الرئيسية / خطبة الجمعة / السكينة المفقودة (السكينة والطمأْنينة في زمن القلق والتوتر)

السكينة المفقودة (السكينة والطمأْنينة في زمن القلق والتوتر)

خطبة الجمعة - السكينة المفقودة

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

السكينة المفقودة
(السّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ في زمن القلق والتوتر)

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 29 دقيقة.

التاريخ: 2/رمضان/1439هـ
الموافق: 18/أيار/2018م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1️⃣ تعريف السكينة والطمأنينة وانعكاساتهما والحاجة إليهما.
2️⃣ القلق والتوتر والأمراض النفسية تجتاح العالم وبالذات الدول الغنيَّة.
3️⃣ دور وسائل التواصل الاجتماعي السلبي.
4️⃣ سبعة أسباب تساعد على تحقيق السكينة.
5️⃣ الإيمان والذِّكر والصاحب والزوجة الصالحة.
6️⃣ إيفاء حقوق المخلوقات جميعًا (بشر، حيوان، شجر، حجر)
7️⃣ قلة مخالطة الناس لغير حاجة.
8️⃣ العبادات على هيئتها المسنونة.
9️⃣ نؤدي العبادات في رمضان وغير رمضان فلا نزداد بها إلَّا توتُّرًا!!

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة االثانية:
🔟 مزايا السكينة والطمأنينة وجائزتها الأخيرة.

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

  • ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَ الطُّمَأْنِينَةَ مُلازِمَةً لَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ مِنَ الْحَمْدِ وَأُثْنِي عَلَيْهِ، وَأُومِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، بِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ، وَتَهُونُ الشَّدَائِدُ وَالخُطُوبُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَيَّدَهُ رَبُّهُ بِالنَّصْرِ المُبِينِ، وَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وتابعيهم ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، إخوة الإيمان، يقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) [الرعد 28].

السكينة والطمأنينة، نِعَمٌ عظيمة، ومراتِبُ جليلة أنعم الله بها على المؤمنين، وتفضَّل الله بها بها على المتَّقين، وذكرها ربُّنا سبحانه وتعالى في مقام الممدوحين، فما هي السكينة؟ وماهي الطمأنينة؟ وكيف السبيل إليهما؟

أمَّا الطُّمَأْنِينَةَ – أيها السادة -: فهي سُكُونُ القَلْبِ إِلَى الشَّيْءِ وَعَدَمُ اضْطِرَابِهِ وَقَلَقِهِ، وَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ السَّكِينَةِ، فالسَّكِينَةَ بِدَايَةٌ وَالطُّمَأْنِينَةَ نِهَايَةٌ، السَّكِينَةُ تَكُونُ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، لِيَصِلَ بَعْدَهَا المُؤْمِنُون إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي تُلازِمُهُم فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ.

وإن كان أصلُ السكينة في القلب فإنَّها بعد ذلك تفيض على الجوارح، فترى جوارِح الإنسانِ المطمئنِّ بذكر الله وعبادته، ترى عليها أثرَ السكينة، ترى عليها أثر الهدوء والخشوع، تراه مرتاح البال مطمئنَّ الفؤادِ مُستقِر التفكير في عصرٍ يتميز بأنَّه عصرُ القلق والاضطراب والأمراض النفسية، تلك الأمراضُ النفسية التي لا تتعلق بفقرٍ أو غِنى، ولا بتشرُّدٍ أو استقرار، تلك الأمراض النفسية التي يكفي لنا أن نعلم بأنَّ أعلى نسَبِها هي في الدولِ الغنيَّةِ المُتقدِّمة، بل يكفي أن تعلموا أيها الأحبَّة بأنَّ أعلى نسبِ الانتحار في العالم حققتها الدول الأكثر غنى، الدول الأكثَرُ رخاءً وثراءً ورفاهية، تلك الدول التي تؤمِّن للإنسان كُلّ احتياجاته المادِّيَّة من ساعة ولادته إلى ساعة موته، تلك الدول هي السبَّاقة في نسَبِ الانتحار، لماذا؟!!

لأنَّ الناس على الرُغم مما توفَّر لهم فهم يعيشون فيها خواءً روحيًا واضطرابًا نفسياً فظيعًا أبرز مظاهره القلق والتوتر والتشتت.

وزاد الطين بِلة في هذا الباب – أيُّها الأحبَّة – ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس حتى غدونا ‏نعيشُ عصرَ السكينة المفقودة، يلهث إنسان اليوم خلف الانفعال لا الفعل؛ يشعرُ وكأنَّ عجلة التهميش ستطحنَه إن بقي ساكنًا للحظات، لذا لابد أن يعلق ويتفاعل مع كل شيء يتوهَّم أنه بذلك فقط يحقق وجوده، والنتيجة بعد هذا؛ كائنات قلقة تحت الطلب دائمًا، كائناتٌ منفعِلةٌ مفعولٌ بها، كائناتٌ فقدت السكينة والطمأنينة والراحة النفسية.

تلك السكينة والطُمأنينة التي أتى الأنبياء ليداووا قلوب المرضى والتائهين بها، ليداووا الحيارى والغافلين بجميل لطفِها وروعة أنسِها، تلك السكينة التي يطمئن بها المؤمنون، ويسعَدُ بها الموفَّقون، ويسعى إليها العاقلون، تلك السكينة التي يثبِّتُ الله بها عباده المؤمنين؛ في أوقات الحُزنِ والفرح، كما في أوقات اللذَّة والألم.

وقتُ الخوف، وقت الحُزنِ، وقت الاضطراب، تنفعهم السكينة وتثبِّتُهم فلا يقنَطوا ولا يستسلموا ولا يطيش حجرُهم ولا تتيه عقولهم ولا تسفُه أحلامُهم، (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وَمَا أَكْثَرَ المَوَاطِنَ الَّتِي اضْطَرَبَتْ فِيهَا قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، فَزَالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ وَالاضْطِرَابُ، بَعْدَ أَنِ اجتَهَدُوا حَسَبَ سُنَّةِ اللهِ فِي مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ.

وإذا كان هذا شأنَ الثبات وقت الخوف والحُزنِ والشِّدة، فكيف يكون التثبيت وقتَ الفرح واللذَّة؟!

وقتَ الفرح واللذَّة تكون السكينة والطُمأنينة دافِعًا للمؤمنين لكي لا يَطغُوا ولا يبغُوا فيُفسِدوا في أولاهم وآخِرتِهم بفرحٍ على شاكلة فرَحَ الكافرين، كقارون موسى الذي حدثنا الله عنه إذ: ” قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” [القَصَص:76].

إنَّها السكينة والطمأنينة، إنَّها الفرق بين المؤمن الحليم الحكيم، والفاجر التافه السفيه، من أَرَادَ السَّكِينَةَ وَطَلَبَهَا أيها الأحبّة؛ سَلَكَ سَبِيلَهَا وَبَاشَرَ أَسْبَابَهَا، وحديثنا اليوم عن سبيل الشعور بالسكينة، حديثنا اليوم عن طريق الشعور بالسكينة والطمأنينة والراحة النفسية؟

فلنتفكَّر معًا أيها الأحبة : كيف للإنسان المؤمن أن يُحصِّلَ راحة البال، وطُمأنينة القلب، وسكينة النفس؟؟ … بضعُ أسبابٍ اخترنا لكم أهمَّ سبعةٍ منها:

وأولُ الأسباب التي تُحَقِّقُ لِلإِنْسَانِ الهُدُوءَ وَالسَّكِينَةَ وَالاستِقْرَارَ، وَتمنَحُهُ دَائِمًا الطُّمَأْنِينَةَ بِاستِمْرَارٍ، الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الأُمُورِ إِلَيْهِ؛ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا قَضَاهُ جلَّ وعلا ؛ (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: من الآية125].

وثاني تلك الأسباب التي تُعين على الطُمأنينة: الإقبال على ذكر الله بتفكُّرٍ وتدبُّر (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].

وثالث الأسباب المعينة على السكينة: الصُّحبة المؤمنة التي تثبِّت الإنسانَ وتعينه على طريق الحق، وأروع مثالٍ عن ذلك ما قَصَّه الله علينا مِن حالِ النبي r مع صاحبه الصِديق t يومَ الهجرة، (( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [التوبة:40]. الصديق الصالِح، والصُّحبة المؤمنة، تُذكِّرُك بالله وتُثبِّتُك في أوقاتِ المِحن.

أمَّا رابع الأسباب المعينة على السكينة والطمأنينة: فهي مِن الصُّحبة أخصُّها، ألا وهي الصاحبة، ألا وهي الزوجة والزوج، قال تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم:21]. وقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)) [الأعراف: من الآية189].

فكلٌ من الزوجيين – أيها الأحبَّة – عونٌ للآخر على راحة النفس، عونٌ للآخر على طمأنينة البال، بما يأمِّنه لشريك حياته من راحةٍ وحمايةٍ ومُتعةٍ وصونٍ ووقايةٍ وعونٍ على طاعة الله ومشاقِّ الحياة.

أمَّا خامس الأسباب المعينة على سكينة الروحِ وطمأنينة النفس: فهي قِلَّة الاختلاط بالناس لغير طاعة (كطلبِ رزقٍ، وصلاة جماعةٍ ودرسِ علمٍ ونحوِ ذلك…)
كثرة الاختلاط بالناس (ونخصُّ منهم السفهاءُ والجُهلاء) تُفسِد القلب، وتُشتت الروح، وتنزعُ الأخلاق، وتضيعُ نفيس الأوقات، وبالذات في زمن الفتن والفساد، وفي هذا روى البخاري عن رسول الله r أنَّه قال: “يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم، يَتْبَعُ بها سَعَفَ [أو شَعفَ] الجبال، ومواقِع القَطر [حيث ينزل المطرُ وينبت الكلأُ] ، يَفِرُّ بدينه من الفِتَن”. يَفِرُّ بدينه من مخالطة السفهاء الجهلاء، يفِرُّى بدينه من الفِتَن فيحقق راحة باله وهدوء نفسه.

وأمَّا سادس ما يعين على الطمأنينة والسكينة أيُّها السادة: فأداء والواجبات وإيفاء الحقوق للمخلوقات، كبرِّ الوالدين، وصِلةِ الأرحام، والعفو والصفح والتجاوز عن العثَرات، والتغاضي للناس عن الزلَّاتِ.

فأنَّى لمن آذى الناس وأضرَّ بهم أن يشعر بهدوء النفس وطمأنينة القلب، أنَّى لمن استعدى خلق الله عليه أن يشعر براحة البال وسكينة الروح، أنّى ذلك لمن عقَّ والديه وقطَّع أرحامه، وفي الحديث المُتَّفَق على صحته يقول – روحي فِداه – :
” الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي، وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي، قَطَعَهُ اللهُ “. فكيف لمن قطعه الله أن تستقرَّ روحه، كيف لمن قطعه الله أن يستشعر الطمأنينة في قلبه؟!

أنَّى لمن أكل حقوق الناس حرامًا أن يهنأ له بال؟! أنَّى ذلك لمن يبحث عمَّن يُفتيه ليستحِلَّ ما حرَّم اللهُ من أموالِ الناسِ وحقوقِهم، يظن أنَّه بفتوى فُلانٍ أو فُلان سيُهدِّأُ ضمير من معه – ضميره هو مات من زمنٍ بعيد!!- وفي الحديث الحسن الذي رواه أحمد والدَّارمِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا، عن وَابِصَةَ بن مَعبدٍ – رضي الله عنه – قَالَ: أتَيْتُ رَسُول الله – صلّى الله عليه وسلّم -، فَقَالَ: ((جئتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ ؟)) [جئت تسأل عن معيار معرفة الأعمال الصالِحة؟] قُلْتُ : نَعَمْ، فَقَالَ: (( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ: مَا اطْمَأنَّت إِلَيْهِ النَّفسُ، وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإثْمُ: مَا حَاكَ في النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتَاكَ النَّاسُ وَأفْتُوكَ )). وإن أفتاك فُلانٌ وفُلان، وإن برَّرَ لك فلانٌ وفُلان، وإن أعطاك حبَّة فتوى مهدِّئةً لضميرك، استفت قلبك وإن أفتوك؟؟!

إن أفتاك الناس وأفتوك، أقسم لك بأنَّ قلبك لن يطمئن وأنَّ روحك لن تعرِف السكينة طالما أنَّك تؤذي الناس، طالما أنك تتعدى على حقوق الناس، طالما أنَّك تأكل المال الحرام أو ما فيه شُبهة فلن يطمئن قلبك، ولن تسكن روحك وَإنْ أفْتَاكَ النَّاسُ وَأفْتُوكَ.

لن يطمئنَّ قلبُك، ولن تسكُنَ روحك، طالما أنك تؤذي خلق الله؛ ليس البشرَ فقط بل حتى الحيوانَ والنبات والحجر، إن آذيتهم فستشعُر بأذى في صدرِك ولن تستشعِرَ طمأنينة البال، ولهذا أتت الأحاديث النبويَّة تأمر بالإحسان حتى إلى الحيوان وإلى الشجر والنبات أيضًا ليعيش الإنسان سِلمًا وسلامًا مع الطبيعة حتى من حوله، فيطمئنَّ قلبه، وتسكُن روحه.

أمَّا السبب السابِعُ الأخيرُ أيها السادة من الأسباب التي نذكُرُها فيما يُعين على طُمأنينة القلب وسكينة النفسِ، فهي المداومة على العبادة بالنحو الذي سنَّه لنا النبي – صلّى الله عليه وسلّم – فالصلاة بخشوعٍ وخضوع، وتلاوةُ القرآن بتفكُّرٍ وتدبُّر، وصيامُ الجَسَدِ عن الشهوات وما يستلزمه من صيام الجوارح عن المعاصي، كلُّ ذلِك مِن أعظم ما يعين على تحصيلِ السكينَةِ والخُشوع، قال تعالى: ((وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) [البقرة:45-46].

وفي صحيحِ الإمام مُسلم، عن رسولِ الله – صلّى الله عليه وسلّم – أنَّه قال: ((وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)).

العبادة أيُّها السادة: الصلاة بخشوعٍ وخضوع، وتلاوة القرآن بتدبُّرٍ وتفكُّر، وذِكرُ الله بتفكُّرٍ وتأمُّل، من أعظمِ ما يُعين على طُمأنينة القلب وسكينة النفس، وما شهرُ رمضانَ المبارك الذي نعيش أيامَه الآن إلَّا دورةٌ سنويَّة يهيئُنا الله بها، لتتطهر أجسادنا من أدرانها، ولتسمو أرواحنا في ملكوت ربِّها، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر الذِّكر والدعاء، نِعم العون لننال السكينة والطُمأنينة التي نبغي.

ولكن يا للأسف، كثيرٌ من عباداتنا في رمضان نؤديها فلا نزداد بها إلا إرهاقًا وتوتُّرًا، نؤدِّي عباداتَنا في رمضان فلا نزداد بها إلا تشتُّتًا للنفس واختلاجًا للروح، وخواءً للقلب، لماذا هذا أيُّها الأحبَّة؟!

نؤدي العبادات في رمضان فلا نزداد بها إلا توتُّرًا، لا نشعرُ بالسكينة والاطمئنان، وما هذا إلا لأننا نؤديها ظاهرًا ولكننا لا نؤدِّيها حقيقةً كما أُمِرنا أن تؤدَّى؛ يُضيع أحدنا الساعاتِ الطويلة في اللهو على التلفاز وعلى الجوال وفي سهرات اللغو التافه والكلامِ الفارِغ … فإذا أطال الإمام أو الخطيب عشر دقائق ضاقت أنفسنا ذرعًا وكأننا في تلك الدقائق العشر كنَّا سنحل مشاكل الكرة الأرضية وسنبيع تجارةً بملايين الدولارات الأمريكية!!

ساعاتٌ تمضي وكلٌّ منا عينه في جوَّالِه أو على التِّلفاز …. عشرُ دقائق إضافية يُطيل بها الإمام صلاته، أو يطيلُ بها الخطيبُ في خُطبتِه، أو دقيقتان يُطيل بهما المُدرِّسُ في درسِه، نشعُرُ وكأنَّ أرواحنا تتصعَّدُ في السماء!!

الصلاة التي تُحقِّق السكينة والطُمأنينة أخا الإسلام هي صلاةٌ تحتاجُ خضوعًا وخشوعًا، تلك الصلاة التي كان النبي – صلّى الله عليه وسلّم – يقول عنها: “أرحنا بها يا بلال ” لسان حالنا معها: ” أرحنا منها يا إمام ” فإذا بالإمام ينقرُها نقرًا، وإذا بالبعض يفرح بكثرة ركعاتٍ لم يحقق فيها شرط الطمأنينة، وإذا تلى القرآن فتراه يُسابق بعدد الختَمَات يقرأُ هذرمةً لا يعي ما يلفِظ، ثمَّ نسأل بعد ذلك: لماذا لا نجِد الأثر؟
لماذا لا نشعُر بالسكينة؟! لماذا لا نشعرُ بالطمأنينة؟!

كيف ستشعرٌ بالطمأنينة وصلاتُكَ تنقرُها نقرًا كنقرِ الديك، تظنُّ أنَّك ستُحصِّلُ السكينة!!

تلاوة القرآنِ التي جُعلِت لتتدبَّر كلام الله، فتسمو بنفسِك وعقلِك وروحِك، لتشعُر بالطُمأنينة تقرؤها هذًّا لا تدري ما تقرأ!!

عباداتٌ فرغناها من معانيها ومضامينها، ثمَّ لم نحسن حتَّى في هيئتها وأدائها، هذه العبادات بهذه الهيئة وعلى هذا الحال لا يمكن أن تكون أبدًا سببا لسكينة النفس، لا يمكن أن تكون أبدًا سببا لهدوء الروح وسموِّها.

اللهم اجعلنا من المنقادين لشرعك، المطمئنين بذكرك السعيدين بوصلِك، القانتين الخاشعين الموقنين بذِكرِك، أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، عبادَ الله خير الوصايا وصيّةُ ربِّ البَرايا: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]. فاتقوا الله عبادَ الله، فبتقوى الله العِصمة من الفِتن، والسلامةُ مِنَ المِحَن، واعلموا إخوة الإيمان بأنَّ تقوى الله في السرِّ والعلن من أعظَمِ ما يُعين على تحقيق سكينة النفس واطمئنان القلب، بالإضافة لما ذكرنا، وقد ذكرنا اليوم سبع أسبابٍ تعينُك على تحصيل السكينة لنفسِك والطمأنينة لقلبك، (( فالإيمان بالله والمداومة على الذِّكرِ والصُّحبة الصالحة والزوجة المَرضِيَّة وإيفاء الحقوق للخلق وقِلَّة مخالطة السفهاء والقيام بالعبادات على أكملِ وجهٌ )) سبعة أسبابٍ تعينك على تحصيل السكينة والطمأنينة، ومتى حصَّل الإنسانُ السَّكِينَةَ فإنَّها إِذَا نَزَلَتْ عَلَى القَلْبِ اطْمَأَنَّ بِهَا، وَسَكَنَتِ الجَوَارِحُ بِسَبَبِهَا؛ فَأَلْبَسَتِ الإِنْسَانَ لِبَاسَ العِفَّةِ وَالوَقَارِ، وَأَنْطَقَتِ اللِّسَانَ بِالحِكْمَةِ وَالصَّوَابِ، فَلا يَقُولُ هُجْرًا، وَلا يَنْطِقُ فُجُورًا وَلا يَشْهَدُ زُورًا، بَلْ يَقُولُ القَولَ السَّدِيدَ، الَّذِي يُحَقِّقُ كُلَّ مَا هُوَ نَافِعٌ وَمُفِيدٌ.

بِالسَّكِينَةِ – عِبَادَ اللهِ – يُوَاجِهُ الإِنْسَانُ المَصَاعِبَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ، وَيَتَغَلَّبُ عَلَى الشَّدَائِدِ مَهْمَا جَلَّتْ، وَيَستَمِرُّ فِي الحَيَاةِ مَسِيرُهُ عَلَى نُورٍ وَهُدًى وَبَصِيرَةٍ، يواجه المَتَاعِبَ وَالمَصَاعِبَ بِرِبَاطَةِ جَأْشٍ وَحُسْنِ يَقِينٍ، يجتازها بِقُوَّةٍ وَتَسْلِيمٍ، يتعَلَّمَ مِنْهَا الحِيطَةَ وَالحَذَرَ، مِنْ غَيْرِ تَسَخُّطٍ عَلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ. يرتقي بنفسه لتكون نفسًا مُطمئنَّة؛ مُطمئنَّةً فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، مُطمئنَّةً فِي الأَخْذِ وَالعَطَاءِ، مُطمئنَّةً فِي الضّيْقِ وَالسَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، تَبْذُلُ الخَيْرَ وَتُحِبُّهُ لِكُلِّ النَّاسِ، لا يَتَطَلَّعُ صَاحِبُهَا إِلَى مَا عِنْدَ الآخَرِينَ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا يَدفَعُهُ إِلَى التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ، الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى العَمَلِ والاجتهاد البَنَّاءِ، لِيُحَقِّقَ النَّفع لِمُجتَمَعِهِ، لِيُحَقِّقَ النفع لوَطَنِهِ، لِيُحَقِّقَ النفع لأمَّتِه، يُحقِّقُ لهم السَّعَادَةَ وَالهَنَاءَ.

هَذِهِ النَّفْسُ الَّتِي رَضِيَتْ وَهذه النفس التي اطْمَأَنَّتْ مكافأتُها الأخيرة، تَنَالُ يَومَ العَرْضِ عَلَى اللهِ شَرَفَ ذاك النِّدَاءِ العظيم: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)) [الفجر:27-30].

اللهم اجعلنا ممن يُنادى عليهم بهذا النداء، اجعلنا من المُطمئنَّة نفوسهم، الخاشعةِ قلوبهم، الساكنةِ أرواحُهم، اللهم اجعل رمضاننا هذا خير عونٍ لنا لنرتقي بأنفسنا وقلوبنا وأرواحنا وعقولنا… إني داعٍ فأمِّنوا

0

تقييم المستخدمون: 4.35 ( 2 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *