الرئيسية / خطبة الجمعة / الاستسلام لله – حتى يحكموك فيما شجر بينهم … ويسلِّموا تسليما

الاستسلام لله – حتى يحكموك فيما شجر بينهم … ويسلِّموا تسليما

خطبة الجمعة 145

#خطبة_الجمعة
#الشيخ_محمد_أبو_النصر

الاستسلام لله
حتى يحكموك فيما شجر بينهم … ويسلِّموا تسليما

🕌 أحد مساجد ريف حلب المحرر.
⏱ المدة: 23 دقيقة.

التاريخ: 28/ صفر /1439هـ
الموافق: 17/ تشرين الثاني /2017م

🔴الأفكار الرئيسة في الخطبة الأولى:
1⃣ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
2⃣ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
3⃣ التسليم لله روح الإيمان والإسلام
4⃣ نماذج من استسلام الأنبياء (نوح – إبراهيم –إسماعيل…)
5⃣ نماذج من استسلام الصحابة لحكم الشرع (الخمر – الذهب – تحويل القِبلة – الحِجاب …)
6⃣ حال المنافقين مع الدعوة ليتحاكموا للشرع
7⃣ وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ
8⃣ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
9⃣ تحكيم شرع الله تبدأ به من علاقتك مع أسرتك وبنيك وأرحامك وعمالك وموظفيك وتابعيك ومرؤوسيك…

🔴 الأفكار الأساسية الواردة في الخطبة الثانية:
🔟 دعاء

رابط الخطبة على الفيسبوك

لتحميل الخطبة كتابيا بصيغة PDF

لتحميل الخطبة صوتيا بصيغة MP3

ملاحظة: ما بين معكوفتين [ ] فهو شرح مُدرج في سياق ذِكرِ الدليل.

الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله نحمده ونستهديه ونستغفره ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فهو المهتد، ومن يُضلِل فلن تجد له وليًّا مُرشِدًا، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبدُه ورسوله وصفيُّه وخليله، أرسله ربُّه بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كرِه المشرِكون، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأُمَّة وكشف الله به الغُمَّة، وأقام في الناس كلمة التوحيد، مَن آمن بها وعمل بمقتضاها فقد أفلح وفاز فوزا عظيما، فصلوات ربِّي وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين وأصحابه الغُرِّ المُحجَّلين ومن سار على دربهم واهتدى بهُداهم إلى يوم الدين، أمَّا بَعْدُ – إخوة الإيمان- ، فَإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ – رسولِ الله – ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَة ضَلالَةٌ، وَإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ…

يقول الله تعالى في مُحكمِ تنزيلِه وهو أحكم القائلين: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الأنعام:155].
أي التزموا أوامره واجتنبوا واتقوا نواهيه وكونوا من المتَّقين لعلَّكم تُرحمون، وهذا بين العبد وربِّه، بين كُلٍّ منَّا مع نفسه، أمَّا بالنسبة لعلاقاتكم مع إخوانكم فيقول أحكم الحاكمين: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)) [النساء:59].

إن كنتم مؤمنين حقًّا بالله واليوم الآخِر ستردون خلافاتكم إلى الله والرسول، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا، ويقول – عزَّ مِن قائل- : ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:65] التسليم لله تعالى – أيها الأحبَّة – الاستسلام لله – أيها السادة – هو روح الإيمان والإسلام فمتى افتقد الإنسان التسليم لله تعالى فَقَدَ إيمانه وفَقَدَ إسلامه … قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – مُعرِّفًا الإسلام: “هو الاستسلام لله لا لغيره، بأن تكون العبادة والطاعة له والذلُّ – له سبحانه -، وهذه حقيقة لا إله إلا الله”.

لا طاعة ولا عبوديَّة ولاذُلَّ إلا لله، هذه حقيقة “لا إله إلا الله”، هذه حقيقة العروة الوثقى التي تُنجي من تمسَّك بها من النَّار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ [لقمان:22]، أي: فقد أخذ موثقا من الله متينًا أنَّه لا يعذبه.

ولهذا كان الاستسلام لله، والانقياد لشرع الله شأن المؤمنين في كلِّ زمانٍ ومكان، شأنَ أنبياء الله وأتباعهم المُخلَصين، نوحٌ – عليه السلام – وعده ربُّه بنجاة أهله، فسأل عن مصير ولده الذي كفَر، ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود:45 – 47].

وعدهُ ربُّه بنجاةِ أهله فسأل عن ولدِه الذي كفَر، لم يدر أنّ ولده الكافر لا يدخل في هذا الوعد، فلمَّا أتى أمر الله لم يُراجِعولم يسأل، قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ … تسليمٌ فوريٌ وطاعة مباشرةٌ لأمر الله سبحانه وتعالى.

نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل – عليهما الصلاة السلام – أتت الإشارة للأب في المنام بذبح ولده الوحيد، فأخبر الوالد ولده فما كان مِن الوالِد والولد إلّا أن استسلما لأمر الله، قالا: سمعنا وأطعنا. وأولئك هم المفلحون.

الصحابة الكرام – رِضوان الله عليهم جميعًا- كانوا يُصلُّون إلى بيت المقدِس في الشام فنزل قوله تعالى: ((فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) [البقرة:144] فاستدار النبي وهو في صلاته، وتابعه الصحابة فاستداروا وهم في صلاتهم قبل أن يسألوا كيف ولماذا، وقد روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ: ” بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ “…

هكذا كان حال الصحابة في الاستجابة لأمر الله …

يوم أن حُرِّمت الخمر، وفي البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: “كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيَّ بن كعب من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آتٍ فقال: إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قُم يا أنس فأهرِقها، فأهرقتها”.

كم استغرقت الاستجابة منهم؟! أتى أمر الله، وأتى أحد أصحابهم ليُخبرهم – والصحابة ما كان يُكذِّبُ بعضُهم بعضًا – قال لهم : “إنَّ الخمر قد حُرِّمت” ، وهم يشربون، فقال أبو طلحة: “قُم يا أنس فأهرِقها”، قال: “فأهرقتها” …

الخمر التي اعتادوها طيلة حياتهم وأدمنوها بل كانوا يموِّنونها في بيوتهم، لمَّا أتى أمر الله بتحريمها، أهراقوها في طرقات المدينة يقولون: سمعنا وأطعنا غفرانك ربَّنا وإليك المصير.

نماذج كثيرة – أيها السادة – أكثر من أن تُعدَّ وتحصى تُظهِر لنا كيف كان استسلام الصحابة لأمر الله ورسوله، تخيَّلوا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – رَأَى خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ – [صلى الله عليه وسلم من يد الرجل و]- فَطَرَحَهُ وَقَالَ: ” يَعْمدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ”، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -:” خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ”، قَالَ:” لَا وَاللَّهِ! لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – “. [والحديث رواه مسلم].

هكذا كان حال الصحابة الكرام في الانقيادِ لشرع الله ، ولم تكن الصحابيَّات بأقلَّ شأننا من الصحابة رضي الله عنهم وعنهنَّ جميعًا، ففي البخاري عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وعن أبيها- قَالَتْ: “يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا”
أي شققن من أثوابهنَّ وغطَّين بها رؤوسهنَّ وأجسامهنَّ، قبل أن يسألن وأن يجادِلن، قبل أن يقُلنَ: كيفَ ولِماذا؟! قُلن: سمعنا وأطعنا غفرانك ربَّنا وإليك المصير…

هكذا يكون الاستسلام لمرادِ الله ولرسوله، وهكذا هو الإيمان الصادِق وهكذا هو الإسلامُ الحق وكلَّما نقص الأمر عن ذلك نقص الإيمان والإسلام… ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [النور:51].
شأن المؤمنين إذا دُعوا للتحاكمِ إلى شرع الله، أن يقولوا: “سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ…”

ولعلَّ سائلا يسأل كيف يكون الاستسلام لله؟! وكيف يكون الاستسلام لسُنَّةِ رسولِ الله في وقتٍ لا وحي فيه ولا نبوَّة؟ ولمن نقول سمعنا وأطعنا؟!

فيكون الجواب من الله تعالى: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) [النحل:43]. ويكون الجواب من رسول الله  ((… وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ)). والحديث صحيح رواه أَبُو داود والترمذي.

نعم أيها السادة، عندما نسألُ لمن يكون الانقياد؟ عندما يتنازع المتنازِعون ويختلِفُ المختلِفون، يكون الانقياد للعلماء الربَّانيين الذين عَرفَ الناس عِلمهم، وخبِروا حالهم وسمعوا اسنادهم، ولم يجهلوا مشايخهم وأصلَهم، المشايخ الربَّانيُّون المتجرِّدون، الذين جعل الله لهم قَبولا بين عباده المؤمنين، هم من وجَب على المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وأن يُسلِّموا لما يقولوه تسليمًا؛ فيما كان من شأن الدين والحُكمِ بين المتخاصِمِين…

أمَّا غير المؤمنين وأمَّا جمع المنافقين فلهم حالٌ آخر مع التسليم للعلماء الربَّانيين،
حالهم حالُ من قال الله عنه: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)) [الفرقان:43]

إذا أردنا أن نعرف المنافقين وحالهم عند الدعوة لتحكيم شرع الله بينهم فلنسمع قول الله تعالى في سورة النساء، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً)) [النساء:60 – 61].

إذا دعاهم العلماء الربَّانيون إلى ما أنزل اللهُ وإلى الرسول، رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً!!
يتركون التحاكم للشرع ويُحكِّمون عُرف القبيلة مثلًا، يتركون التحاكم للشرع ويُحكِّمون عاداتهم المتخلِّفة التي ورثِوها من أبائهم وأجدادهم، يتركون التحاكُم للشرع ويحتكِمون لأهواءِ قاداتهم وأمرائهم، يتركون التحاكُم للشرع ويُحكِّمون السلاح فيما بينهم ليأخذوا ما ليس لهم بحق…

نعم أيها السادة، هكذا هو حال المنافقين ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ [النور: 48-49]. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، إِنْ يَكُنْ لَهُمُ المغنَم، إن يكن لهم المكسَب، إن يوافق الشرع هواهم ومصلحتهم يرضون به بل ويُطالبون منادين بتحكيم الشرع، أمَّا عندما يكون عليهم، أمَّا عندما يُخالِف الشرع هواهم أمَّا عندما يُخالِف الشرع مصلحتهم ومكسبهم، أما عندما يرون أن قوَّتهم وغلبَتهم ستحرز لهم من دنياهم أكثر من نصيبهم الشرعي الذي حكم لهم به الله ورسوله، تراهم يصُدُّن عن الشرعِ صدودا، تراهم يقولون بألسنتهم شيئًا وتكذِّبهم أفعالهم، يضرِبون بشرع الله عرض الحائط ولا يلتفتون لداعي الشرع ولا يأبهون به، ((أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [النور:49 – 50]

بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ … الذين يحتكمون للشرع عندما يوافق الشرعُ مصالِحهم، فإذا ما خالف الشرع مصالِحهم ومصالِح ساداتهم وكبرائهم لا يرضون بشرع الله، بل ويُكذِّبون من كانوا يُطيعونه من المشايخ والدعاة!!

أنَّى لأمثالِ أولئك أن يوفقهم الله أو أن يُصلِح حالهم والله تعالى يقول في أمثالهم – ممن يعرِفون وعن الحقِّ يحيدون- : ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)) [الجاثية:23].
كثيرٌ من الناس يسأل: “الحقُّ أبلج والباطِلُ لجلج، فكيف لأولئك الأتباع أن لا يروا الحقَّ؟!!

أولئك اتخذوا إلههم هواهم وأضلَّهم الله على عِلم، لأنَّهم قدَّموا أهواء ساداتِهم على قول الحق، على قولِ الله ورسولِه الذي بيَّنه ووضَّحه العلماء الربَّانيُّون، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.

من رامَ الهداية والتوفيق، التزم شرع الله على نفسه أوّلا، وفي علاقته مع زوجته وبينه وأرحامه وأصدقائه وجيرانه وسائرِ إخوانه…
التسليم لله – أيها السادة – والاستسلام لشرع الله ليسَ خِطابا لذوي المسؤولية؛ ليس خِطابًا للقادةِ والمتنفِّذين فقط، بل هو خطابٌ لك – أيَّها المسلم – لتلتزمه في تعاملك مع زوجتِك وبنيك، لتلتزمه في تعاملك مع أفراد أسرتك، وفي محيطك الاجتماعي، في أعمالك وأشغالك وسائر شؤونك…

نعم، خِطابٌ لكلِّ مُسلم؛ عندما تظلِم زوجتك ولا تُنفِقُ عليها، فأنت لا تُحكِّمُ شرع الله، ولا تستسلِمُ لشرع الله، عندما تأكلُ ميراث أختِك ولا تُعطيها نصيبها الذي فرضه الشرع لها، فأنت لا ترضى بشرع الله، وكذلِك حال القائد الذي يقتتل مع إخوانه ثمَّ يُدعى للتحاكُم لشرع الله فيأبى، هذا أبى عن شرعِ الله ولم يُسلِّم لشرعِ الله!!

الاستسلام لشرع الله يكون على النفس وعلى الأسرة وعلى المجتمع وكلَّما علا منصبك كبُرت مسؤوليتك؛ ففي بيتك ستسأل عن زوجتك وبنيك، وفي عملك ستُسأل عن عمَّالك ومعاونيك، وفي كتيبتك ستُسأل عن تابعيك، وفي قيادة فصيلك ستُسأل عن مرؤوسيك، فإمَّا التحاكم لشرع الله والتسليم للعلماء الرَّبَّانيين، وإمَّا شريعة الغاب، وسفك الدماء، وخسارة الدنيا والآخرة ذلك هو الخُسرانُ المبين، كما في الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عبّاسٍ – رضي الله عنهما – قال: (( ولا حَكَمَ قَوْم بغير حَقّ إِلا فشا فيهم الدم. ولا خَتَرَ قوم بالعهد إِلا سُلِّطَ عليهم العدوّ)). ولا حَكَمَ قَوْم بغير حَقّ إِلا فشا فيهم الدم: أي إلّا قتلوا بعضهم وسفكوا دماءهم، ولا خَتَرَ قوم بالعهد: أي وما خانوا عهدهم مع بعضه إلا سُلِّط عليهم عدوهم يسفِك دماءهم ويستبيح أعراضهم …

اللهم لا تمكِّن الأعداء فينا ولا تسلِّطهم علينا بذنوبنا، لا تجعلنا الله ممن يندمون في يومٍ لا ينفع فيه الندم، يوم يقول المجرِمون: ((وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)) [الأحزاب:67-68]

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

مِن دعاءِ الخُطبة الثانية:
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغِنى، نسألك موجِبات رحمتك وعزائم مغفرتِك والغنيمة من كلِّ بر والسلامة من كلِّ إثم والفوز بالجنَّة والنجاة من النار.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا مؤمنين بكتابك، مستسلمين لقضائك، أحينا على سنة نبيِّك وأمتنا عليها يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين.

اللهم اغفر لنا أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم… اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجُلَّها، سِرَّها وعلانيتها، لا تغادر لنا ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرَّجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضًا ولا مبتلى إلا شافيته وعافيته، ولا غائبًا إلا لأهله سالمًا رددته… ولا حاجةً لنا من حوائج الدنيا أو الآخرة لك فيها رضى ولنا فيها فلاح إلا قضيتها لنا، يا قاضيَ الحاجات، يا عفوًّا عن الزلَّات، يا ربَّ الأراضين والسماوات، يامن جودك دلنا عليك وإحسانك قرَّبنا إليك نشكوا إليك ما لا يخفى عليك، نشكوا إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، اللهم إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي لكن عافيتك أوسع لنا…

اللهم شاف جرحانا، وعاف مبتلانا، وفكَّ أسرانا ، وارحم موتانا، اللهم واهد ضالنا، وردَّ غائبنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم استر عيوبنا، ونفِّس كرباتنا. وتوفنا مع الأبرار، وأدخلنا الجنة مع الأخيار، برحمتك ياعزيز يا غفَّار

آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.

0

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *