الرئيسية / خطب / الرشوة تمهيد على طريق الخيانة

الرشوة تمهيد على طريق الخيانة

خطبة الجمعة - الرشوة تمهيد على طريق الخيانة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

الرشوة تمهيد على طريق الخيانة

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 28 دقيقة.

التاريخ: 7/ذو القعدة/1439هـ
الموافق: 20/تموز/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ تعريف الرشوة.
2️⃣ حكم المضطر حتى يحصل حقا أو يدفع ظلما.
3️⃣ خطورة الرشوة وتبعات فشوِّها في المجتمع.
4️⃣ لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما.
5️⃣ حكم الهدية للموظف في وظيفته.
6️⃣ عدم جواز قبول الشفيع للهدية في الشفاعة.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:
7️⃣ ثقافة الرشوة تمهد لصناعة شخصيات مستعدة للخيانة.
8️⃣ أشكال من الرشوة خان بها الخائنون أمتهم وشعبهم.
9️⃣ القادة ورشوة الدول لهم بالوعود الخلَّبية!!

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

الحمد لله وحده (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:40] نحمده سبحانه وتعالى حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنِبين، ونسأله من فضله العظيم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضِدَّ ولا نظير؛ الخير كلُّه منه، والشر ليس إليه (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34]. وأشهد أن نبيَّنا محمّدا عبده ورسوله؛ بلَّغنا رسالاتِ ربنا، ونصَح لنا؛ فلا خير إلا دلَّنا عليه، ولا شرَّ إلَّا وحذَّرنا منه… تركَنا على المحَجَّةِ البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلَّا هالك، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ المُحَجَّلين، ومن سار على دربهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين… أمّا بعد إخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].

إخوة الإيمان والعقيدة، أيها المستمعون الكرام، أيها الأحبة الأفاضِل، كنّا قد التقينا في الأسبوع الماضي متحدِّثين عن المال الحرام، متحدِّثين عن عقوبة آكِلِه وتبعات جريرتِه في الدنيا والآخِرة، وحديثنا اليوم – أيهّا السادة – عن مصدرٍ خطيرٍ من مصادِر المال الحرام، ذكره الله تعالى في محكمِ تنزيله لعظيم ضرره على الفرد والمجتمع والدولة، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة: 188].

حديثنا اليوم – أيها السادة – عن الرشوةِ، حديثنا اليوم عن ظاهرتٍ خطيرةٍ متفشِّيةٍ في مجتمعنا، حديثنا اليوم عن عارٍ ونقيصةٍ انتشرت بيننا انتشار النار في الهشيم، حديثنا اليوم عن الرشوة، عن عادةٍ تعلَّمناها ونُعلِّمها، عن عادةٍ انتشرت بيننا ونَنشرُها، حتى غدا الشعب السوري مضرب المثل في نشر ثقافة الرشوة، حيثما حلُّ السوريون وارتحلوا يعرفون بدفع الرشوة ويُصمون به، ولكم سمعت هذا قبل بدء الثورة من كثيرٍ من العرب والعجم، فالسوري يدفع الرشوة بسرعةٍ وبسخاء، السوريّ متى دخلَ سيُبتز لأنَّه يدفع الرشوة بسهولة، السوري يلوم ولده، بل ويعتبره قليل حيلة إذا لم يدفع الرشوة ليدبِّر أموره، أمَّا الذكي الشاطر عند أبيه فهو من يعرف كيف يدفع الرشاوي، فهو من يعرف كيف يأخذ حقوق الآخرين، فهو من يعرف كيف يظلم الناسَ ويُخالِفُ القوانين!!

عِشنا دهرا طويلا – أيها السادة -، عِشنا وما زِلنا نعيش وقد فشت فينا عادة دفع الرشوة، وما أدراك ما الرشوة وما خطورة الرشوة؟!

أمّا تعريفها، فالرشوة: هي كل ما أعطاه المرء لصاحب سلطةٍ، لينال به باطلًا، أو ليولِيَه ولايةً (أي ليوظِّفه في وظيفةٍ من الوظيفات)، أو ليظلِمَ به إنسانًا آخر، كمن يدفع في زماننا لبعض الأحزاب والفصائل، ليضربوا له هذا وليقتلوا ذاك والعياذ بالله، وما منشأ كل هذا إلا ثقافة الرشوة.

وهي كل ما يُعطيه المرء لصاحب سلطةٍ، لينال به باطلًا، أو ليولِيَه ولايةً، أو ليظلِمَ به إنسانًا آخر، أو ليحكُم له بما يريد…

هذه هي الرشوة أيها الأحبَّة، هذه التي أتت الآيات والآحاديث تذمُها وتلعن دافعها وآكِلها، أمّا ما يدفعه المسكين مُضطرًا لكي يأخذ حقَّه – فيما تيقَّن بأنّه حقٌ له- أو ليدفع عن نفسه ظلم الظُّلام وجور الحكام – فيما تيقَّن من أنه مظلومٌ به- فهو ليس برشوةٍ على دافِعه المسكين ولكنَّه رشوةٌ على الفاسِد المجرم الذي قبض.

هذا الذي يدفع ليُحصِّل حقَّه أو ليدفع الظلم عن نفسِه مُكرَها مُضطرًّا، فهو ليس مشمولًا بعموم الحديث عن الراشي، أمَّا ذاك الذي يأخذ المال منه، فذاك هو الملعون بالأحاديث التي قالها النبيّ – صلَّى الله عليه وسلّم –

ولكنَّا مع هذا، فإننا لا نشجِّع المضطر على دفع الرشوة، ولا نرضى التساهل بذلك، فمتى تساهلت في دفع الرشوة للوصول إلى حقِّك أو لدفع الظُّلمِ عنك، فأنت تشجِّع ذلك الفاسِد الظالم على مزيدٍ من الظُّلم، على مزيدٍ من الإجرام والابتزاز للناس لكي يأخذ منهم أموالهم بغير وجه حق، لذلك كان إنفاق المال للوقوف في وجه ذلك الظالم على صعوبته، خيرًا من استسهال دفعه له، ففي الأولى صيانة المجتمع ومحاربة الفساد وفي الثانية التشجيع على الظلم وتقديم مصلحة الفرد على المجتمع، وانتشار ثقافة الرشوة.

الرشوة التي أفردنا لها خطبةً خاصَّة لأنها داءٌ خطير وشرٌّ مستطير، الرشوة وما أدراك ما الرشوة؟!!

مرض اجتماعيٌ فتّاك، يخرِب البلاد ويُفسدُ قلوب العباد.

الرشوة، تلك التي ما فشت في مجتمعٍ إلّا عطَّلت المصالِح، وضيَّعت الحقوق، وأهدَرت الكرامات، ورفعت اللئام، وأهانت الكِرام، وقلبت الحقَّ باطلًا والباطِلَ حقًّا.

إنَّها الرشوة، وما أدراك ما الرشوة؟!!

الرشوة، التي ما فشت في مجتمع إلا آذنت بهلاكه، فهي التي تساعد على الإثم والعدوان، فبالرشوة، يسجن البريء، ويُبرَّأ المُجرِم.

بالرشوة، ينتصر اللِّصُّ السارق، ويُهزم الشريف الفاضل.

بالرشوة، يُوظَّف الكسول الجاهل، ويُمنع المتعلِّمُ الحصيف العاقِل.

إنَّها الرشوة، وما أدراك ما الرشوة؟!! علامة على نقص الدين، وضياع الأمانة، وانتشار الخيانة، وفساد الأتباع وأهل الولاية.

نعم أيُّها الأحبة، إنَّها الرشوة التي تساهلنا فيها ردحًا من الزمان، إنها الرشوة أصلٌ من أصول الفساد، وسببٌ رئيسي من الأسباب التي أوصلت بلادنا إلى ما نحن عليه الآن.

 

بالرشوة، بأكل السُّحت، تضيع الكرامة وتُهضمُ الحقوق.

بالرشوة النبوغُ مقبور، والجِدُّ مدفون، والغَيرة على مصالح الأُمَّة مُضمَحِلة، والأمانة في خدمة الأمة غائبة، وتقدير الإخلاصِ والمخلصين متلاشٍ، فالتقدير والتعظيم والترفيعات والرفعُ فقط لمن يدفع الرشاوي.

ويكفي أن نعلم أيُّها الأحبّة بأنَّ الرشوة مذمومةٌ وخيانة عند جميع أهل الأرض على اختلاف مِللهم ونِحَلِهم وقومياتِهم وأعراقِهم، وهي في دين الله أعظم إثمًا وأشدُّ مقتًا وأكبرُ عقوبةً، لذلك ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي وأبو داود، عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر – رضي الله عنهم -: «أنَّ رسولَ الله – صلّى الله عليه وسلَّم- لَعَنَ الراشِي والمرتشي في الحكم». وفي مسند الإمام أحمد «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا». أي الوسيط الذي يُيسِّر إيصال الرشوة بينهما، كمسير المعاملات الذي يوصِل الرشوة مثلًا، ولكم كان بيننا من مُسيِّري المعاملات، من كثُرَ عملُهم وزاد مالهم الحرام لأنَّهم كانوا خبراء محترفين في إيصال الرشوة، بل قد كان بعضهم في الحقيقة مجرَّد مفتاحٍ لإيصال الرشوة إلى الموظفين والمسؤولين وصُنَّاع القرار.

«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا». واللعنُ الطردُ من رحمة الله، فلا يعرف رحمةً، ولا يجد في ماله ولا في عافيته بركةً، ولا يجد في حياتِه توفيقًا فهو الذي يأكلُ السُّحت، ويُيسر أكله للخاطئين الذين شابهوا اليهودَ.

فاليهود أيُّها السادة روَّاد ثقافة الرشوة الذين قال الله عنهم: ((سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)) [المائدة: 42]. قال ابن مسعود: السُّحت هو الرِشا.

ولكم فشا بيننا يا ابن مسعود هذا السُّحت الذي عابه الله على اليهود؟!! هذا السُّحتُ الذي نُجمِّله ونزيِّنُه ونبرِّرُه بكلمات مثل: (الإكرامية والبقشيش وحلوان توقيع المعاملة وثمن فنجان القهوة وهديّة -النبي قبل الهديَّة-!!) وقد تكون على صورة وليمةٍ ودعوةٍ لذاك الموظَّف أو المسؤول، ذاك الذي لو كان في بيت أبيه وأمِّه أكانت تلك الهديَّةُ لتصله؟!! وهل كان هذا الذي أقام الوليمة له وعلى شرفه ليتذكَّره وليدعوه عليها؟!

في المتفق عليه ممّا أخرجه البخاري ومسلم عن أبي حميدٍ الساعِدي – رضي الله عنه – قال: «استعمل النبيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- رجُلًا… على الصدقة، فلمَّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، قال: فقام رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلّم-، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، فإِني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولَّاني اللهُ، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدَّيةٌ أُهدِيَت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأُمه، حتى تأتيَه هَدِيَّتُهُ إن كان صادقا؟

[…هذا الموظف هذا المسؤول هذا الوكيل هذا الذي استخدمه صاحب السلطان، حتى من وظفوهم الفصائل وغير الفصائل، وأي صاحب شوكة، هلا جلس في بيته، ليرى إن كانت الهدية ستصله إن كان صادقا….. وهنا أتبع روحي فداه:….]

واللهِ لا يأخذُ أَحدٌ منكم شيئا بغير حَقِّه إِلا لَقيَ الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرِفَنَّ أحدا منكم لَقيَ الله يَحْمل بعيرا له رُغَاءٌ، أَو بقرة لها خُوارٌ، أو شاة تَيْعَرُ، ثم رفع يديه حتى رُئِيَ بياضُ إِبطَيْهِ، يقول : اللهم هل بلغت؟ – ثلاثًا-».

نعم، أيُّها الموظف يا من تأخذ من الناس الهديَّة، قبل أن تقبلها اسأل نفسك، لو كنت في بيتك وبيت أمِّك وأبيك لو لم تكن موظَّفا أو واليًا على شأنٍ من شؤون المسلمين، هل كانت تلك الهديَّة لتصِلَك؟!!

يا من تأخذ أو تدفع تلك الهدايا هلّا علمت أنَّ في الصحيح مما أخرجه أبو داود أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  قال: «مَنْ شَفَع لأحدٍ شفاعة، فأهدى له هديَّةً عليها فَقَبِلَها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا».

تخيَّل مع هذا الموقف أخا الإسلام، الحديث هنا ليس عن الموظَّف الذي يأخذ المال لكي ييسر أمور الناس أو يعينهم على الباطل، الحديث هنا عن رجُلٍ تبرَّع بأن يشفع شفاعةً – ذهب أو اتصل بمسؤول بصاحب سلطة بموظَّفٍ … ليتشفَّع لأحدهم في مسألةٍ ما- فأراد صاحب المسألة، صاحب الحاجة أن يُكرِم هذا الذي ذهب ليتشفع له بهديَّة، لم يدفعها لصاحب السلطة، دفعها للشفيع شُكرا له، فإذا بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-  يقول: مَنْ شَفَع لأحدٍ شفاعة، فأهدى له هديَّةً عليها فَقَبِلَها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا».

كُلُّ هذا سدًا لذريعةٍ ودفعا لشبهة أن يكون الشفيع رائشًا أو راشيًا أو مرتشيًا!!

وفي البخاري يقول روحي فداه: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ [وظيفة كبيرةً كانت أو صغيرة، وزيرًا أو خفير..] فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا [أي فرضنا له راتبًا وأجرًا..] فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ». أي ما استفاده بسبب وظيفته من غير راتِبه فهو غلولٌ، وهو سحتٌ، وهو حرام، ورسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  يقول: « إنَّه لا يَدخل الجنَّة لحمٌ أو دمٌ نبت من سُحتٍ، النَّار أولى به… الناس غاديان؛ فغادٍ في فكاك نفسه فمُعتِقها، وغادٍ فموبِقُها» [صحيح ابن حبان، وقال شعيب الأرناؤوط حديث صحيح].

فاختر لنفسك أخا الإسلام وآثر الباقي على الزائل، نسأل الله أن نكون جميعًا مِنَ المُعتَقين، اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطِك والنار… أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستَغفِرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى.

إخوة الإيمان: مازال حديثنا عن الرشوة والمُرتشين. بئس الثقافة وبئس العادة… الرشوة وما أدراكم ما الرشوة؟!! الرشوة داءٌ خطير يتسبب بهلاك المجتمعات وخُسرانِها وفسادِ أحوالِها، وانتشار الظُّلم فيها.

الرشوة التي ما تفشَّت في مجتمع إلّا وغابت منه الفضيلة، وحلت فيه الرذيلة.

الرشوة التي ما تفشَّت في مجتمع إلّا وغابت منه المحبَّة والأخوّة وفشت فيه الكراهية والأحقاد والبغضاء.

وهذا يذكرنا بالحكمة من نهي النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن أخذ الهديَّة في مقابل الشفاعة، لأنَّك أيها المسلم، إن كنت من الوجهاء ومن أهل الشفاعة، وجب عليك أن تسعى في معونة إخوانك رحمةً ومحبَّةً وتكرُّمًا وتقرُّبًا إلى الله … لذلك ما فشَت الرشوة في قومٍ إلّا وغابت من بينهم المحبَّة والأخوّة وفشى فيما بينهم الحقد والعداوة والبغضاء.

إنَّها الرشوة – أيها السادة- التي لم تتطور الدول التي تطوَّرت وتقدَّمت في الغرب إلا لما حاربتها واعتبرتها جريمةً من أكبر الجرائم وكبيرةً من أعظم الكبائر.

إنَّها الرشوة، التي ما وقعت في أُمَّة إلا وحلَّ فيها الغِش محلّ النصيحة، والخيانةُ محلَّ الأمانة، والظلم محلّ العدل، والخوف محلّ الأمن.

الرشوة التي ما انتشرت في مجتمعٍ إلَّا ساد فيه الشرُّ والظلم، وانتشر بين أهله البُؤس والفقر والشقاء والخوف، وفي مسند الإمام أحمد مرفوعاً وله شواهد يقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  «ما مِن قومٌ يظهر فيهم الرِشا إلا أُخِذوا بالرُّعب». عاشوا حياة الرعب والخوف، فأنت لا تأمن على نفسك من معتدٍ يدفع رشوة لصاحب سلطة فيسجنك، فيخطفك، فيتبلّى عليك، لذلك قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-  «ما مِن قومٌ يظهر فيهم الرِشا إلا أُخِذوا بالرُّعب». عاشوا رُعبًا وخوفًا.

عندما نتحدث عن الرشوة وعن خطورتها أيها السادة فنحن نتحدَّثُ عن تمهيدٍ وتدريبٍ وتقريبٍ لخُلقِ الخيانة، ولوصف الخِيانة، ولثقافة الخيانة، ولتبرير الخيانة، فمن نزل دَرْكَ الرشوة هان عليه أن ينزل درْكًا درْكًا إلى الأسوأ فالأسوأ … حتى تبلغ الرشوة مبلغ الخيانة والعمالة وتخريبِ وبيع الأوطان.

ولقد رأينا في ثورتنا من يرتشون فيقبلون الدنيَّة لأمَّتهم، يقبلون الدنيَّة لأمَّتِهم في مقابِل مصالِحهم ومنافعهم.

يقبلون الدنيَّة لأمَّتهم، يخونونها، ويكشفون سِترها، وينسحِبون من جبهاتها، ويتحوَّلون عن أراضيها، ويتجاهلون دماء إخوانِهم وتضحياتِهم، يتجاهلون دماء الشهداء، وبكاء الأمهات، يتجاهلون عذابات الأسرى، وأنَّات الحرائر المغتصبات، لأجل مصالحهم الشخصية، لأجل طموحاتهم الفردية، يستزلُّهم العدو فيعدهم بِلُعاعَةٍ من لُعاعةِ الدنيا، فلا يأبى أحدهم أن يُصالح العدو، بل أن يكون معه!!

بعضهم أيضًا، تستزِلُّهم الدول فتعدهم بإقطاعيَّةٍ صغيرة يكونون عليها أمراء ويتسلَّطون فيها على رقاب الناس، وما هذا إلا رشوةٌ هوَت في دَركات الفساد حتى بلغت مبلغَ الخيانةِ لله ولرسولِه وللمسلمين، ومن أورد نفسَهُ موارِد الشبهات والتهم فلا يلومَنَّ إلا نفسه، فرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  علَّمنا قائلًا: “والإثم ما حاك في صدرِك وكرِهت أن يطَّلِع عليه النَّاس” فلتعي ذلك أيُّها الموظَّف، ولتعي ذلك أيها العامِل، ولتعي ذلك أيها القائد، ولتعي ذلك أيها الأمير، وليُخبَر بذلك أصحاب الاتفاقات السرِّيَّة والمعاهدات المشبوهة، فرسول الله علمنا قائلا: “الإثم ما حاك في صدرِك وكرِهت أن يطَّلِع عليه النَّاس” إذ لو لم يكن عارًا لما خشيت من كشفه، ولما خشيت من فضحه، الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبِهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومدار ذلك كلِّه على تقوى الله تعالى وعلى مراقبته في السرِّ والعلن، ففي مثل تلك يظهر المؤمنون ويُفضَحُ المنافِقون، اللهم ما قضيت لنا من أمرٍ فاجعل عاقبته رشدًا… اللهم ولِّ اللهم علينا خيارنا ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا شِرارنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين… إني داعٍ فأمِّنوا.

0

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *