الرئيسية / خطبة الجمعة / إجلال العلماء وتوقيرهم

إجلال العلماء وتوقيرهم

خطبة الجمعة 137

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

إجلال العلماء وتوقيرهم

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 28 دقيقة.

التاريخ: 19/ ذو القعدة /1438هـ
الموافق: 11/ آب/2017م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ العلماء صمَّامُ الأمان لهذه الأمَّة.
2⃣ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ وفضل العالِم على العابد.
3⃣ أدعياء العِلم وطوامهم في زماننا.
4⃣ أوصاف العلماء الربَّانيين التي نميِّزُهم بها (مهم).
5⃣ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ.
6⃣ إهانة العلماء والسخرية بهيئتهم في وسائل الإعلام ومصادرة الأوقاف لإذلالهم.
7⃣ التجاوزات بحقِّ العلماء في مناطقنا المحررة، ثمَّ ندَّعي تعظيم شرع الله!!

🔴 الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية:
8⃣ العلماء الربَّانيون عقبةٌ كؤود في وجه كلِّ زنديقٍ ومُلحدٍ ومبتدِعٍ.
9⃣ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً.
🔟 لحوم العلماء مسمومة.

 

رابط الخطبة على الفيسبوك

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

 

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى:
“الحمد لله الذي أرسل الرُسُلَ مبَشِّرينَ ومنذِرين، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقِسط وليتحقق العدل بين المخلوقين، الحمد لله الذي كان من تمام فضلِه ومِنَّتهِ أن جعل لأنبيائه ورسُلِه خُلفاء يخلِفونهم في أُمَمِهم؛ يخلفونهم عِلماً وعملاً، يخلفونهم دعوةً وإرشادًا ليكونوا قُدوةً للعامِلين، ومناراً للسالكين، وشهداء على العالَمين، أعني بهم العُلماء الربانيين، الذين اكتسبوا العلم مِن مظانِّه ابتغاء وجهِ ربهم، وربُّوا به الأمة علماً وعملاً، فكانوا هُداةً مُهتَدين، صالِحينَ مُصلِحين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وجامعُ الناس ليوم لا ريب فيه ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبْدُه ورسوله، إمامُ المتَّقين، وخاتم النبيين، ليس بعده نبي، إنَّما هم العلماء ورثةُ الأنبياءِ في هداية المُكلَّفين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين، ومن سار على دربهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين، أمَّا بعد إخوة الإيمان:
لقائنا بكم يتجدَّد ومازال حديثنا عن تعظيمِ الله سبحانه ومازال حديثنا عن تعظيم حرُمات الله ومازال حديثنا عن تعظيم شعائر الله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)، ومِن تعظيمِ شعائر الله ما ذكرناه في الأسبوع الماضي من تعظيم حرُمات المساجد، ونتحدث اليوم عن نوعٍ جديد من التعظيم اللازم للمؤمنين، ألا وهو تعظيم دور العلماء العاملين وإجلالهم وتوقيرهم واتباعُهم بالمعروف …

فالعلماء الربانيون العاملون هم صمَّامُ الأمان لهذه الأمَّة، وهم السِّراجُ المُنيرُ في الظُّلُماتِ والخطوبِ المُدلهِمَّة، ولهذا فقد عظَّم الله شأنهم، وأعلَت سُنَّة النبي مقامهم، ولزِمَ العوامَ طاعتُهم بالمعروفِ واتِّباعُهم، فهم أهل العدلِ والقِسط والإنصاف…

كيف لا؟! وقد قال الله تعالى عنهم: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عِمران : 18).

يكفي العُلماء شرفًا أن الله – تعالى – رَفَعَ شأنَهم، فجعلهم أهلَ خشيته من بين خلقه؛ فقال – جلَّ في عُلاه – : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، وأبَى – سبحانه – التسويةَ بينهم وبين غيرهم؛ فقال – وقوله الحق- : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزُّمر: 9]، ورفَعَ اللهُ قدرهم درجاتٍ؛ فقال – سبحانه -: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11]، بل أوجب الله طاعتهم؛ فقال – جلَّ وعلا -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النساء: 59]، وقد قال العلماء: أولو الأمر هم العلماء والأمراء وإذا اختلف العلماء والأمراء قدَّمنا العلماء – طاعةً لله – على طاعةِ الأمراء … وإن كان هذا ما ورد في العلماء في كتاب الله ففي سُنَّة رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أحاديث كثيرة تُعرِّفُنا بعظيمِ قدرِهم وشأنِهم … فقد روى أبو داودَ والتِّرمِذيُ عن أَبي الدرداء – رضي الله عنه – قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ))، جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العلماء ورثة الأنبياء فالأنبياء لم يروثوا إلَّا العلم، بل جعل روحي فداه فضل العلماء على الناس كفضله – صلى الله عليه وسلم – على أدنى الصحابة رتبةً إذ قال – روحي فداه – : (( فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أدْنَاكُمْ، و إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأهْلَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ )). [والحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح]

ولعلَّ سائلًا يسألنا بعد هذا الكلام: كيف أميِّزُ العلماء العاملين الربَّانيين، وقد كثُرَ في زماننا من يدعي أو يُدّعى أنَّه منهم، حتَّى ابتُذِلَ هذا اللقب الشريف وهذا المقام الرفيع، ووُصِفَ به غيرُ أهله، حتى أصبح كلّ متحدِّثٍ عن الإسلام يُقال له: ” عالمٌ أو شيخ “!! فإن كان كثيرَ الكلام، كثير الجدل، فهذا عند بعض الناس أعلمُ من غيره، ولو لم يثنِ ركبته يوماً طالِبًا للعِلمِ عند عالم، ولو لم يُعرَفْ بسَعةِ اطلاعه…

بعضُ الناس قرؤوا بعض الصُّحف ولم يلازموا العلماء، فلم يغرفوا من معينهم، ولم يتأدبوا بأدبِهم، ولم يتخلَّقوا بأخلاقِهم، لا ترى فيهم سَمتَ العلماء، ولا وقارًا كوقار العلماء، غايةُ ما يستحقونه أن يقال عنهم: “عندهم ثقافة إسلامية بسيطة” ، بضاعته في العِلمِ مُزجاة، ومع ذلك فلقِلَّة ورعِهم ولانعدام خشيتهم ترى بعضهم يتجرأ على فتاوى لو كانت في زمن عُمر لجمع لها أهل بدر، وما كثيرٌ ممن نرى في زماننا عن هذا الوصف ببعيد…

إذن كيف نعرِف العلماء؟ كيف نميِّزُ العُلماء عمَّن ذكرنا مِن الأدعياء؟؟

أقول لكم أيها السادة: إنَّ العلماء الذين يجب توقيرهم هم حملة الشريعة، الذين عرفوا بحُسن القصد وصالح العمل وصِحَّة المُعتقَد، الذين بذلوا أعمارهم في طلَبِ العلم ونشره، وأوتوا حظًّا من الورع، الذين شهدت لهم الأمة الخيار العدول بالإمامة والتبحر في علوم الشريعة وصدَر الناس عن رأيهم، فهم الأئمة الكبار حقَّا وهم المعنيون بالإجلال إذا أُطلِق الكلام، وكل من لديه علم ممن هو دونهم وقِّرَ بحسب علمه وسيره على جادة العلماء وعلى طريقهم.

العلماء الربَّانيون – أيّها السادة – لهم سمتٌ محمَّدي، وفي وجوههم نورٌ ربَّاني، إذا سمع المرءُ بهم أو لقِيَهم وجدهم مُشفِقين، من اللهِ وجلين، عن الدنيا معرضين وفي حطامها زاهدين، وإن كانت الدنيا كُلها مُلك يمينهم وطوع بنانهم فهي في أيديهم وليست في قلوبهم، تراهم عفيفي النفسِ، كريمي اليد، مترفِّعينَ عمَّا في أيدي الخلق، تَرى عليهم السكينة والوقار، يكثرون من ذِكر العزيز الغفَّار، أبعدُ الناس عن طلب الشهرة والرياسة – مع أنَّ الله شهرَهم ونشر بين الخلائق ذِكرهم – وهم على جلالة قدرهم أقربُ الناسِ لقَبول الحق، وأقرب الناس لقلوب الخلق، أولئك ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)) [الأحزاب:39]. لا يخشون قائدًا ولا يُداهنونَ أميرًا، لا يخشون حزبًا ولا جماعةً ولا فصيلًا ولا حكومة يؤدُّون أمانَتَهم، يؤدُّون ميثاقهم الذي أخذه الله على العلماء من زمن الأمم السابقة ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)) [آل عِمران:187]. أخذ الله العهد على أهل العِلم أن يُبيِّنوا الحق ولا يكتمونه، فيُرشِدون الخلقَ ويقولون الحقَّ لا يخافون في الله لومة لائم… العلماء الربَّانيون الذين نتبعُهم، نعرِفهم ونعرفُ أنسابهم ونعرِف أساتذتهم ونعرِف أشياخهم، نعرِفُ عمَّن تلقَّوا علومهم، ورحم الله الإمام مسلم إذ وضع ما قاله ابن سيرين في مُقدمة صحيحه عندما قال: ((الإسنادُ من الدين ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء))

فنأخذ مِن الثقاتِ المعلومين ونضرب عرض الحائط بأقوال الأدعياء المجهولين…

هؤلاء العلماء أيُّها الأحبَّة، عُلماءُ الأمَّة المحمَّدِيَّة، لعظيم دورهم ولشريف مقامهم ولكونهم سدًّا منيعًا يحفظُ دين الله، ويحفظُ شرعَ الله من تحريفِ الغلاة وانتحالِ الأدعياء وتأويل الجهلاء، تراهم دائمًا غرضًا وهدفًا لكلِّ أعداء الدين، فالقدحُ بالحامِل يُفضي إلى القدحِ بما يحمله من رسالةِ البلاغِ لدين الله ولشرع الله؛ لما عجِز المبطِلون في الطعن بشرع الله عمدوا للطعن في حملته، كما فعل الرافضة المجوس لما عجزوا عن الطعن في سنة رسول الله طعنوا في الصحابة الكرام، فإذا طعنت في حامل الرسالة فقد طعنت في الرسالة نفسها وفقدت مصداقيتها، كذلك فعل المبطِلون والجهلاء والعملاء في زماننا، تراهم يطعنون بالعلماء لكي يطعنوا برسالتهم، لذلك قال العلماء إن من أهم أسباب الإلحاد: ” القدحَ بعلماء الشريعة “، من أهم أسباب الإلحاد التي تشجع الناس على ترك دين الله، وعلى الطعن في دين الله أن نطعن بعلماء الشرع، ولكَم انساق مع هذه الدعايات كثيرٌ من جُهَّال المسلمين وعوامِ الموحدين بل وكثيرٌ من الشباب المتحمِّسين المنفِّذين؛ ينفِّذون من حيث لم يدروا أحد أخطر برتوكولات اليهودِ المتصهينين إذ جاء فيها قولهم: “وقد عنينا عناية عظيمة بالحطِّ من كرامة رجال الدين في أعين الناس [ ويعنون برجال الدين: كل علماء الشرائع التي تخالف الشريعة اليهودية] وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبةً كؤوداً في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يوماً فيوماً “، هذا من برتكولات الصهاينة وهذا مكرهم وقد شاركم في تنفيذ مخططاتهم عملاءهم وموظفوهم من حكام الدول العربية والإسلامية، مارسوا عِدَّة ممارسات الغاية منها الحطُّ من كرامة عملاء الدين فصادروا الأوقاف الإسلامية التي وقفتها أجيال الأمَّة المحمدية على تعليم الشرع وعلى نفقات العلماء وطلبة العلم، صادرتها الحكومات لكي لا تبقى كلمة العلماء حُرَّةً عزيزة لا يبتزهم أحدٌ ولا يتسلَّط عليهم، بل عمِدوا إلى تشويه صورة المشايخ وطلبة العلم في وسائل إعلامهم إذ أظهروهم بصورة الرجل الساذج المغفل، إما بملابسه، أو كلام مبتذل، يصوِّرون العلماء بصورةٍ تدعو للسخرية والاستهزاء، وما هدفهم من ذلِك إلا الاستهزاء بدين الله، والاستهزاء بشعائر الله التي أُمِرنا بتعظيمها.

أستحلفكم بالله، هل رأيتم يومًا في مسلسلٍ أو فيلم من يستهزءُ بهيئة قسيسٍ من قساوِسةِ النصارى؟!

هل رأيتم يومًا في مسلسلٍ أو فيلم من يستهزءُ بهيئة حاخامٍ من حاخاماتِ اليهود؟! هل رأيتم مرَّةً من يطعن من النصارى بقساوستهم ورهبانهم علنا على وسائل التواصل إذا خالفوهم برأي أو اجتهاد؟! والله لا يفعلونه..

لا نرى ذلك إلا ممن يدعون التوحيد إلا ممن يدعون الإسلام، تراهم يطعنون بالعلماء يطعنون بحملة الدين، كانوا دائما في الأفلام والمسلسلات يطعنون بمظهر الشخص الملتحي بمظهر الشخص المتمسك بالسنة، هدفهم من ذلك أيها السادة أن يطعنوا بدين الله هدفهم من ذلك أن يطعنوا بشرع الله هدفهم من ذلك إهانة كرامة دينكم.

والله أذكر عندما كنا سابقا في حلب منذ التسعينات ومن قبلها تمر أمام الكنائس في حلب فترى بضعة سيارات مصفوفات أمام الكنيسة، نادرًا ما ترى قسيسا أو راهبا يصعد بالمواصلات العامة، لهم سيارات تخدمهم وأوقافهم لم تصادرها الدولة، أما المسلمون الذين كانوا في حلب، من ساحة سعد الله الجابري وحتى القلعة هذه كلها أوقاف موقوفة لطلبة العلم صادرتها السلطة، وكان العالم يهان في رزقه وفي نفسه إهانة للشريعة، وإهانةً لدين الله، بل ليس هذا وحسب كان كثير من بني جلدتنا يشاركونهم في ذلك، تراهم يتتبعون زلات العلماء تراهم يستهزؤون ويسخرون من دين الله … والمصيبة والماحقة والقاتلة أن نرى هذا الآن في مناطقنا المحررة التي ندَّعي أننا نريد تحكيم شرع الله فيها!!

هل تعلم أن في مناطقنا المحررة أهان العلماء والدعاة واعتدى عليهم وعلى أموالهم بل وعلى حُرمة بيوتهم فقط لأنَّهم اختلفوا معه بالرأي فقط لأنَّهم خالفوا توجُّه جماعته ، فقط لأنَّهم كانوا يجاهدون الكفار مع جماعة غير جماعته ( مع فصيلٍ غيرِ فصيله)؟!!

والله لقد أصبحنا نرى ونسمعُ إهاناتٍ للمساجِد وللدعاة ولطلبة العِلم الشرعي والعلماء ترفَّع الكفَّار عن فعلها سابقًا يوم كانوا هنا يحكمون هذه البلاد… أصبحنا نرى من يُهين العالِم وطالِب العِلم وهو على المِنبر، فقط لأنه خالف توجُّه جماعةِ ذلِك وحِزبه وفصيله … أي تعظيمٍ لشرع الله هذا؟! وأي إجلالٍ لله هذا؟! وفي الحديث الحسن رواه أَبُو داود يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ ، وَالجَافِي عَنْهُ ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط ))

فأين إجلال الله وأين إجلال حملة الشريعة وأين إجلال حفظة القرآن ونحن ندَّعي بأننا نحن هنا في مناطق انحازت عن الكفار تريد إعلاء شرع الله وتريد نصرة دين الله؟؟!!

ربَّنا لا تؤاخِذنا بما فعل السفهاء منَّا، اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا شرارنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين … أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصية رب البرايا (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131]، فاتقوا الله عباد الله فبتقوى الله العِصمَةُ من الفتن والسلامةُ من المِحن، واعلموا عباد الله أن الله تعالى لا يغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم … ولعلَّ من أوجب ما يجب أن نغيره في مجتمعنا، ما روَّجه الكفار بين سفهائنا من الاستهزاء بالعلماء والدعاة وحملة الدين … فالعلماء والدعاة وطلبة العِلم هم حملة العِلم الشرعي وحرَّاسه الذين حملوه وتحملوا المضايقات يوم كان غيرهم لا يأبه بدين الله ولا يأبه بتعلم الشريعة، تعلَّموا العِلم وحمَلوا العلم وصبروا على المضايقة في حمله، فهم حملة العلم وحراس الشريعة، وفي الحديث المُتَّفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (( إنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزعهُ مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا ))، إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا بل ينتزعه بقبض العلماء بموت العلماء الربانيين أو بندرتهم في المجتمع فيتصدر بذلك الرؤوس الجهال، يُسألونَ فيفتون بغير علم فضلوا وأضلوا.

فشأن الضُّلال المُضِلِّين أن يسعَوا للتخلُّص من العلماء الربّانيين الذين تلقى الناس كلامهم بالقبول، فالعلماء الربَّانيون عقبةٌ كؤود في وجه كلِّ زنديقٍ ومُلحدٍ ومبتدِعٍ … فكلُّ صاحب بدعةٍ ممن لا يؤبَه له، ممن يعجز عن مُحاججة العلماء، تراه ومن معه من الأصاغر يسعون سعيًا حثيثًا للنيل من مكانة العلماء الربَّانيين، لكي يخلوا لهم وجه الناس، وليغدو الناسُ من أتباعهم المُضَلِّين … يشاركهم في ذلك قليلو الدين والتافهون ممن تعودوا ما روَّجه الكفَّار بيننا من الاستهزاء بشعائر الله، ومن الاستهزاء بحملة الدين يتتبعون زلات العلماء ويضخِّمون من فعالهم ما يشترك به كلُّ الناس معهم، شأنهم في ذلك شأن المنافقين الأُوَل الذين قال الله فيهم: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)) [التوبة: 65-66] ..

نعم أيها السادة، كانوا مجرمين، إنهم المجرمون الذين اتخذوا دين الله واتخذوا شعائر الله بابا للسخرية والاستهزاء… ليس عنده ما يتندر به وينكت به إلا الحديث عن دين الله إلا الحديث عن شعائر الله إلا الحديث عن العلماء الربانيين!! يريد النيل من مكانة اللهِ وشرعه في قلوب العباد كي تضعف مكانته في القلوب … وفي هذا يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله: “اعْلَم يَا أخي وفقنا الله وَإِيَّاك لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة، وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار منتقصهم مَعْلُومَة، وَأَنَّ من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بلاه الله قبل مَوته بِمَوْت الْقلب ((فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم)). [مختصرة مِن ” تبيين كذِب المُفتري ” ص 29-30]

وفي البخاري عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – :
(( إنَّ الله تَعَالَى قَالَ : مَنْ عَادَى ليَ وَلِيّاً ، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ ))

ورحم الله الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة المسلمين إذ قالوا: ((إن لم يكن الفقهاء العلماء أولياءُ الله فليس لله ولي))

اللهم احفظ علماء أهل السنة في كل مكان، اللهم ارزقنا أن نُعظِّم شعائرك حقَّ التعظيم،
اللهم ارحم علماءنا، اللهم أعل مكانتهم، وارفع درجتهم، واجزهم عنَّا خير الجزاء…
اللهم من أراد بعلماء أهل السنة خيرًا فوفقه إلى كُلِّ خير، ومن أراد بهم سوءًا فاشغله بنفسه ، واجعل كيده في نحره ، اللهم ارحم من مات منهم ، وبارك في الأحياء وأعنهم على القيام بما أوجبته عليهم من صِدق البلاغ والنصح ، اللهم اجعلنا واياهم ، مفاتيح للخير، مغاليق للشر …

إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *