عاشوراء موسى … كلا إن معي ربي سيهدين

خطبة الجمعة - عاشوراء موسى

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

عاشوراء موسى … كلا إنَّ معي ربي سيهدين

التاريخ: 6 / محرم / 1438هـ
الموافق: 7/ تشرين الأول / 2016م

🕌 من أحد مساجد حلب المحررة
⏱ المدة: 37 دقيقة

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:

1- شهر الله المحرَّم ويوم عاشوراء والأحاديث الواردة في فضل صيامه
2- سبب صيام يوم عاشوراء، الفرح بنجاة نبي الله موسى من فرعون وجنده
3- في تسع آياتٍ بيِّنات.
4- الانحياز عن مجتمع الكفار وبناء المجتمع المسلم.
5- كم كان بين دعاء موسى على فرعون وقومه وبين تحقق ما دعا.
6- ولكنكم قومٌ تستعجلون.
7- الأمر بالتحرك وموعد الحسم.
8- الثقة بنصر الله.
9- حتى تُنصروا: ولا تتبعانِّ سبيل الذين لا يعلمون.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الثانية:

10- حادثة تفجير معبر أطمة … الخوارج من فعال دواعش الكفر والعمالة والخيانة براء.

رابط الخطبة على الفيسبوك

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى
الحمد لله مُعِزِّ الإسلام بنصره، ومذلِّ الكفرِ بقهره ومصرِّف الأمور بأمره، ومُديم النِّعمِ بشكره. الذي قدَّر الأيام دُولًا بعدله، فاستدرج الكفَّار بمكرِه وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأظهر دينه على الدين كُلِّه… القاهرُ فوق عبادهِ فلا يُدافع، والظاهر عليهم فلا يُمانَع، والآمرُ بما يشاء فلا يُراجع ولا يُنازع، أحمَدُه جلَّت قدرته وعزّ سلطانه وأعوذ به مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، شهادة من طهَّر بالتوحيد قلبه، وأرضى بها ربَّه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمداً عبده ورسوله رافِعُ الشكِّ وداحِضُ الشرك، بلّغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصحَ الأُمّةَ وكشف الله به الغُمّة، وأقام في الناس كلمة التوحيد، مَن آمن بها وعمل بمُقتضاها فقد أفلح وفاز فوزاً عظيماً، فصلوات ربِّي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ المحجَّلين ومن سار على دربهم واهتدى بهداهم وتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد إخوة الإيمان:

أيام العمر تمضي يمدُّ الله لنا فيها عمُرًا تتوالى عليه أشهرٌ وسنواتٌ، هي فرصتنا لكي نصلح فيما بقي لنا من حياتنا الدنيا، وها قد أمدَّ الله بعمرنا فشهدنا دخول سنةٍ هجريَّةٍ جديدة، ونحن في الشهر الأوَّل منها، ونحن في الشهر الفضيل شهر الله الحرامِ المحرَّم، ذاك الشهر الفضيل الذي قال عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – – كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه – ((أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ : شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ )).

نحن في شهرٍ فضيل تصادفنا فيه بعد أيَّامٍ مناسبةٌ وذكرى ليومٍ فضيل، أوصانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بصيامه، هو يوم العاشر من محرَّم، الذي يصادف يوم الثلاثاء القادم (11 تشرين الأول 2016م)، ذاك اليوم الذي قال عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – – كما في صحيح مسلم -: ((صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)) ذاك اليوم الذي أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يُخالف اليهود في إفراده بالصوم فقال – روحي فداه – «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»[رواه مسلم]. وفي البُخاريّ ومُسلِم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا [لله]، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».

ذاك اليوم الفضيل أيَّها السادة يصادفنا بعد بضعة أيام، وكثيرٌ منَّا لم يكن يعرف سبب صيامِه، ذاك اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه من فرعونَ وملئِه وجنده، ذاك اليوم الذي استجاب الله فيه دعاء موسى إذ دعا على فرعون وجنوده ومن معه ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) (يونس:88)

نبي الله موسى – أيها السادة – أرسله الله إلى فرعون وقومه، أرسله الله وأيَّده بالآيات البيِّنات وبالمعجزاتِ الخارقات، فدعا ونصح وذكَّر ونادى بتوحيد الله سبحانه، فما وجد منهم إلَّا كفرًا وجحودًا، وعنادًا واستكبارًا، واستخدامًا لنعم الله العظيمة التي آتاهم الله إيَّاها في معصيته، فأيَّده الله بالمعجزات وأرسله ((فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)) (النمل:12) أرسله الله في آيات والمقصود بهذه الآيات؛ ما كان من معجزاتٍ بين موسى وبين فرعون وقومه، ((فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)) (الأعراف:107-108).

أرسله الله سبحانه بهذه المعجزات فجحدوا واستكبروا، فأتمَّها الله بآياتٍ أخرى كان فيها استجابةٌ للقسم الأول من دعاء موسى ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ))، قال تعالى: ((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ)) (الأعراف:133).

رأوا هذه الآيات المعجزات، ولم يطيعوا ولم يجيبوا داعي الله فأتمَّها الله عليهم إلى تسع ((وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)) (الأعراف:130) أخذهم الله بالقحط والجدبِ في بواديهم ومواشيهم، أخذهم اللهُ بنقص الثمرات في أمصارِهم وقراهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وهذا البلاء الأخير – أيُّها السادة – لم يُصب آل فرعون فقط بل عمَّ أهل مِصر جميعًا، فالعذاب إذا حلَّ يَعم، فالعذاب لم يحلَّ بقوم فرعون فقط، إذ أنَّ من لم يناصِر فرعون سكت عنه وعن جرائمه، وتغافل عن نُصرة موسى، فأخذهم الله جميعا بهذا البلاء لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فلم يُطيعوا ولم يُجيبوا بل ازدادوا طغيانًا إلى كفرهم، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة يونُس: ((فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [… عدد قليل من بني إسرائيل من قوم موسى هم فقط من اتبعه وناصره…] عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ […. أن يفتنهم عن دينهم أن يُعذِّبهم في السجون والمعتقلات، أن يعتقلهم السنين الطويلة في فروع أمنه ومخابراته…] وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)))

اللهم نجِّ برحمتك أهل الشامِ من فرعونها ومَنْ ناصره مِن القوم الكافرين … ثمَّ أتى التوجيه الإلهيُّ إلى موسى ومن معه، أتى التوجيه الإلهيُّ إلى السنن الكونيَّة التي سنَّها الله في هذه الحياة الدنيا، أتى التوجيه لبناء جيل النصر والتمكين، أتى التوجيه لبناء نواةٍ تصلح أن تكون قاعدة بناء المجتمع الإسلامي، وفي هذا يقول الله تعالى: (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)))

تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا: أي فلتعزلوا بيوتكم عن قوم فرعون ومن على شاكلتهم، فمن عاشر القوم تأثَّر بهم ومن ساكنهم لم يستطع أن يربي أبناءه التربية الصحيحة لن يستطيع أن يربِّي أسرته على المنهج الإيماني الذي ارتضاه الله لعباده، وليت من ذهب إلى اللاذقيَّة وطرطوس من أبناء بلدنا سمِع ذلك فاعتبر وحفِظ دينه وعِرضه، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ». لأنَّه بهذا يُكثِّر سوادهم ويُكثِّر عددهم، ويُظهر للناس بأنَّ الشعب معهم، لأنَّه بالإقامة بينهم لن يستطيع أن يربي بنيه على ما يُرضي الله سبحانه لذلك فأوَّل ما أمر الله به موسى ومن معه أن ينحازوا ببيوتهم عن بيوت الفراعنة ومن معهم، أمرهم أن ينعزلوا عنهم كما عُزلت مناطقنا المحررة عن مناطق سيطرة الكفَّار الفجّار، فتحيَّزا بالمكان، ولكنَّ التحيُّز بالمكان وحده لا يكفي إن لم تكن هذه البيوت بيوتًا عامرةً بطاعةِ الله (تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فلتكن بيوتكم عامرةً بذكر الله وبإقامةِ الصلاةِ وبحسن التربية للأولاد، فلتكن بيوتكم مصنعًا للأبطال والمجاهدين، فلتكن بيوتكم مناراتٍ لأهل الإيمانِ وقِبلَةً للصالحين المصلحين، وليكن تميُّزها بإقامة الصلاة وبإظهار شعائر الدين حتى يُبنى الجيل الجديد الذي سيكون على يديه النصر والتمكين، فالتزم موسى وهارونُ ومن معهما الأمر، تحيَّزوا ببيوت بني إسرائيل ولم يتوقفوا عن دعوة فرعون وقومه حتَّى إذا آيس موسى من إسلام قوم فرعون بعد أن رأوا شتى هذه الآيات المعجزات ورأوا ألوان البلاء والعذاب في الدنيا ومع ذلك لم يجيبوا داعي الله فإذا بنبيِّ الله موسى يدعوا عليهم بذلك الدعاء العظيم ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)) (يونس:88)

ربَّنا إنك آتيت بشار ومن معه زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.

رأوا المعجزات فلم يطيعوا، دعاهم موسى إلى الله فلم يُلبوا فدعا عليهم فكان من موسى الدعاء ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)) فأتى الجواب الربَّاني: ((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )) (يونس:89)

كانت الاستجابة أولا بما ذكرنا من عذابٍ وبلاء أصاب أموالهم، وزروعهم ومواشيهم، قَالَ الله قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا، ولكن متى كان هلاك فرعون وجنده؟! متى تحقَّقت الإجابة؟؟

يقول السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن المنذر عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وأخرجه الحكيم الترمذي عن مجاهد، قال: بعد أربعين سنة. مكث فرعون بعد إجابة الدعوة. كيف هذا؟!
((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)): إنّ دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن، ولكن ذلك لا يكون إلا في وقته الذي قدَّره الله له لحكمةٍ أرادها، لكنَّ الإنسان خُلق من عجلٍ يحبُّ التسرُّع في الأمور ((خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ)) (الأنبياء:37) قال الله لموسى ((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)) ومكث فرعون بعدها أربعين سنة!!
الدعاء مطلوب أيها السادة، والثقة بجواب الله مطلوبةٌ، ولكنَّ العجلة مذمومة لأن الله تعالى سنَّ في هذا الكون سُننًا ليقيم بها الحُجَّة على العباد، وليجازيهم على أفعالهم، وما ذاك إلّا من تمام عدله وحكمته ورحمته سبحانه.

((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )) (يونس:89)

حتى تكونوا أهلا لنزول النصر، استقيموا على أمر الله، واعتصموا بحبل الله، وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، ولا تتبعوا سبيل المنافقين الجاهلين الذين لا يعلمون، لا تكونوا في حياتكم ومعيشتكم على شاكلة أولئك الكفار فعندها لن تستحقوا النصر من الله الواحد القهار، لذا وجب أن تكون بيوتكم قِبلة فلا يكفي أن تنحازوا في المكان فقط…

فمكث فرعون بعدها أربعين سنة، يدعوه موسى ويعاني وقومَهُ منهم الاعداء والتكذيب، والقتل والتشريد، وينزل الله بآل فرعون آيات العذاب فلا يستجيبون، حتى إذا أتى الميعاد حتى إذا أتى اليوم الذي قدَّره الله لإهلاك ذلك الظالم، حتى إذا أتى الميعاد الذي أخَّره الله لكي يملي للظالم، فالله يؤخر الظالم إملاءً له ليزداد كفرًا وفي البخاري ومسلم يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قَالَ ثُمَّ قَرَأَ – روحي فداه – : ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) .

أملى الله لفرعون ولقومهِ ليزدادوا طغيانًا وتكذيبًا ولتعظم عقوبتهم وليَعِمَّ هلاكهم ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (آل عمران 178) ؛ وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (الأعراف: 182-183)

أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا وطغيانا وشرا إلى شرهم ، أمهلهم حتى تزيدَ عقوبتهم ، ويتضاعف عذابهم ، أمهلهم … ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) (الأنعام/ 44)

أتى اليوم الموعود، وحلَّ أجل إهلاك فرعون، وتمَّت مرحلة بناء نواة المجتمع المسلم، واستنفذ فرعون وملؤه فرصهم، فأتى الأمر الربَّاني لموسى ومن معه بالتحرُّك:
((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56))

(إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)، بضعة مجموعات إرهابية قليلة… أرسل فرعون ينادي في المدن والدول محذِّرًا، (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)، بضعة مجموعات إرهابية قليلة… (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) نحذِّركم من خطر توسعهم وسيطرتهم على البلاد فشرُّهم سيعمُّكم جميعا، يحذِّر فرعون من معه ليناصروه على موسى ومن معه، يريد أن يقضي على من نادوا بتوحيد الله سبحانه من نادوا بتوحيد الله وحده سبحانه، أراد فرعون أن يهلكهم، أراد أن يفنيهم، ولكنَّ الله تعالى أراد أمرًا آخر، أراد فعون إهلاكهم فأراد الله لهم غير ذلك.

(( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [… تراءى الجمعان: موسى ومن معه من المؤمنين، وفرعون وجنوده…] قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)))

ترآى جمع الفراعنة وقد قيل بأنَّ فرعون أتى يومها بمليونٍ ونصف مليونٍ من الجنود، ألف ألفٍ من الجنود ليتابع هذه المجموعة الصغيرة!!؟

نعم لأنَّه بما رأى قبلها من آيات الله أيقن بأنَّ مع موسى ومن معه قوَّةً لا تُهزم، ولهذا تبعهم بهذا العدد الهائل من الجنود، متوهمًا بأنَّه يستطيع أن ينتصر على تلك القوة الربَّانيَّة بكثرة جنوده، وأنَّى له.

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، موسى وقلَّةٌ معه وفرعونُ بألوفه المؤلَّفة… والإنسان ضعيف، والإنسان يتأثَّر ما يرى حوله، نظر أصحاب موسى في وجوه بعضهم، ونظروا إلى أعدائهم، فقالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ…

أمريكا وروسيا وإيران والتحالف الصليبي وكفَّار الشرق والغرب … قال أهل الشام إنَّا لمُدرَكون … قال أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ… فنادى موسى في القوم (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

نظر القوم لجيش الكفرة ونظروا لقلَّة عددهم وعتادهم، والإنسان ضعيفٌ يتأثَّر بما يرى حوله فـ (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، لعل ختامنا اليوم شهادةٌ في سبيل الله، ظنوه آخر عدهم بالدنيا أن يلقوا الله شهداء، لم يتخيَّلوا أو يتصوَّروا ولم يخطر ببالهم أن لهم أن ينتصروا على فرعون وجنوده، نادى القومُ إنَّا لمدركون، فنادى فيهم موسى (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63))

ضرب موسى بعصاه البحر، فأصبحت أمواج البحر وماؤه كالجبال، وفلق الله البحر وبانت أرضه وأيبسها الله لهم لكي يسيروا عليها سالمين.
وهنا قد يسأل السائل، لماذا قال الله تعالى لموسى: اضرب بعصاك البحر؟؟

أيعجز الله أن يفلِق لهم البحر بغير أن يضربه موسى بعصاه؟!!

الله تعالى الذي فلق البحر أيعجز عن فلقه قبل أن يضربه موسى بعصاه؟! كلّا والله
ولكنَّه التوجيه الربَّاني لعباده المؤمنين أنِ افعلوا ما بوسعكم، لا تقفوا مكتوفي الأيدي… يا موسى، لقد جعلت لك معجزةً في هذه العصى فاضرب بها البحر، فضرب بها موسى البحر فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، خذ بالأسباب وتوكَّل على مُسبِّب الأسباب، تبرَّأ من حولك وقوتك إلى حول الله وقوَّته… فانفلق البحر وسار موسى بصحبه ((وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64))) جاوز موسى ومن معه ((وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65))) فإذا بفرعون الذي أضلَّه الله ((وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)) يرى تلك المعجزة الخارقة فلا يتعظ ولا يرتدع عن متابعة موسى ومن معه، فإذا به يلج بجنوده وراءهم فيُطبق الله عليهم البحر
(( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67)))

عندما تصدُق النوايا وتُخلص القلوب، عندما تأخذ بالأسباب العقول، عندما تتوكَّل على الله النفوس، يكون النصر من عند الله الملك القُدوس.
نصر الله موسى ومن معه بما لم يحتسبوا، نحن أيها السادة أُمرنا أن نُعِدَّ لأعدائنا ما استطعنا مِن قوة ، مُستنفِذين جُهدنا ووُسعنا متوكلين على ربِّنا آخذين بالأسباب ((اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) طال الزمان أو قصُر والله ليُظهرنَّ الله دينه بعزِّ عزيزٍ أو بِذُلِّ ذليل… فنصر الله آتٍ لا محالة، عندما تكون بيوتنا قِبلة وعندما نبني الجيل الذي سيكون أهلًا لذلك.

اللهم يا من نجَّيت موسى ومن معه مِن فرعون وجنده في عاشوراء محرَّم، نسألك يا ربَّنا أن تُنجي أهل حلب وسائر المسلمين في المناطِق المحاصرة، ومن معهم من المؤمنين، اللهم أنجهم في مُحرَّمٍ هذا من فرعون الشام وملئه وجُنده وحزبه وأنصاره وأعوانه أجمعين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفا وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا : (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامة من المِحَن، واعلموا إخوة الإيمان أنَّ من شرِّ الفتن التي قد يفتن بها الإنسان أن يُصاب بلوثة الخوارِج في عقله وقلبه، فيفعل أو يرضى بما فعله الدواعش الخوارج، قطَع الله قرنهم … نقول خوارج، وفي الحقيقة هم شرٌّ من الخوارج…

فوالله لكم ساءنا ما فعلوه البارحة من إجرامٍ إذ فجَّروا بكوكبةٍ من خيرة المجاهدين الذين كانوا متوجِّهين لشمال سوريا لاستنقاذها من براثن مشروع أمريكا ومن معها من مُلحدي الـــ PKK الذين أرادوا إقامة دولة الإلحاد في الشمال بالتعاون مع تنظيم داعش الذي يسلمهم المناطق الواحدة تلو الأخرى …

فإذا بأولئك الذين قلت لكم عنهم سابقا وما زلت أقول بأنَّهم فاقوا الخوارج في أوصاف شرورهم، فالخوارج كانوا أصحاب دين وصِدق، أمَّا هؤلاء فهم إلى الكُفر أقرب، وهم إلى العمالة أقرب، وهم إلى الخيانة أقرب…

أولئك الذين يُسَلِّمون مناطق أهل السنَّة الآن للحشد الشيعي الرافضي في العراق، أولئك الذين يتركون النظام النصيري المجرم ويُظاهرونه على أهل الإسلام على أهل السنة المستضعفين، أولئك الذين تركوا المجوس والروافض واستباحوا دماء أهل السنَّة المؤمنين، أولئك فاقوا الخوارج في شرورهم ولم يشابهوهم في شيء، قطع الله قرنهم وقرن محبيهم ومؤيِّديهم ومعاونيهم ومن كان على شاكلتهم.

ويحٌ لمن باع الأمانة والهدى *** ومضى بحقدٍ يستبيح المسجدا
تركوا المجوس وراءهم وتسابقوا *** يستهدفون الراكعين السجدا

اللهم اقطع قرنهم وخلصنا منهم ومن إخوانهم واكتب لنا يا ربَّنا فرجًا عاجِلًا غير آجل

إنِّي داعٍ فأمِّنوا

0%

تقييم المستخدمون: 4.73 ( 3 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *