الرئيسية / خطبة الجمعة / فلنحكم عقولنا وكفانا انقيادا بالعواطف

فلنحكم عقولنا وكفانا انقيادا بالعواطف

خطبة الجمعة - فلنحكم عقولنا وكفانا انقيادا بالعواطف

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

فلنحكم عقولنا وكفانا انقيادا بالعواطف

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 33 دقيقة.

التاريخ: 9/جمادى الأولى/1439هـ
الموافق: 26/كانون الثاني/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ مكانة العقل في الإسلام
2⃣ مكانة العقل في القرآن والسنَّة
3⃣ أطفِئ سراج عقلك واتبعني!!
4⃣ العقل عاصمٌ من الانحراف خلف من يوظِّفون النصوص لمصلحتهم.
5⃣ العقلَ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ.
6⃣ كفانا تلاعبًا بمشاعِر الناس واستثمارًا لعواطِفهم وتجاهلًا لواقِعهم.
7⃣ ثورتنا والخطابُ العاطِفيّ.

🔴 الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية:
8⃣ حرب الإسلام على كل ما يُغيِّبُ العقلَ معنىً وحِسًّا.
9️⃣ أين ينفعُ العقل وأين يستسلِم.
🔟 أنُكذِّبُ عقولنا وأبصارنا ونُصدِّقُ أسماعنا؟!

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فهو المهتَد، ومن يُضلِل فلن تجِدَ له وليًّا مُرشِدًا، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسوله، وصفيُّهُ وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كرِه المشرِكون… فصلوات ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين وأصحابه الغُرِّ المُحجَّلين ومن سار على دربهم واهتدى بهُداهم إلى يوم الدين، أمَّا بَعْدُ – إخوة الإيمان- يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) [الإسراء:70].

إخوة الإيمان والعقيدة: حديثُنا اليوم عمَّا كرَّم الله به بني آدم، حديثنا اليوم عن أخصِّ خصائص الإنسان، حديثنا اليومَ عن مناطِ التكليف ومفتاح التشريف، حديثنا اليوم عن العقل؛ حديثنا اليوم عن العقلِ الذي أعلى دينُنا شأنَه، ورفعَ كِتابُنا مكانَه … آياتٌ كثيرةٌ في كتاب ربِّنا فيها (يعقلون،  يُبصِرون، يتفكَّرون، يفقهون…)
عشراتُ المواضِع في القرآن الكريم أشارت إلى العقل أو أشارت إلى ما يتصِل به من عمليَّاتٍ عقليَّة…

فلتعلموا أيها السادة الكرام بأنَّ القرآن الكريم لم يذكر العقل إلا في مقام التعظيم، لم تذكره الآيات إلّا في مقام التعظيمِ والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوعِ إليه، لا تأتي الإشارة إلى العقل في القرآن عارضة، ولا مقتضَبَة، ولا في سياقٍ عابِر، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكَّدَةً جازِمة باللفظ والدِّلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي، فيُحَثُّ المؤمنون على تحكيم العقل والتفكُّر في الحِكمة مِن التشريع، ويلام المنكِرُون على إهمال عقولهم وقبول الحَجْرَ عليها.

يكفي الإسلام تكريما للعقل وإعلاءً من شأنه أن جعله مناط التكليف، فلا يتَوجَّه الخطاب الشرعي إلا للعقلاء من البشر، بينما يسقط التكليف وترتفع المسؤولية عن فاقدي هذه النعمة الإلهية، وفي هذا ما أخرجه التِّرمذي وأبو داود، عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –قالَ: قال رسولُ اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم-:
«رُفِع القَلمُ عن ثَلاثَةٍ: عن النائم حَتى يستيقظ، وعَنِ الصَّبيِّ حتى يَحتلمَ، وعن المَجنُونِ حتى يَعقِلَ».
ثلاثةٌ فقدوا عقولهم فلم يحاسَبوا: (النائم حتى يستيقِظ، والصبيُّ حتى يبلُغ ويحتلِم، والمجنونُ حتى يعقِلَ ويفيقَ مِن جنونِه).

يكفي أن تعرف أخا الإسلام، أنَّ العقل جُعل واحدًا من الضروريات الخمس؛ الضروريات الخمس التي أتى الإسلام وأتت سائرُ الأديانِ السماويَّة لحِفظها، تلك الخمسُ التي تمثِّلُ المقاصِد العامَّة الأساسيَّة الرئيسية الكبرى لدين الله وهي: (حفظ الدين والنفس والعقل والعِرض والمال) … هذا شأن العقل وهذه مكانة العقل في ديننا، فليس ثمة دين يقوم على احترام العقل الإنساني والاعتزاز به والمحافظة عليه كدين الإسلام. بل إنَّك – أخا الإسلام – لتعجب من كثرة ما يرد في كتاب الله من الآيات التي تتحدث عن دور العقل وأهميته، ولذلك أيها الأحبَّة لا بدَّ من أن نرسِّخ في أذهانِنا فِكرة خطيرةً مهمَّةً مَفادُها: أنّ مركز التفكير واتخاذِ القرارِ في عقلِ الإنسان غير قابلٍ للإعارة أو التوكيل لأحد، أيًا كان هذا الأحد ما لم يكن نبيًّا معصومًا.

لمَّا استعبد الإنسان أخاه الإنسان قال له: (أطفِئ سراج عقلك واتبعني)؛ في الأمم الوثنيَّةِ القديمة، أمم الإغريق وغيرهم، كان السادة والأمراء هم فقط من يُفكِّرون ويُخطِّطون، أمَّا عوام الناس فهم عبيدٌ يُطيعونَ ويتبعونَ ويُنفِّذون،  ثمَّ نقل هذا الكلامَ وطبَّقه وقلَّده بعضُ من تزَيَّا بزيِّ الدين ليُلبِّس على النَّاسِ دينَهم، قلَّد أولئك الطواغيت وقال للناس: أطفئ سراج عقلك واتبعني، ليُلبِّس على الناسِ دينهم بما لم يُنزل الله به سُلطاناً… ليجعلوا الناس تعيش بالأوهام ولينقلوهم مِن فكرة تغيير الواقع إلى الرضا والعيش في الأحلام.

كيف يطفئ المرء سراج عقله وقد جعل الشرعُ العقلَ مَناط التكليف ومِفتاح الاختيار بين طريق النَّجاة وطريق الهلاك؟! ألم يقل الله تعالى: (وهديناه النجدين) [البلد: ١٠]. طريق الخير والهدى وطريق الضلال ورزقناه العقل ليختار…

كيف يطفئ المرء سراج عقله ويتَّبِعُ فلانًا وفلانًا على غير هدىً وبيِّنة، والعقلُ مناطُ التكليف حتَّى سقطت الواجبات والتكليفات والحدود بذهاب العقل وكُلُّنا يحفظ ما تعلمناه منذ نعومة أظافِرنا بأنّه: (إذا سَلَب ما وهَب أَسقط ما وجَب)؟!!

كيف يطفئ المرءُ سراج عقله ويتَّبِعُ فلانًا وفلان على غير هدىً وبيِّنة، وقد خاطب الله جلَّ وعلا الناس بخطابٍ يستفِزُّ عقولَهم ويدفعهم لإعمال أفهامِهم؟!!

اللهُ تعالى، ربُّ الأرباب ومسبِّبُ الأسباب، لمَّا بعث رسوله بالهدى ودين الحقّ، بعثهُ بآياتٍ تتستفِزُّ عقول الناس للتفكير وتخاطِب أفهامهم … ألم يقُلِ الله تعالى: ((أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) [الغاشية: 17-20] … كلامٌ يخاطِبُ الأفهام ويستفِزُّ العقول إلى النظر: ((أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف:185].

كيف يُطفئ المرء سِراج عقله في اتباعِه للناس، والنبيُّ المعصومُ – صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو الذي ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:3-4] … لم يقل لأحدٍ: “أطفئ سراج عقلك واتبعني” … فكيف تتبع غيَر المعصومِ على غيرِ هدى؟!!

يكفي أن تعلمَ – أخا الإسلام – بأنَّ النبيَّ المعصوم صلوات ربِّي وسلامه عليه كان يُقايس لأصحابه الأحكامَ ويعلّلها لهم, إذا اشتبهت عليهم مسالكها, وغَمُضَ عليهم حُكمُها، فيشرحُ النبيُّ لهم مقاصدَ الشريعةِ ومحاسِنها ليزدادوا يقينًا وثبوتًا.

ومن ذلك ما روى البخاري عن ابنِ عبّاس – رضي الله عنهما – أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إنَّ أُمِّي نذَرَت أنْ تَحُجَّ، فلم تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عنها ؟ قال: “حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ أكُنْتِ قَاضيَتَهُ ؟”. قالت: نعم، قال: “اقْضُوا اللَّه الذي له، فَاللَّه أَحقُّ بالوفَاءِ”.

لاحظ أخا الإسلام كيف أنَّ النبيَّ – صلّى الله عليه وسلَّم – وهو المُشرِّع وهو المعصوم وهو الذي قال الله عنه: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) [النساء:80]، لم يكتف بأن يقول للمرأة حُجِّي عن أمِّك، بل أراد أن يولِّد عندها قناعةً عقليةً مناسبة تدفعها إلى العمل.

وفي مِثل هذا ما روى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال:
“وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ”
قالوا: يَا رسولَ اللهِ، أيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أجْرٌ؟ قَالَ: ” أرَأيتُمْ لَوْ وَضَعَهَا في حَرامٍ أَكَانَ عَلَيهِ وِزرٌ؟ فكذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ”. … قياسٌ عقلي ليزداد الناس قناعةً من نبيٍّ معصومٍ كلامهُ شرعٌ وتكليفٌ وطاعته واجبةٌ ولو لم يعي السامِعُ الحِكمة مِن كلامه.

كلُّ هذا سُقته لكم أيها الأحبَّة، لتعلموا مقام العقلِ الذي كرَّم الله به بني آدم، ولتعلَموا أنَّ مركز التفكير واتخاذ القرارِ في عقولِكم غيرُ قابلٍ للإعارةِ أو التوكيل لأحد أيًا كان ومهما بلغ… لا يستخفَّنَّك الجهال – أخا الإسلام – ولا يُضِلَّنَّك المرقِّعون والمطبِّلون.

كنَّا نعيب يومًا على بعض المخرِّفين والدجال ممن كانوا يقولون للناس: “المريد بين يدي شيخه كالميِّت بين يدي مُغَسِّله” فخرج لنا ممن كان يعيب عليهم مَن هو شرٌّ مكانًا وأضلُّ سبيلًا، ممَّن لا يرى الحقَّ إلّا عنده وفي نفسه، ممن يتلاعب بعواطف الناس دافعًا العوام والجهال لاتباعه والسيرِ خلفَه إلى حيث أراد إضلالهم بكلامه وبأبواقهِ الترويجيةِ بإعلامه … ولا عاصِم من هذا الانحرافِ والضلال إلّا إعمال العقل الذي خاطبه الشرع وأعلى شأنَهُ قدْرَه، وانقياد هذا العقلِ لما صحَّ عن الله ورسولِه … هذا العقل أيها السادة مفتاح طريق الإيمان، مفتاح طريق السعاة والجِنان، بالعقل يزداد المؤمن إيمانًا وهو يتفكَّر في عظَمَةِ الله وفي خلقِ الله، ((وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [النحل:12]. بالعقل ينجو المؤمن مِن اتباع المُبطِلين الذين يقول أتباعهم يوم القيامة: (( إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)) [الأحزاب:67]. بالعقل تبتعد عن الأخطار والشرور وتقارب الخير وتسعى للمأمول. بالعقل يتَّعِظ المتَّعِظون ويعتبِرُ المعتبِرون: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)) فالقصَصُ في القرآن ضربها الله مثلًا لأرباب العقول والأفهام. ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [يوسف:111].

فما بالنا اليوم – أيها السادة – ونحن نرى كثيرًا مِن الرجال غدت أحلامهم كأحلامِ النساء، غلبتهم عواطفهم ومشاعِرهم، فحكَّموا عواطِفهم على عقولِهم!!

يومًا مِن الأيام – أيها الأحبَّة – بلغَ النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلم – أن كِسرى ملِكَ الفُرسِ قد مات فولَّى الفُرس عليهم ابنتَه فقَالَ روحي فداه : ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً)) [والحديث رواه البخاري]. فلمَّا تفكَّر العلماء في الحديث قالوا إنَّ المرأة تُغلِّب عاطفتها، ولا يقودها عقلُها، ولهذا لا تستقيم في السياسة – غالِبًا – آراؤها ولا قراراتُها.

وما أشبه من تحكمهم عواطفهم فينقادون بالدعاية الطنانة وبالكلمات الرنانة…
ما أشبهَهم بالأطفال والنساء، وقد انقادوا خلف أهواء الصغار والجهال وتركوا كلام الكِبار الحكماء العلماء، ما أشبه أولئك أيها الأحبَّة بالنساء والأطفال؟!!

إلى متى، إلى متى سنبقى نخاطِب العواطِف ونهمِل العقول؟!

نظام الطاغوت الذي حكمنا خمسين سنةً أيها السادة نصفُ قرنٍ هو يلعب بعواطِفنا بدعوى المقاومة والممانعة، ولم يكن الناس يُعملون عقولهم ليعرفوا الفرق بين كلامه الطنَّانِ الرنَّان وبين حقيقة فعاله… ولو أعمل المرءُ عقله دقائق معدودة  لاكتشف الحقيقة ولعَرَف الفرق.

إلى متى سنبقى نخاطِب العواطِف ونهمِلُ العقول؟! إلى متى سنبقى ننقاد إلى العواطِف ونتجاهلُ العقول؟!

كفانا استخفافًا بعقول الناس، ولعبًا بمشاعرِهم وكذِبًا عليهم، الحماسة مطلوبة والشجاعة لازمة ولكنَّ (العقلَ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ **هو أوَّلًا وهي المحلُّ الثاني)

من المشاكل المُهمّة الخطيرة _ أيها السادة – في خطاب كثيرٍ من المتصدِّرين في ثورتنا أنّه غالبًا ما يكون خطابًا عاطفيًّا حماسيًّا بعيدًا عن الواقع في كثيرٍ مِن الأحيان، خِطابًا يُحدِثُ فورَةً آنية لا تلبثُ أن تهدأ فيعود الإنسانُ لعقلِهِ فلا يجدُ قناعةً تعينهُ على الثبات، وليس ذلك بالضرورةِ لِعلَّةٍ في الفِكرة، بل لأنّ الداعي إليها لم يهتمَّ بصنع القنَاعة لدى المُخاطَبِين، فتراه يُخاطِب العاطِفةَ دومًا ويُهمِل توليدَ القناعات عند الناس.

عندما نتحدَّث عن الخطاب العقلي – أيها السادة – فنحن نتحدَّثُ عن مراعاة الاستطاعة وفِقه الأولويات وفهمِ المرحلة واستثمارِ الفُرصِ وتحديد الأهداف وحسن تقدير الموقف وفهم عقلية الصديق والعدو، وتقويم الأخطاء، وانقياد الصغار للكبار واتِّباعِ السفهاء للحكماء.

أمَّا أن نُصِمَّ آذاننا عن مطالب النَّاس، وأن نُغلق أعيُننا عن واقِعهم، وأن نُحَكِّم عواطِفَنا وأن نعيش في وهم المُتمنَّى بعيدًا عن المُمكِن، فحينها ما أشبهنا بمن قال الله فيهم: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)) [الأنعام:22].

أن نقع في فخاخٍ ومطبّاتٍ وقع فيها من قبلنا، فضلا عن أن نكون نحن وقعنا فيها سابقًا فهذا دليل انعدام العقل والفَهم، فبالعقل – أيها السادة – يتَّعِظ المتَّعِظون ويعتبِرُ المعتبِرون: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )) …وفي الحديث المتَّفقِ عليه يقول – صلى الله عليه وسلم -: (( لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)).

العقل أيها السادة يُعمِلُه الرجالُ أكثر من النساء، ويوازِن به الحكماءُ أكثرَ من السفهاء… فمتى تركنا عقولَنا، ومتى تجاهلنا أفهامنا، وقادتنا عواطِفنا، سيستزِلنا المبطِلون، سيستَزِلُّنا الذين انقادوا لأهوائهم ولعواطِفهم، ومتى دخلنا دائرة اتباع الهوى، فالهوى يُعمي ويُصِم؛ يُعمي البصيرة عن رؤية الحق وفهم الواقِع، ويُصِمُّ الأسماع والعقولَ عن سماع نصيحة الناصِحين، فيضِلُّ صاحِب الهوى ويهوي هو ومن اتبعه على هواه، فيُضِلُّ معه كثيرًا مِن الخلق، ضلَّ وأضلَّ … قال تعالى: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) [الفرقان: 43-44].

من يتبِعُ هواه ويقع في نفس الخطأ مرَّةً تلو مرَّة وكرَّةً تلو كرَّة، فهو ممن يسمَع ولا يعقِل بل يتَّبِعُ هواه، ومن هنا ذكر سلطانُ العلماء العِزُّ بن عبد السلام – رحمه الله – في قوله تعالى: ((وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)) [البقرة:269]، قال: “هم مَن خلصت عقولهم من شوائب الهوى”… يتفكَّرون بتجرُّد ويُناقِشون بتجرُّد ثمَّ يبنون قراراتِهم بناءً على عقولِهم، فلا تتأثَّرُ عقولهم بعواطِفهم.

إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى    ***      فقد ثكلته عند ذاك ثواكله

وما يزع النفسَ اللجوج عن الهوى *** من الناس إلا حازمُ الرأي كامله

إذا صار للهوى على الإنسان سلطان فقد ذهب العقل واندحر؛ لأن الهوى ملِكٌ غشوم ومتسلط ظَلوم… أمَّا حازِم الرأي، أمَّا كامِلُ العقل فهو الذي امتدحه الله تعالى بقوله تعالى: ((يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)) [البقرة: 269].

الحكيم العاقِلُ الذي طهَّر عقله مِن اتباع عاطِفته هو الذي يجب أن يُتَّبع وهو الذي يجبُ أن توضَع العواطِفُ منقادةً لعقله، وهو الذي تكون التجربة والبرهان مصداق خِبرته، وومِصداقَ صِدقهِ في نصيحته، فالمؤمن لا يُلدغُ مِن جُحرٍ واحدٍ مرَّتين.

اللهم اجعلنا من ذوي النهى والأبصار من أولي العقول والألباب، ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه … أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أكرمنا بالعقول؛ لندرك بها المنقول والمعقول، والصلاة والسلام على خير نبيٍّ رسول محمد بن عبد الله الذي دلنا على معارج القبول وسبيل الوصول إلى أعظم مأمول، صلى الله عليه وعلى آله ذوي النفوس الزكية، ذوي الألباب النقية والعقول، وسلَّم تسليما كثيرًا، أما بعد إخوة الإيمان:

ونحن نتحدَّث عن العقول السليمة ودورِها في بناء شخصية المُسلم الذي سيُغيِّر الله على يديه واقِع الأمَّة، لا بدَّ أن نُذَكِّر بما تحدثنا عنه سابقا مما جاء به الإسلام صيانةً للعقول مِن تشريعات تحفظ العقل من التعطيل والجمود والانحراف.

وقد ذكَرَ اللهُ النهي عن اتباع الظنِّ ((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) [النجم:28]. وذكَر القرآنُ النهي عن الاتباع والتقليد الأعمى للسابقين، ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)) [البقرة:170]، وكذلك – أيها الأحبَّة – ورَدَ النهيُ عن صمِّ الآذان عن سماع المخالِف كحالِ من قال الله فيهم: ((جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)) [نوح:7].

لمّا نتحدَّث عن مكانة العقل في الإسلام نعلم أن الإسلام حرَّم كلَّ ما يُفسِد العقلَ معنًا وحِسًّا، فحرَّم الخمر والمُخدِّرات وسائر ما يُغيِّبُ العقل …

وهنا لا بدَّ مِن أن ننبِّه أيها السادة بأنَّنا عندما نتحدث عن إعمال العقل في الإسلام فلابدَّ أن يعي من يدقق الفرق بين إعمال العقل في الإسلام وإعماله في المفهوم الغربي، فهناك يجد أن الهوى والغرور سمةً بارِزةً لإعمال العقل في المفهوم العلماني الغربي، بينما يجد الموضوعية والتوازن سمة إعمال العقل في الشريعة الإسلامية، حيث لم يُقحِم الإسلامُ العقلَ فيما لا شأن له به أو لا علاقة له به – كالغيبيات وما شابه ذلك – كما أنَّ الإسلام لم يُقدس العقل ولم يغتر به كما فعل ويفعل الغرب إلى يومنا هذا، وهذا يقودنا لتنبيهٍ مهم وهو – أيها الأحبَّة – أنَّ “إعمال العقل يكون في حدود الاجتهاد وفيما هو مِن سياسة مصالِح الدنيا فيما أحلَّ الله وأباح …

أما الأمور التعبديَّة المحضَة فلا مكان للعقل فيها … فالعقل يكون بالاستسلام لها، ويكون هذا الاستسلام دليل خضوعٍ وعبوديةٍ وتذلُّلٍ لله سبحانه وتعالى.

لماذا نُصلِّي الفجر ركعتين؟ والمغرب ثلاثا والعصر أربعًا؟! هذه عبوديَّةٌ محضةٌ لله، وهذا دليل خضوعٍ وعبوديةٍ وتذلُّلٍ لله سبحانه وتعالى، لا مكان للعقل فيه.

أيها السادة: إعمال العقل في البحث عن الحكمة من التوجيهات الشرعية التي صحَّت نقلًا – عن الله ورسولِه – أمرٌ طيِّب يزيدك إيمانًا إلى إيمانك، ولكنَّ الالتزام بالأحكام الشرعية مطلوبٌ سواءٌ فهِم الإنسان الحِكمة أم لم يستوعبها عقلُه …

وهنا لابدَّ من أن ننبِّه إلى أننا عندما نتحدَّث عن تقديس النصوص الشرعية فنحن نتحدَّث عن ((النصوص)) كثيرٌ ممن أرادوا استعباد الناسِ والحَجرَ على عقولِهم تراهم يخلِطون بين تقديس النصوص وتقديس أفهامهم يقول لك: قال الله وقال رسول الله وهو يأتي بالآية والحديث والدليلِ في غير مكانه وموضِعه ويفهمُ الدليل ويُأوِّله بغير ما يفهمه العلماء ذوي الاختصاص!!

عندما نتحدَّث عن نصوصٍ مقدَّسة فنحن نتحدَّث عما وصلنا عن الله تعالى في كتابه، وما صحَّ عن رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أمَّا أفهام الناس وأمَّا اجتهادات الناس فهي اجتهادٌ يُخطئُ ويصيب، وما منَّا إلا مَن ردَّ ورُدَّ عليه إلَّا صاحب القبر الشريف – صلَّى الله عليه وسلَّم –

ولكم رأينا في زماننا – أيها الأحبَّة – من ضلَّ بإعمال عقلاه وهواه فيما صحَّ نقلًا عن الله ورسوله فضلَّ وأضلَّ وتاهت روحه ومرِضَت نفسه… فقال فيه وفي أمثاله الشاعر:

نهاية إقدام العقول عقال     ***    وغاية سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من  جسومنا  ***  وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالُ

قيلٌ وقال يكثرُ زمن الخطوبِ والمدلهمات، قيلٌ وقال يُرقِّع فيه البعض لمن تبعهم بهواهم، فيقيس قياسًا فاسِدًا ويستدِلُّ استدلالًا خاطئً، ويطلب من الناس أن يُكَذِّبوا أبصارهم وعقولهم وأن يصدِّقوا عواطِفهم وأسماعهم…. ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ومن العمى بعد البصيرة.

اللهم انفعنا بالعِلم وزيِّنا بالحِلم وأكرمنا بالتقوى وجمِّلنا بالعافية واجعلنا ممن تؤتِهم الحِكمة، وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً، إنَّك على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير نِعمَ المولى ونِعمَ النصير …. إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: 4.93 ( 7 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *