن حفظها، ولكنّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- استثنى ثلاثة مجالس وجب لمن حضرها أن يهتِك سِترها وأن يفضح فاعلها وأن يُبلِّغ ذوي الأمر عنها فقال روحي فداه: “المجلس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق” [رواه أبو داود، وأحمد]

جلستَ مجلِسا فسمِعتَ قومًا يتحدثون بأنهم سيمكرون بمُسلم، سيقتلونه! فهذا المجلِس واجب عليك أن تُبلِّغ عنه، وإن لم تشاركهم، لذلك في القضاء أنت تتحمل مسؤولية، تقول للقاضي بأنك سمعت ولم تشاركهم، فيقول القاضي لماذا لم تُبلِّغ عنهم؟

“المجلس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام” والعياذ بالله، وثانيها “أو فرج حرام” تسمع أناسا يتفقون بأنَّهم سيغدرون بعرض مسلم أو غير مسلم، يريدون استحلاله، يريدون الاعتداء عليه، أو “اقتطاع مال بغير حق”، تسمع أناسا يأتمرون، يلعبون لعبة ما لكي يأخذوا مال فلان، يريدون أخذ أرضه أو داره بصورة غير مشروعة، فلا يحل لك إن حضرت المجلس أن تصمت، بل واجب عليك أن تفضحه “المجلس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق”، فواجب عليك أن تبلِّغ من يستطيع أن يدفع هذه المفسدة، ولتحذر لكي لا تكون طريقتك في التبليغ قد تتسبب بفتنة أكبر، وبمصيبة أكبر، تُبلِّغ من يستطيع أن يمنع هذه المفسدة، ومن يستطيع أن يرُدَّ هذه المفسدة، لا أن تنشر الخبر بطريقة تُفاقم الأمر وتأزِّم الأمر، فإذا بالمراد قتلُه يبدأُ فيقتُل غَيرَه، وإذا بالذي تُكُلِّمَ عن عِرضه يبدأ بالقوم فيعتدي عليهم “المجلس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق”، واجب عليك أن تهتك سِترها وأن تُبلِّغَ عنها من يستطيع أن يدفع هذه المفسدة، ويستطيع ردَّها.

إذًا أيّها الأحبّة: أمانة الدين (الإيمان)، أمانةُ حمل الدين (العِلم والعلماء)، أمانة الزعامة والرياسة، أمانة المستشارين، أمانة المجالس، وللحديث عن الأمانة بقية، فهناك مراتب أخرى للأمانة نتحدَّث عنها إن أحيانا الله إلى قابل، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين

  

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا:
))وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]، فاتَّقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامةُ من المِحَن…

تحدثنا اليوم -أيها الأحبّة- عن أعظم وأخطر الأمانات، تلك التي خيانتها تعمُّ ببلائها عمومَ المسلمين، تعمّ الأمّة، تعمُّ البِلادَ والعِبَاد، ويكون ما بعدها – إن شاء الله- الحديث عن الأمانة التي تصيب خيانتها من هم دون ذلك، فتلك نتحدث عنها في وقت لاحق إن شاء الله.

يستحضرني الآن -أيّها الأحبة- مِثالٌ عما تحدثنا به عن الأمانة، عن أمانة الدينِ وأمانة العلماء وأمانة الزعماء، لما أسقط العبّاسيون دولة بني أميّة، وخرجوا عليهم ودمَّروا مُلكهم وحُكمهم، كانوا يمتحنون الناس بإعلان ولائهم لدعوة بني العباس، وبإعلان حِل وجوازِ استحلالهم لدماء وأموال بني أميَّة، وما نسبوا به أنفسهم لبني العباس، فقيل لهم إن الأوزاعي رحمه الله لا يرضى بذلك.

والأوزاعي إمامٌ علَمٌ من أعلام المسلمين، وكان له مذهب واندثر، لقلّة طلابه لم ينتشر مذهبه الأوزاعي، علَمٌ مِن أعلام المسلمين، تلقّى عنه كبار الأئمة.

قيل للعباسيين: إن الأوزاعي يقول بأنّ ما فعلتم لا يحِل!! فطلبه عمُّ الخليفة العباسي أميرهم وزعيمهم، [«عبدالله بن علي» عم الخليفة أبو العباس السفّاح]. فقيل للأوزاعي إنّه يريدك، فعلم الأمر وعزَم في نفسه ألا يقول إلا الحق، فاغتسل ولبِس كفنَهُ تحت ثيابه، ودخل عليه، وحوله الوزراء والحاشية مِن المسوِّدَة قد شهروا سيوفهم ليُرهِبوا من خالفهم، فقال له أنت الأوزاعي؟ قال هكذا يقولون [يستهزئ به]…

فقال له: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة، أرباط هو؟ فقال الأوزاعي: فقال حدثني فُلان عن فُلان عن فُلان عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: “إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه” [متَّفقٌ عليه].

فقال ويحك فما تقول في الدماء التي سفكنا، فقال له الأوزاعي -رحمه الله-: حدَّثني فلان عن فلان عن فلان عن جدك بن العباس -رضي الله عنه وعن أبيه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «النفسُ بالنفسِ، والثَّيِّبُ الزاني، والتارِكُ لدينِه المُفارِق للجماعة» [متَّفقٌ عليه].

فاغتاظ ذلك الأمير واحمرَّ وجهُه، وقال: ويحك فما تقول فيما غنِمنا من أموال ودور؟ فقال الأوزاعي: إن كانت لهم حرام قد أخذوها بغير حق فهي حرام لا تحلُّ حتى تُعاد إلى أصحابها، [فالحرام يبقى حرامًا] وإن كانت حلالا لهم فهي عليكم حرامٌ قد أخِذت بغير حق.

فإذا به يشير لجلاده وقد شهر سيفه ليُرهِبَه، يظن أنه بسيفه يلجم ألسن العلماء العاملين، ويمنع الصادقين ويخرج أهل الحق من المؤمنين، فأزاح الأوزاعي ذؤابة عمامته لكي لا تقف في طريق السيف، وهو يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكَّلتُ وهو ربّ العرش العظيم، فسكفيكهم الله، فإذا بالسيف يسقط من يد الجلاد وإذا بالخليفة يتناول صُرَّة من الذهب يعطيه إياها لكي يسترضيه، فيأبى أن يأخذها فيأخذها أحد الوزراء ويعيدها له كرَّة أخرى، فيفتحها الأوزاعي وينثرها على رؤوس الوزراء، وعلى رؤوس حاشية ذلك الأمير، فالإمام العالم الذي يقول الحق ليس هو من يمد يدَه إلى أموال الظلمة، فمن مدَّ يدَه إلى أموال الظلَمَة لُجِم لسانه عن قولِ الحق.

هكذا كان سلفنا أيها السادة، وبقي الأوزاعي إلى ما بعد موت ذلك الأمير، الذي كان يقول: والله ما هبت أحدًا قط إلا الأوزاعي رحمه الله، وهذه الأمة -أيّها السادة- لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، لا تصلح حتى نربّي جيلا من العلماء الصادقين، ومن الزعماء المخلصين، يقولون الحق ويفعلون الحق ويأتمرون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم…

اللهم ما قضيت لنا من أمر فاجعل عاقبته رشدا إني داع فأمنوا.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *