الرئيسية / خطب / المتشبع بما لم يعط – المتمظهرون لابسو أثواب الزور

المتشبع بما لم يعط – المتمظهرون لابسو أثواب الزور

خطبة الجمعة - المتشبع بما لم يعط

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

المتشبع بما لم يعط
المتمظهرون لابسو أثواب الزور

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 28 دقيقة.

التاريخ: 25/محرم/1440هـ
الموافق: 5/تشرين الأول/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ خداع الناس بالمظاهر الكاذِبة.
2️⃣ مرضٌ نفسيٌ وداء اجتماعي.
3️⃣ تبعات ذلك سواء كان الادعاء بالمنصب أو الشهادة أو النسب أو المال أو …
4️⃣ تبعات ذلك على المستوى الجهادي والفصائلي.
5️⃣ سبب كثيرٍ من مشاكلنا الإجتماعية.
6️⃣ النساء وحب التظاهر بخلاف الحقيقة.
7️⃣ المدح بين الثناءِ المطلوب والإسرافِ الممجوج.
8️⃣ الإهانة في الدنيا والفضيحة عاقبة المنافقين.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
9️⃣ المتشبعون بما لم يُعطَوا في ثورتنا والمصائب التي أتت مِن ورائهم.
🔟 الحل لكي نقطع الطريق عليهم.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين… أمَّا بعدُ إخوة الإيمان:

جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يَا رسولَ الله، إنَّ لِي ضَرَّةً فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيني؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم-: “المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ”. [متفق عَلَيْهِ].

هذه المرأة لها ضَرَّة وهي تَغار من ضرَّتها وتغارُ من النِّساء، تريد أن تتشبَّع بزوجها ما لم يعطيها، أن تدعي أمام ضرَّتها وأمام النِّساء أنَّ زوجها يعطيها ويصرف عليها كذا وكذا…، وهو في الحقيقة لا يُعطيها ذلك،
فقط تريد أن تقول هذا لكي ترفع نفسها بين النساء، ولكي تدَّعي ما ليس لها وما ليس عندها، فقال لها -روحي فِداه-: “المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ”. لابس ثوبي زور؛ يضرب رسول الله به مثلًا، فقيرٌ ارتدى ثوبان، مثلًا في زماننا يلبس طقم، في زمانهم يلبسون مثلا ثوبًا وعباءة، يرتدي لباسًا من لباس الأغنياء ليس له، يستعيرُه متظاهرًا مثلا بالغِنى بين الناس.

رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حذّر تِلك المرأة من مرضٍ نفسي، ومُشكلةٍ وخطَرٍ اجتماعي، مرضٌ يتصف به المنافقون الذين قال الله تعالى عنهم: ((لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [آل عمران: 188].  المنافقون دائما يُحِبّون أن يظهروا بأشياء لم يفعلوها، يتباهون بأشياءٍ ليست لهم، ويُحبّون أن يُحمدوا بأوصاف لا يتَّصِفون بها أصلًا.

نعم أيُّها السادة، مرضٌ نفسيّ، وداءٌ اجتماعيٌ ابتُلي به كثيرٌ منّا؛ يدَّعي الشهاداتِ العُليا ولعله لم ينل شهادة التعليم الأساسي!! يتظاهر بالعِلم ويتصدُّر المجالِس، وهو لم يثنِ الركب عند العلماء طلبًا للعلم، ليس هذا في العِلم الشرعي فقط، تراه إذا جلس بمجلس يغدو طبيبا يشخص الأمراض، وصيدلانيًا يصِف الأدوية، ومهندِسًا يفهم بالعمارة، وشيخًا يُصدِر الفتاوى، كلّ هذا ولعله لم ينَل شيئًا مِنَ العِلم أبدًا!!!

نعم أيّها الأحبة، يُحبّ أن يُحمد بما لم يفعل، يُحبُّ أن يمدَحهُ الناس بما لم يحمله من الصفات، يتظاهر بالغنى والجاه، ويُدلِّسُ على الناس لكي يتشجعوا أن يُتاجروا معه، ولكي يتشجعوا بأن يعطوه أموالهم لكي يُشغِّلها لهم وهو لا يملك شيئا ورسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: قال: “… َمَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً”. ادعى الغنى والجاه لكي يأخذ أموال الناس كي يشغلها لهم لم يزده الله إلَّا قِلة، بعض الناس أيُّها الأحبة يوصل المال للفقراء، والمال ليس منه، لا ماله ولا مال أبيه، ولعلّه يعمل في جمعية إغاثية أو يوصل المال من محسن، فَيَمُنُّ على النّاس وكأنّه يدفع من جيب أبيه، يمُنُّ على الناس وكأنّه يعطيهم من ماله فضلا عن أن تحميل المِنِّيَّة للناس لا يصِح ولو كان يدفع من ماله، فما بالك وهو لا يدفع من ماله أصلا، يتظاهر وكأنّه يَدفع من ماله لكي يمدَحه الناس، ولكي يعلوا على الناس، بعض الناس أيّها الأحبّة يدعى التمثيل السياسي أو العسكري لبعض الفصائل أو الجماعات يدّعي تمثيلَ من لا يُمثِّلهم ويدعي الوكالة عمّن لم يوكلوه لكي يتظاهر بين الناس بالعلوِّ والمنصِب والسيادة، كل هؤلاء متشبعون بما لم يُعطَوا، كل هؤلاء مُتشبِّعون بما لم يُعطَوه، ولابسون لأثواب الزور…

بعض الناس أيّها الأحبة، والآن وقد عادت ودرجت موضة العصبية الجاهلية والعشائر والقبائل، تلك العصبية التي تدفع بريطانيا الأموال لتعزيزها في المجتمع السوري، ليس هناك شخص أتى من الجدار، كل واحد في مجتمعنا أصله يرجِع إلى قبيلة، ولكنَّ هذا المجتمع تجاوز عتبة الانتماء إلى القبيلة من زمن طويل؛ يتسيَّدُ زعيم قبيلة بنسبه وهو لا يعرف القراءة والكتابة، وقد يكون فيمن يتزعم عليهم فيهم الأطبّاء والمهندسين والعلماء والمشايخ والقادة، هذه العصبية الجاهلية تدفع البعض لأن يدَّعي أنّه من عشيرة أو قبيلة هو لا ينتمي إليها، فقط لكي يتكلَّم باسمهم، إذا تكلم يقول أنا ورائي مئة ألف إنسان مثلًا، وهذِه حدَّث عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس من رجُلٍ ادَّعَى لغير أبيهِ وهو يعلمُه إلا كفَرَ بالله، ومن ادَّعَى قومًا ليس له فيهم نسَبٌ فليتبوَّأ مقعدَه من النار» [رواه البخاري]. ومن ادَّعَى قومًا ليس له فيهم نسَبٌ فليتبوَّأ مقعدَه من النار، ولو ادعى النسب إلى آل بيت النبيّ – صلّى الله عليه وسلَّم-.

كل أولئك أيّها الأحبة مُتشبِّعونَ بما لم يُعطَوا، كل أولئك يلبسون لباسَ الزور، كُلُّ أولئك مريضون مرضًا نفسيًا، كُلُّ أولئك لا يعرفون تبِعات هذا المرض، بل البعضُ يعرفها ويُصر عليه.

إن أردنا أن نتفكر -أيُّها السادة- في تبعاتِ هذا المرض النفسي الخطير لرأينا أول الأمر والعياذَ بالله مراقبة الناس وعدمَ مراقبةِ الله، كل من يتشبع بما لم يُعطَ، هذا يراقب الناس، ويُحبُّ أن يُعظَّم في عيون الناس، ولو كان ذلك على حساب غضبِ الله، وعلى حساب مقتِ الله، قَالَ اِبْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: “إِنْ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُ؛ أَحَبَّ المَدْحَ وَكَرِهَ الذَّمَّ، فَرُبما حَمْلَهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الحَقِّ خَشْيَةَ الذَّمِّ، وَعَلَى فِعْلِ كَثِيرٍ مِنْ البَاطِلِ رَجَاءَ المَدْحِ”. كثيرٌ من الناس، مِن أصحاب هذا المرَض يتَّبِعونَ أهواء النّاس، يُقدِّمون أهواء الناس على مرضاة الله كي يمدحهم الناس ولو كان ذلك على حساب سخط الله.

من تبعات هذا المرض النفسيِّ -أيُّها الأحبّة- أن يبقى الإنسان جاهلًا لا يتعلّم، وكلنا نعلم ما ذكره البخاري موقوفا عن مجاهد قال: “لا يتعلَّمُ العِلم مستحيٍ ولا مُستَكبِر”. هذا المستكبر الذي يتظاهر بالعلم والشهادات والدراسات ويتصدَّرُ المجالس وهو لا يفقه شيئًا، سيمنعه تصدُّره هذا من أن يتعلم العلم، اثنان لا يتعلمان مستحي ومستكبر، هذا التظاهر بالباطل أيّها الأحبّة يُفضي إلى محظور خطير ألا وهو أن يأخذ حقّ الغير، كم رأينا الآن في ثورتنا وقد انتشرت الشهادات المزورة، من يأخذ مكان غيره كذِبا وظلما بشهادة مزورة، يدعي الصيدَلة ويفتح صيدلية وهو لا يعرف شيئا في الصيدلة، يدعي الهندسة ويأخذ مكان مستحقٍ لوظيفة ويتوظَّفُ مكانه وهو لا يفقه في الهندسة، يدَّعي المشيخة ويأخذ مكان طالب العلم وهو لا يفقه شيئًا في دين الله،

يأخذ حقَّ مُسلمٍ بما تظاهر به كذبا، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من اقتطعَ حقَّ امرئٍ مُسلمٍ بيمينِه حرَّم الله عليه الجنةَ، وأوجبَ له النارَ» [رواه مسلم]، هذا الذي أخذتَ مكانه في الجامعة أنتَ اقتطعت حقه، وهذه الذي أخذت مكانه في الوظيفة أنت اقتطعتَ حقَّه، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول:
«من اقتطعَ حقَّ امرئٍ مُسلمٍ بيمينِه حرَّم الله عليه الجنةَ، وأوجبَ له النارَ» هذا الذي يدَّعي ما ليس له.

ولعلّ مِن أكبر المصائب التي يفعلها بعض من يدعي ما ليس له في زماننا، إيقاع الفتن والقلاقل، نعم أيّها الأحبة، كم رأينا مِنَ القلاقِل والفتن والمصائب والقتال بالسلاح بين الفصائل والجماعات فإذا به عندما يُردُّ إلى أصله يُرَدُّ إلى خلاف بين شخصين، وغلى خلاف بين عائلتين، عائلة تختلف مع عائلة، أو شخص يختلف مع شخص، فإذا به يدعى بأنه فلان الفلاني في الفصيل الفلاني ويحرك جماعته جميعًا لمؤازرته، ويدعي أن مخالفيه قاتلوه وخالفوه فقط لأجل انتمائه لتلك الجماعة، ثم بعد القتال والقتلِ، وبعد إراقة الدماء، نكتشف أن المشكلة سببها خلاف شخصي بين اثنين أو بين عائلتين، وهذا كلُّه أيّها الأحبّة من مصائب تشبُّع الإنسانِ بما لم يُعطَ.

من مصائب تشبُّعِ الإنسان بما لم يعطَ أيّها الحبة، دفعُ الناس لأن تكون حياتهم شاقّة صعبة، والله مرّت معي قصة، رجل وامرأته أتاهم رجل ليخطب ابنتهم وهم يريدون عريسا لابنتهم وقد كبرت في السِّن، ولكنَّهم يريدون أن يتظاهروا أمام الناس بما لم يُعطَوا، فقالوا للخاطِب نريد مئة غرام ذهب، قال لهم من أين لي مئة غرام، فطلبوا منه أن يستعيرها فقط في فترة العرس، ثم يرُدَّها، وبالفعل لبسِت العروس أمام الناس، وادَّعَوا أن ابنتهم مهرها مئة غرام ذهب، ثم ردُّوها للعريس، وهو ردَّها لمن استعارها مِنهم!!

هؤلاء أيّها السادة عندما فعلوا هذا الفعل دفعوا أقرباءهم ومن حولهم وجوارهم لأن يسيروا على نهجهم، جارَتُهم لم تعد ترضى بأن تزوِّجَ ابنتها بأقل من مئة غرام ذهب، لسان حالها: “بنت جيران اللي أسوأُ من ابنتي وما هي مثل بنتي تزوجت بمئة غرام ذهب، وانا لا أزوج بنتي إلا بمئة غرام ذهب!!”، لاحظوا كيف أنَّ هؤلاء الذين يُحِبُّون التظاهر والتفاخر بين الناس، كلابسي أثواب الزور، يلبسون أثواب الغنى وهم منها براء، دفعوا الناس لكي تكون حياتهم صعبة… من وراء الفخر أنت تذهب إلى البيت، وتكون الجارة تتشبَّعُ بما لم تُعطَ أمام زوجتك، فتقضي نهاركَ نكدًا، لماذا؟ لأنَّ زوجتك سمعت من جارتها بأنّ زوجها يأتيها بكذا وكذا وكذا، ويكون كلّه كذب، تتشبَّعُ بما لم تعطَ، فقط تحب التفاخر فينعكس ذلك على جيرانها، تخرُجُ النساء مِن عندها فيذهبنَ ليُنكِّدنَ على أنفُسهِنَّ وعلى أزواجِهنّ!!

هذه مصيبةُ التشبُّع بما لم يُعطَ، ثلاثة أرباع مشاكلنا الأسرية في البيوت مع النساء سببها تشبع النساء بما لم يعطَوا من أزواجهن أمام بعضهنّ بعضًا، لذلك قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: «أعظمُ النِّساء بركةً أيسرُهنَّ مؤونة» [رواه أحمد]، ولذلك كان الفخر بين نساء الصحابة أن تكون النساء أيسَر مؤونة وأكثر بركة على زوجها… كانوا يتفاخرون بأنهم كانوا يزوجون بناتهم على خاتم من حديد وعلى بضعة آيات من القرآن، هكذا كان الصحابة الكرام، فاطمة رضي الله عنها والحديث في الصحيح كنَسَت بيت زوجها حتى اغبرَّت ثيابها، وطَحَنت في الرحى حتى أثَّر الرحى في يدها، فلمّا أُتيَ النبيّ بسبيٍ وزَّع جواري وخدم على نساء الصحابة فلمَّا طلبت ابنته لم يُعطها وطلب منها أن تذكر الله قبل أن تنام لكي تكون قدوةً لنساء المسلمين تخدم زوجها بإخلاص، وتخدم في بيتها، ويكون فخرها بأنها تُيسِّر على زوجها ولا تطلِب منه المزيد.

عندما نتحدَّث عن تشبُّع الإنسان بما لم يُعط، فنحن نتحدَّث عن داءٍ يوصِلُ إلى السخرية من الآخرين، يوصِلُ للتكبُّر، وما تكبّر إنسانٌ على الأرض إلا نقصَ من عقله بمقدارِ تكبُّرِه، هذا التشبُّع يوصل لداء آخر ألا وهو: محبَّة المدح، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» [رواه مسلم]، الذي يجلس في المجالس يمدح الناس، فلان الفلاني تاج رأسنا وسيدنا وووو….. ويكيل له المدح، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: أنَّ رجلاً ذُكِرَ عند النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً ، فقال النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – : (( وَيْحَكَ ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ )) يَقُولُهُ مِرَاراً :
«إنْ كَانَ أحَدُكُمْ مَادِحاً لاَ مَحَالَةَ
[لأنَّه لابدَّ من شيء من المدح لتشجيع الناس على الخير] فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إنْ كَانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا». [متفق عليه]. لا تقول التقي النقي العابد الزاهد، وما أدراك أنه تقيٌّ نقيٌّ عابِد زاهد؟!!

أنا ممكن أن أقول الدكتور فلان، لأنّه صاحب شهادة، أما ن أقول: “تقي نقي عابد زاهد”، فما يُدريني ما بينهُ وبين ربِّه، هذا من المدح المذموم، أمَّا أن تصِفَ الشخص بما هو فِعلا أهلٌ له تقول فلان طبيب، فلا شيخ، فلان كذا، وهو فعلا كذلك فهو أمر مُستحَب أن تُنزِل النَّاس منازِلهم، أمّا أن تمدَحه بالغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، فهذا من المذمومِ الذي قال عنه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: «إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».

نعم أيُّها السادة، هذا التشبُّع بما لم يعطَه الإنسان، ومحبَّة الاستكبار والتظاهر، هذه الظاهرة الخطيرة التي لم تعد مقصورة على طبقة دون طبقة أو على فئة دون فئة، فَفِي الأَغْنِيَاءِ مَن يتشبَّعُ بما ليس له، وَفِي الفُقَرَاءِ مَن يتشبَّعُ بما ليس له، وَفِي العُلَماءِ مُتَشَبِّعُونَ، وَفِي الجُهَلاءِ مُتَشَبِّعُونَ، كثيرون يتشبَّعون بما ليس لهم، فلا يلبث الله تعالى أن يكشِف عورتهم، ويهتِكَ أستارَهم، وأن يبين للناس معايبهم، وان يشمت بهم شامتهم، وأن يتوارى خجلا من الناس مُحبّوهم، أولئك الذين طلبوا المحامِد من غير وجهتها، وراموا العلياء في غيرِ موضِعها، وسلبوا حقوق الناس وتصدَّروا المجالس بأمرٍ لا يستحقونه، أولئك يفضحهم الله ويكشف سترهم ويذلهم في الدنيا قبل الآخرة، وقد رُوي عن الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: “من حسُنَت نيَّتُه في الحقِّ ولو على نفسِه كفَاه الله ما بينَه وبين الناس، ومن تزيَّن بما ليس فيه شانَهُ الله”. أي ومن تزيَّن بما ليس فيه، يريدُ أن يمدحه الناس بما ليس فيهِ مِن الأوصافِ والمحامِد، (شانَهُ الله) أي فضحهُ وهتَك سِتره.

اللهم اجعلنا ممن عرَف حدَّه، فوقف عندَه، ورضي بما قسمَ له ربُّه، وصار لبنةً صالِحَةً في هذا المجتمع، يسُدُّ ثغرا بما قدَّرَه الله تعالى عليه وبما قسَمه الله تعالى له… أقول ما تسمعونَ واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا: ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفتن، والسلامة من المِحَن واعلموا عباد الله: أنّ الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادِكُم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فصورُكُم وأجسادُكم ليست من كسبِكم فهي من خلق الله، وما كان كسبكم فهو ما في قلوبكم وما عملتم، مما كسبت جوارحكم، فهذا الذي ينظر الله تعالى إليه، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)) [فاطر:5].

أيُّها الأحبَّة في معرِضِ حديثنا عن المتَشبِّع بما لم يُعط، وعن المدَّعي لما ليس له، وعن لابس أثواب الزور، لابد أن نتحدث عن شيء وتطبيق خطير لهذا المرض ظهرَ في ثورتنا، نَعم، انعكاسٌ خطيرٌ لمرَضِ التظاهر بما لا يملكه الإنسان ظهر في ثورتنا فأفسدها سياسيا وعسكريا واجتماعيا، ألا وهو ادِّعاء البعض بأنَّهم يُمثِّلون الثورة والثوار ويمثلون هذا الشعب، ترى بعض الجهات السياسية وكلّ واحد منهم قد لا يعرفه إلا بضعة عشرات أو مئات من أصحابه يدَّعي أنّه يمثل الثورة والثوار، أو أنَّه يُمثِّل الشعب في المناطق المحرَّرة.

بعض الفصائل تدَّعي أنّها تُمثِّل الجهاد والمجاهدين، وتنكر جهاد باقي الفصائل، مرض نفسي خطير عند بعض المَوتورين الذين يطمعون بالزعامة انعكس على من يتبعهم أيضًا، فإذا به ينعكس أثرا خطيرا على ثورتنا، سياسةً وعسكرةً واجتماعًا، هذا المرض الذي هو أُسٌ من أسُسِ أوصاف المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم بأنَّهم يُحبُّون أن يُحمدوا بما لم يَفعلوا، يُحب أن ينسب كلَّ الجهادِ لفصيله ويتجاهل جهاد البقية، يُحبُّ أن يحمد بما لم يفعل، يُحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا…

أنا أمثل الثورة!! ويكون من يعرفِهُ أو يوكِّلُه لا يتجاوزون عشرة أو عشرين، مئةً أو مئتين، وينسى جهاد كل المجاهدين، وثورةَ كلِّ الثوار؛ أولئك جميعًا فيهم هذا المرض، وقد رأينا كثيرا من أولئك، ولعلَّ شرهم مكانًا وأضلَّهم سبيلًا أولئك الذين لم يعرفوا الجهاد، ولم يعرِفوا الثورة، أولئك الذين لم تدُس أقدامهم الأراضي المحررة إلا زيارات بسيطة لأخذ الصور التذكارية، ليتظاهروا بأن لهم من يؤيدهم، أولئك الذين جلسوا ما وراء الحدود وأخذوا ينظرون…

ليس هذا فحسب، بل ترى بعضهم يحاول أن يبقى على مسافة واحدة بين الثوار المجاهدين وبين الدول والنظام، فتراه يطلق على الثوار والمجاهدين اسم المعارضة، والنظام، لسانُ حالِه: ((نحن ليست مشكلتنا شعب مظلوم وإنّما معارضة ونظام، وبعض المكاسب في كتابة الدستور…))

علما أن مسودة الدستور التي يعرضها ديمستورا ومن معه، والله الدستور الذي وضع في زمن بشار أرضى لله من الدستور الذي يُعرض الآن، أرضى عند الله وليس فقط الدنيا.

تراهم يحاولون أن يبقوا على مسافة واحدة، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يريدون أن يستثمروا الثورة إذا حصل فيها انتصارات، وإذا أحجمت أن يبقى لهم مكان في اللعبة السياسية، شأنهم شأن من قال الله تعالى فيهم: ((الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) [ يراؤون، همهم المظاهر الخادعة والصور المزيفة والمناصِب الكاذبة المتوهَّمِة…] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143))) [النساء: 141-143]. هؤلاء المذبذبين يريدون أن يُحافظوا على مكاسبهم، لسان حالِهم: “إذا كسبت الثورة فنحن مع الثورة، وإذا انحسرت الثورة فنحن نحافظ على مكسب لندخل في اللعبة السياسية!!” أولئك الذين لم يتصدَّروا إلّا لأنّنا تنازعنا واختلفنا والله تعالى قال –وقولُه الحقّ- : ((وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [الأنفال:46] ، أما لو لم نتنازع ولو كُنّا على قلب رجلٍ واحد، ولو كان لنا حكومةٌ واحدةٌ في المحرر، الآن المُحرر أكبر من لبنان، من المَعرَّة إلى الباب مرورا بعفرين، لو أنّ لنا حكومة واحدة دولتنا أكبر من لبنان، حكومة تفاوض باسمنا وتمثلنا وهذا إن شاء الله سيكون، عندئذ لن يبقى لأولئك الذين يريدون أن يُزاوِدوا علينا وأن يتاجروا بدماء أولادنا وتضحيات شعبنا مكانٌ إن شاء الله.

نسأل الله تعالى أن يفضح عوَرَهُم وأن يهتِكَ أستارهم، وأن يولي علينا خيارنا، وأن لا يسلط علينا بذنوبِنا شرارنا، إني داع فأمنوا.

 

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *