الرئيسية / خطب / دروس غرة محرم

دروس غرة محرم

خطبة الجمعة - دروس غرة محرم

 

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

دروس غرة محرم

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 32 دقيقة.

التاريخ: 4/محرم/1439هـ
الموافق: 14/أيلول/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ مناسبة الهجرة نستذكرها في محرَّم وقد كانت في شهر ربيع الأول.
2️⃣ لماذا اختار الصحابة التأريخ بالهجرة.
3️⃣ عاشوراء موسى
4️⃣ أسباب خشية الطواغيت من تجمع المهاجرين في بقعة يأمنون فيها (غزة و إدلب نموذجًا)
5️⃣ عاشوراء الحسين، ودرس عدم الرضا بحكم الأراذِل.

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة االثانية:
6️⃣ العمل يتضاعف بعد الهجرة فلا تتكاسل ولا تقعد.
7️⃣ بدأت المدارس فمزيد اعتناءٍ ومتابعة لأولادكم ومزيد تعونٍ مع المعلمين
8️⃣ نصيحة لشباب التغيير الين يسجلون بالجامعات: كلية الشريعة ليست خياركم فقط.
9️⃣ ساحات التغيير والثورة تنتظركم

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

* ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

 

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، أرسله ربُّه بالهدى ودينِ الحَقِّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كرِه المُشرِكون، فصلواتُ ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبِين الطاهِرين، وأصحابِه الغُرِّ المُحجَّلين، ومن سار على دربِهم واهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين…

أمَّا بعدُ إخوة الإيمان: لقاءنا بكم يتجدد في غُرَّة شهرِ الله المُحرَّم، في غُرَّةِ شهرٍ حرام مُحرَّم، حرَّمه الله تعالى بين الأشهرِ الحُرُمِ التي حرَّمها؛ فضاعف فيها الحسنات للمحسنين، وضاعف الإثم والذنب على العاصين المتكبرين، شهرٌ حرامٌ مُحرَّم نحنُ في غُرَّته يأتينا ومع بدايته تأتينا ذكرى حوادث عظيمة، حوادث مهمة في كل منها درسٌ عظيمٌ، وعبرة عظيمةٌ لنا معاشِر المسلمين، كلُّ درس منها يستوجب خُطبة بل خُطبًا، وكلُّ مشهد فيها فيه عبر تستحق دروسًا كاملة، أحببت اليوم أن أُذكِّر بها مُجمَلةً مختصرة، ولعلَّنا في قابل الأيام إن أحيانا الله تعالى ويسر أن نُفرِد لكل واحدة منها شرحا مُستقِلا في خُطبة مستقلة.

يأتينا شهرُ الله المُحرَّم أيها الأحبة فيذكرنا بحوادث، ترى الناس يستذكرون فيه هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لأن شهر المحرم هو الشهر الأول في السنة القمرية، وفيه بداية رأس السنة الهجرية ورسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-هاجر يوم هاجر ودخل المدينة لثلاث عشر خلون من شهر ربيع الأول، هاجر النبي-صلّى الله عليه وسلّم- ودخل النبي المدينة في شهر ربيع الأول، ولكِنْ لأنّ بداية العام الهِجري تكون في شهر محرَّم يستذكر الناس ونستذكر حادثة الهجرة مع بداية العام.

نستذكر حادثة اخيار الهجرة النبوية الشريفة من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومِنَ الصحابة في زمانه لتكون مُبتدأً لتأريخِ المسلمين، ليكون التأريخ لدى المسلمين بهذه الحادثة المُهمَّة.

يأتينا شهر مُحرَّم فيختم الثلث الأول منه بيوم عاشوراء؛ يوم عاشوراء موسى عليه السلام، ويوم عاشوراء الحسين رضي الله عنه وأرضاه، حوادثُ مهمَّة أيَّها الأحبَّة فيها للمسلمين دروس وعظات وعبر في كل زمان ومكان على سبيل العموم، ولها في مثلِ حالِنا، حالِ الجهاد والثورة ومقارعةِ الأعداء، لها معنى خاص، ولها ذكرى خاصة.

أمّا الأولى منها فهي: هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، درس عظيم أيها الأحبة نأخذه من اختيار الصحابة الكرام لذكرى هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- كمبتدأ للتاريخ.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اتسعت أمة الإسلام واتسعت أراضي المسلمين في زمانه وقد فتحوا بلاد فارس وباد الروم وفتحوا العراق وبلاد الشام تأتيه الرسائل من عماله وكتابه لا يوجد فيها تاريخ السنة، يذكر فيها الشهر فقط، فلمّا كبرت الدولة غدى ذلك يُشكِل على الصحابة الكرام، فقال لهم: لا بد لنا من تاريخ. فذكروا له الأمم السابقة، فمنهم من يؤرخ بموت ملك ومنهم يؤرخ باستلامه للملك ومنهم يؤرخ بميلاد نبيِّهم ومنهم من يؤرِّخُ بموته… ولكِنَّ الصحابة الكرام الذي رباهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الذين فهموا الإسلام فهمًا حقًا لم يؤرِّخوا بمولد النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ولا بذكرى وفاته ،فالإسلام دين عمل، دين جهاد، دين بناءٍ، دين حضارة، ليس دين غلوٍّ، في الأشخاص وفي البشر… فاتفق الصحابة الكرام على أن يؤرخوا بهجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فأرخوا بالهجرة ولم يؤرخوا بميلاده صلوات ربي وسلامه عليه.

لماذا اختار الصحابة الهجرة؟ اختاروا ميلاد دولة الإسلام، اختاروا موعد مهاجرة النبي من أرض الشرك إلى أرض اسلام، اختاروا موعدا أعزَّ الله به المسلمين يوم غدت لهم بقعة مستقلة مُحرَّرة مِن سُلطةِ الطواغيت ولو كانت صغيرة، فهي بدأت صغيرةً في المدينة المنورة -على ساكنِها أتمُّ السلام- واتسعت حتى بلغت مشارق الأرض ومغاربها. هكذا فهم الصحابة الدين فاختاروا الهجرة النبوية موعدا للتأريخ لأنها بداية دولة الإسلام وبداية عز المسلمين، بالهجرة أيها الأحبة انقل المسلمون من ذلٍ وإهانة وضعف وتخفٍّ بين المشركين إلى عزٍّ وظهورٍ ورايةٍ مرفوعةٍ في مدينتهم، إنَّها الهجرة أيّها الأحبَّة، إنّها الهِجرةُ التي أعلا الله قدْرَها، وحدّث النبيُّ عن فضلِها، رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  صحيح أنه قال: (( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا )) [متَّفقٌ عليه]. فهنا مقصوده -صلّى الله عليه وسلّم-  لا هجرة من مكة لأنَّها غدت دار إسلام، وفي حديث آخر صحيح يقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- : ((لا تنقطِعُ الهجرة ما قوتِلَ الكُفَّار)) [صحيح أخرجه النَّسائي وأحمد وابن حِبَّان].

لا تنقطع الهجرة؛ أجرُ الهِجرة العظيم لا ينقطع ما قوتل الكفار، وجُلُّكم أيَّها السادة يحتسب أجر الهجرة عند الله، كثير منكم يا أحبتنا هاجر بملء إرادته، ترك ديار حُكم الكفار لكي يأتي إلى دار يكون فيها الإسلام عزيزا مكرما، ومن هجر غصبا عنه؛ هاجَر متحيزا لفئة من المسلمين فارًّا بدينه، أبى أن يضع يده بيد من قتل أباه وشرَّد أمه وأخاه.

نعم أيها الأحبة إنها الهجرة ديدنُ الأنبياء، ما ذَكرَ الله لنا نبيًّا في القرآن، قلَّ ما يذكر الله لنا نبيًّا، إلا حدَّثنا عن هجرته، الأنبياء أولو العزم، موسى عليه السلام، هاجر من دار فرعون دار الكفر، إبراهيم عليه السلام هاجر، عيسى ساح في الأرض يعلم الناس دين الله، محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- هاجر وبلده أعز البلاد إليه، وقف أمام مكة وهو مهاجرٌ منها قال: “أما إنك أحب البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت” [مسند أحمد]، خرج مهاجرًا لله، خرجَ في سبيل الله، فوطني حيث أعيش عزيزا كريمًا، بلادي وأرضي التي أدافع عنها حيث يكون ديني ظاهرًا مُعزَّزًا مُكرَّما لا أهان في ديني ولا أهان في كرامتي، إنَّها الهجرة أيّها الأحبة، الدرس الأول وتأريخ عمر بن الخطاب بالهجرة لأنها ميلاد نواة دولة الإسلام.

أما الدرس الثاني في مطلع شهر محرم:

هذه النواة أيّها الأحبّة، لما يبدأ الناس ينعتقون من قيود الطواغيت، ولمّا يبدأ الطواغيت بالشعور بأنّ الناس يتفلتون من نير عبوديتهم إلى ربِّهم مهاجرين لكي يكونوا في أرض يُعزّهم الله فيها؟ تكون الحرب من أولئك الطواغيت، ويكون إجرامُ الطواغيت، ويكون تعذيبهم، ويكون قهرهم في وجه مستضعفين قد لا يملكون العدّة والعتاد والسلاح والجيوش، فيأتي درس مُحرَّمٍ الثالث: درس عاشوراء، درس عاشوراء الذي أمر النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بصيامه، فقد قال روحي فداه – كما في صحيح مسلم- : «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، ويوم عاشوراء إن أحيانا الله إلى قابل هو يوم الخميس القادم (20/9/2018م) لذا أذكِّر نفسي وأوصيكم بما أوصى به رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  أن تصوموه، قال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، لماذا صامه رسول الله؟ ما الحكمة بأن نتذكر عاشوراء في كل عام؟

دخل النبي -صلّى الله عليه وسلّم-  فرأى اليهود تصوم في العاشر من محرم، فسأل عن ذلك، لماذا يصوم اليهود في اليوم العاشر من محرم؟ قالوا: هذا يوم أظهر الله فيه موسى على فرعون، هذا يوم نصر الله فيه موسى على فرعون، يوم العاشر من مُحرَّم أغرق الله فرعون ومن معه ونصرَ موسى ومَن معه، فقال روحي فداه نحن أحق بموسى منهم، نحن الموحدون المؤمنون بما جاءت به الأنبياء أحقُّ بموسى من يهودِ الغدرِ والكذِبِ والتحريف والخيانة، فصوموه، فصامه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ، وصامه الصحابة، كان رسول الله يصوم العاشر من مُحرَّم، «فقيل له: يا رسول الله إن هذا يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال روحي فداه -والحديث في مُسلم- فإذا كان العامُ القابِل –إن شاء الله- لأصومنَّ معه التاسع» [مخالفةً لليهود، أي أن يصوم التاسع مع اليوم العاشر] «يقول ابن عباس: فلم يأتِ العام المُقبِل حتّى توفِّيَ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-».

توفِّي رسول الله ولم يدرك الذي بعده، ولكنَّه علَّمنا وعزم روحي فداه أن يصوم التاسع والعاشر، التاسع أيها الأحبة هو يوم الأربعاء القادم (19/9/2018م) والعاشر هو يوم الخميس القادم (20/9/2018) إن أحيانا الله تعالى.

لماذا أمرنا النبي بصيامه؟ قال نحن أولى بموسى منهم، أولى بموسى منهم، أي مِنَ اليهود، أيضا هناك حكمة عظيمة أيّها الأحبة: أراد منّا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  أن نتذكر في كُلِّ عام أن الله تعالى عزيز قوي جبار قهار ينصر عباده المستضعفين أنّا شاء وبما شاء وكيف شاء…

موسى -عليه السلام- لمَّا أمره الله تعالى أن يسري ومن معه من بني إسرائيل وأن يهاجر بهم، سرى بهم موسى مُهاجِرًا نحو بلاد فلسطين، فإذا بفرعون يُرسل حاشدا جنوده ومن معه يريد أن يقتلهم، ويريد أن يمنعهم من الهجرة إلى ربهم، لأن الطواغيت يعرفون أنَّ أهل الحق على ضعفهم متى تجمّعوا في مكان ستكون تلك فرصة لكي يقووا، الآن أُمَمُ الأرض جميعا تريد أن تنزع منا هذه البقعة الصغيرة، ضاقت عليهم الأرض قاطبة ويريدون منا هذه البقعة الصغيرة [إدلب وأريافها]، لماذا، يعرفون ويقوقنون علم اليقين بأنَّه إن تفرّد المسلمون المخلصون لله ولم ينازعهم في حُكمِ المكان من يُداهِن الكفار ويبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا قليل، ستكون هذه المنطقة نواة تخرج أجيالا من المسلمين، قد يعيدون السيطرة ليس على سورية فحسب بل على سوريا وما حولها، لذلك ضاقوا ذرعا بمناطقنا المحررة وبغزَّة في فلسطين، يريدون أن يدخلوا عليهم من يفسد عليهم دينهم، في غزّة يفرضون عليهم فرضا أن تدخل عليهم حكومة عباس، وأن تغير المناهج التعليمية التي اعتمدوها لتربية جيل مسلم مجاهد، يريدون أن يفسدوا عليهم دينهم، وفي بلادنا الآن يريدون نفس الأمر، رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  أمرنا أن نصوم عاشوراء لكي نتذكر موسى ومن معه، نتذكّر كيف سرى موسى بمن معه فأرسل فرعون جامعا، ذكر بعض المؤرخين أيّها الأحبة قالوا جمع فرعون مئة ألفِ رجل وذكر بعض المؤرِّخين قالوا: ألف ألف رجل!! أي مليون إنسان تعداد جيشه، أقل من ذَكَر قال: مئة ألف رجل!!

تخيلوا جيشا عرمرما من مئة ألف رجل، لماذا جمع فرعون هذه الأعداد، فرعون لعنه الله لما رأى مِن موسى الآيات أيقن أن مع موسى قوة عظيمة، فتوهم بأنه إن لحق موسى بجيش صغير قد لا يقدر على هذه القوة، فجمع هذه الأعداد ولحق بموسى متوهِّمًا بأنَّ من معه سيهزمون قوة الله التي لا تقهر، وسيهزون قوة الله التي لا تُجابه، فأتبعَهُم فرعون بجنوده، أتبع موسى ومن معه، حتى إذا بلغ موسى ومن معه البحر وقفوا فإذا بالبحر من أمامهم، وإذا بأمواج تتلاطم من جيوش الكفر تباعًا، جيش فرعون من ورائهم، وقعَ الخوف في قلوبهم، ونحن بشر لسنا ملائكة، قد نخاف، وقد ذكرنا يوم الخندق حال أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم- وقد بلغت القوب الحناجر وتظنونَ بالله الظنونا، وهم صحابة، فالبشر يخافون…

فلما تراءى الجمعان غدا ينظر الجمعان إلى بعضهم البعض، موسى ومن معه يرون فرعون ومن معه وأولئك رأوهم، ((فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)) [الشعراء:61]، هي الشهادة في سبيل الله، أدركونا، مئة ألف مقاتل، خرجوا هاربين بنسائهم وأولادهم، لم يخرجوا جيشا، ليس معهم عتاد ولا سلاح، قال أصحاب موسى إنا لمدركون، فقال من تعلَّق يقينه بالله: (( قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) [انفلق البحر كالجبلين العظيمين وظهرت أرضه يابسة لموسى ومن معه] وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) [سار موسى ومن معه من بني إسرائيل على تلك الأرض اليابسة]، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67)))

نعم أيها الأحبة، دروسٌ عظيمة في شهر محرَّمٍ الحرام أراد مِنَّا النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-  أن نستذكرها في كل عام، أن نستذكر أنَّنا أُمَّة العمل، أُمَّة البناء، أُمَّة فيها إقامة واجب على كل مسلم، أُمَّةٌ لا تُعظِّم الأشخاص ولا تغلوا في البشر، فالبشر بشر ونحن لا نعبُد إلّا ربَّ البشر، ولا نعظِّمُ إلا ربَّ البشر، أراد منَّا النبي أن نتذكر موسى وعاشوراء لكي نعلم أن الله تعالى ينصر عباده المستضعفين.

وأما الدرس الرابع: فهو عاشوراء الحسين رضي الله عنه وأرضاه، عاشوراء الحسين سِبط النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الذي فهِم من دين الله، وفهم ممَّا تعلمه من جدِّه رسول الله، وفهم ممَّا جاء به شرع الله، أنّ المُسلِمَ لا ينام على الضيم ولا يصبِر على حُكم الأراذِل، ولا يصبِرُ على الظلم، ولِقصة عاشوراء الحسين وما جاء فيها مِن صِدقٍ وما جاء فيها من كذِب درسٌ مستقل وحديث مستقل وعبرة سنتحدث عنها في خطبة مستقلة إن أحيانا الله تعالى إلى قابل، أقول ما تسمون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عباد الله، خيرُ الوصايا وصيّةُ ربِّ البرايا:
((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، فبتقوى الله العِصمةُ مِن الفِتَن، والسلامةُ من المِحَن… واعلموا عباد الله أن الهجرة في سبيل الله شأن عظيم فيها أجر كبير أعده الله للمسلمين الذين يفهمون معنى الهجرة معنى حقيقيًا، كثير من الأحبة، كثير من الناس، كثير من إخواننا الذين هاجروا وهُجِّروا من ديارهم في سبيل الله ظنّوا أنَّهم انتهى بهم المطاف، وأنهم انتهى بهم الأمر وأنهم بذلوا ما عليهم، كلّا واللهِ وباللهِ وتاللهِ وايمُ الله إنَّ العمل والجهاد يكون بعد الهجرة أكثرَ من قبلها، النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بهجرته فتح باب الجهاد أما الأمّة المحمدية، ما كان الجهاد إلّا بعد هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ، وما تضاعف جُهد النبيّ والصحابة في الدعوة إلى الله وفي نشر دين الله وفي توطيد أركان الدولة الإسلامية إلّا بعد الهجرة في سبيل الله، فالله الله في دينكم أيّها الأحبة، الله الله يا مَن هُجِّرتم من دياركم لأجل دينكم ومرضاةً لربكم إياكم والتقاعس، إياكم والقعود، نحن الآن في مرحلة البناء، رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-  وهو رسول الله، وهو المؤيد بالوحي، وهو الذي قاتل معه الملائكة، هاجر من دياره فما استطاع أن يرجع إلى مكَّة إلا في السنة الثامنة للهجرة بعد ثمان سنوات، أتم ثمانية سنوات مهاجرا في سبيل الله، نحن لم نهجر من ديارنا بعدُ سنةً أو سنتان، هي مرحلة بناء وإعداد واستعداد وتطوير للجيل المسلم المجاهد، لذلك أيها الأحبة في باب البناء أذكركم بأمور:

أولها: أن المدارس قد فتحت فأعطوا أولويةً للاهتمام بأبنائكم في المدارس، وكونوا عونًا للمعلمين في تربية أبنائكم. إياك أن تكون نِدا للمعلم، المعلم يريد خير ولدِك فكن عونًا له.

أما الثانية أيّها الأحبة: وقد بدأ التسجيل في الجامعات، كثير من الشباب يسألني: مَن هذه الجامعات؟ من سيعترف بها؟ أقول لكم صادقا أيها الأحبة، مسألة الاعتراف والشهادات كذبة كبيرة استخدمتها دول الغرب لكي تبتز بها الدول الفقيرة والضعيفة، الآن في غزّة لمّا انقطعوا عن العالم الخارجي غدا الطلاب في جامعات غزّة يبدعون اختراعات تشتريها منها دول الكفر، لماذا؟ لما تكون في نظام ثابت جامد فأنت تحارب الإبداع وتقاتل الإبداع، لا يوجد جامعة في الدنيا اعتُرِف بها قبل أن تُخرِّج بضعة دفعات.

أشهر جامعات في العالم (كامبريج – أوكسفورد) لما تأتي بشهادة من كامبريج أو من أوكسفورد أو السوربون تأتي بأي دولة في العالم -حتى نحن كنا في سوريا- يُجرون لك امتحان لكي يختبروا شهادتك، وبعد تخريج بضعة دفعات يغدو اسم هذه الجامعة معترفا به، والأهم من ذلك أيّها الأحبة، نحن هنا في مناطقنا المحررة نعترف بجامعاتنا، والأولوية في التوظيف لمن تخرَّج في المناطق المحررة، من يريد أن يدرس في جامعاتنا لكي يذهب ويترك هذه البلاد ويخدم دولًا أخرى فليذهب وليدرس أنّا شاء، أما نحن فنعترف بجامعتنا والأولوية في استخدام وتوظيف شبابنا الذين تخرجوا من جامعاتنا.

المسألة الثالثة التي أود أن أنبه عليها فيما يتعلق بالتسجيل في الجامعات: كثيرًا ما كنا نتحدث عن أهمية إصلاح التعليم، وعن أهمية التعليم وكيف أن حزب البعث المجرم الفاسد الذي حكم هذه البلاد أفسد التعليم في بلادنا إفسادًا ممنهجًا، في المناهج وفي توجُّهاتِ المُعلمين، فأكرمنا الله تعالى بهذه الثورة لكي ننعتِق من هذه العلائق، فأوَّل ما يجب علينا هو إصلاح التعليم، طيب نحن نريد أن نُصلِح التعليم فهذا يعني أننا بحاجة إلى كوادر، ولكن مما يسرُّ ويفاجئ في نفس الوقت، مما أثار في حفيظتي: إقبال كثير من الشباب المؤمن الملتزم صاحب الهمّ وصاحب الفكر روّادُ النهضة وسُعاة التغيير يقبلون على التسجيل في الكليات الشرعية، وهذا أمر طيب حسن، ولكن هنا لا بد من ملحَظٍ خطيرٍ مهم:

يا أخي يا من ستسجِّل بكلِّية الشريعة، نحن عندنا في البرنامج المدرسي لمادة التربية الإسلامية حصتان فقط، أما باقي الحصص فهي لسائر المواد، أنا لا يكفي أن يكون لدي مدرس تربية إسلامية جيد، لو كل الشباب الملتزمين أصحاب المنهج السليم وأصحاب التوجه المحمدي توجهوا إلى كلية الشريعة كما هو الآن سيكون عندنا فائض، طيب من سيُدرِّس الأولاد الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلسفة والعلوم واللغة العربية واللغة الإنكليزية… أنتركها للفاسدين المفسدين، كلّا وألف كلّا، نحن بحاجة للشاب الملتزم صاحب المنهج السليم لكي يكون معلم رياضيات صالحًا مُصلِح، ولكي يكون معلم فيزياء صالحًا مُصلح، ولكي يكون مُهندِسًا صالحًا مصلحا، ولكي يكون طبيبا رحيمًا صالحًا مصلحا، ولكم فقدنا هذه الصفة في كثيرٍ مِن الأطباء، لذلك أيّها الأحبة أوجّه جميع الشباب بالذات إذا كانوا فريق من الشباب المُلتزمين في قرية، لا تتوجهوا جميعا إلى كلية الشريعة بل تقاسموا كلّ الكليات لكي تسدوا الثغور جميعا عن أمة الإسلام، ولا نبقى بحاجة أحد لا نثق بمنهجه ولا نثق بتوجهاته ولا نثق بما يعلمه لأولادنا، لا بد أن تسدوا جميع الثغور وبالذات الكليات المتعلقة بالمدارس وفي كليات البناء، فأنتم أيها الأحبة أنتم بُناة هذه البلاد، أنتم عُمدة دولة الإسلام، أنتم من سيجعل الله تعالى التغيير على أيديكُم، ((إنّهم فِتيةٌ آمنوا بربِّهم وزِدناهم هُدى))، فتيان التغيير يسدون الثغور عن المسلمين بالتعليم وبغير التعليم، بالمِهن جميعًا، ما عندنا شاب ملتزم عاطل عن العمل، ما عندنا شاب ملتزم ليس بيده مصلحة، إما أن يدرس وإمّا أن يتعلم مصلحة ينفع المسلمين، معمرجي بنّاء مكنسيان كهربجي سيارات… ما عندنا مسلم ملتزم عاطولي، بعض الناس استمرأت بعد الثورة الكسل والتسكع على الطرقات، ولو عمِلْتَ بالقليل خير لك من أن تجلس بين النساء عاطلًا متسكِّعًا.

شبابَ التغيير ساحات التغيير وساحات الثورة تنتظركم أيضًا لكي نُريَ العالم أجمَع بأننا لم ولن نتنازل عن ثورتنا ولن نتنازل عن مبادئنا مهما طال المدى وإن ظهرت أخطاء، النبي -صلّى الله عليه وسلّم-  يوم أحد ثلث جيش النبيّ عاد به المنافقين، لن نكون بأفضل حالًا مِن جيش النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ، نحن على خير ونحن أحبابُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونحن ما زلنا نريد إسقاط نظام الإجرام والكفر والطاغوت، ساحات التغيير تنتظركم، واليوم يوجد مظاهرة مركزية عند المجلس المحلي في بلدتنا، نراكم جميعًا على الخير هناك إن شاء الله، نسأل الله تعالى أن يثبِّتنا على الحق وأن ينصرنا على القوم الكافرين، إني داعٍ فأمِّنوا.

0

تقييم المستخدمون: 5 ( 1 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *